بصمة يدها وأشقاؤها المحتالون أفقدوها كلّ شيء

الإثنين 21 مارس 2016

بصمة يدها وأشقاؤها المحتالون أفقدوها كلّ شيء
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد- قصة صحفية: ايمان فقها- أمسكت حفنات من التراب، وبدأت بإلقائها بشدة على وجهها، وردّدت "اااخ يما لو تعرفي من بعدك شو صار"، أحنت رأسها للأسفل، ثم أدارت جسدها يميناً ويساراً، وبدأت قطرات عينها تتسلل بسرعة متناهية، وصوت الشهيق بداخلها يعلو، كم ستمكثين يا خالتي بهذا الوجع؟ رفعت رأسها، أمسكت بيدي، وبدأت تسرد تلك الحكاية، "بالك فرحان؟ كل ما تحمل مرته بتسقط، وابنه الوحيد كل يوم بالمشفى، بس مش راضي يرجعلي حقي".

حاولت بمرارة تناول لقمة تسدّ بها رمق جوعها، تنهدت وصوت ال "آه يما من وجعي" وكأنه يخترق أنفاسها، وبعض من تقاسيم وجهها تحاكي عصارة من ألم عشرين سنة لا زالت تتكبّد الأمريّن منها، شدت على يديها التي بزغت منها الشرايين بقوة، وجلست بزاويةِ غرفة وحيدة تُرِكت لها من ميراث يقدّر بالملايين حسب قولها.

رفعت يديها تحاول مسح أدمعها لكنها اشتدّت أكثر، أمسكت صورة لوالدتها وبقيت تبكي قرابة نصف ساعة دون انقطاع وكأنها اعتادت على ذلك يوميّاً حتى تنتفخ عيناها ثم تغفو لتصحو باكراً برحلة تختلف عما تتوقع، تلك التي تشق فيها مسافات طوال على رجليها تلقي السلام على قبر والدتها وتجلس ساعة تحادثها وكأنها لا زالت موجودة.

"حكيتيلي يما لا تتزوجي، اقعدي جنبي، في عنا مصاري، شفتي يما وين راحوا أولادك فيهن، الله يرحمك يما"، ثم وضعت قنينة مياه بجانب قبرها، وأكملت مشوار المشي حتى وصلت لأرض واسعة، مليئة بالأشجار، مزروعة بأنواع عدة من الخضروات والفواكه.   

جلست بمنتصف هذه الأرض، وبدأت تسرد منتهى - اسم مستعار- أو "أم عمار" كما تحبّ أن ينادوها حكايتها، فهي أخت لثلاثة أشقاء، توفي والدهم تاركاً وراءه إرثاً كبيراً، لكن الطمع  بضمّ الحصة الصغيرة للكبرى كان الفاجع لها بعد وفاة والدتها، لتُلقى بين رفّ من الفقر المدقع تتلمس المساعدات الإنسانية، ووجبات الطعام من المحسنين.

تذكر أم عمار (53 عاماً) :"كنت الابنة المدلّلة لوالدي، حبّذني دائماً على الدراسة حتى أكون ممرضة، لكن مرض أمي منعني عن ذلك، فدرست حتى الصف التاسع، ثمّ اعتنيت بوالدتي حتى كبرت وأصبحت في مقتبل العشرينيات".

تتابع أم عمار :"لم يوافق والدي على تزويجي، وأخوتي رفضوا خوفاً من ضياع الميراث حتى أصبحت في الثلاثينات أي العانس بنظر المجتمع، وتوفي والدي إثر جلطة قلبية حلّت به، ليبدأ الصراع حول تقسيم الإرث الذي تراكمت مشاكله حتى أوصل والدتي لحدّ الوفاة".

وفي يومٍ طلب أخ منتهى الأكبر من والدتها التوقيع على ورقة تتنازل عن حصتها من الإرث له وحده، لكنها رفضت في البداية ليقنعها أن هناك مشروع كبير يريد تنفيذه، وسيضخّ عليهم ثروة أكبر مما لديهم الآن، وتحت إغراءاته وافقت والدة منتهى، لتبدأ سلسلة المشاكل ما بين الأشقاء الثلاثة وتنتهي بحلّ تكون "منتهى" الطرف الأساسي به.

هي لحظة واختفى كلّ شي، منتهى لم يعد بحسابها أيّ مبلغ ماليّ ! فقدت ما تملك بخطّة لا يخيل لك أنها خارجة من تصرفّ أشقاء لها، فبضع من حبّات المنوم في كأس من الشاي كانت كافية لأخذ بصمة من أصبعها، وسلب حقها حتى هذه اللحظة.

استيقظت بعد سنة، أي بعد وفاة والدتها، لتجد نفسها بلا شيء، وعند طلبها حصتها من الميراث، استهزأوا بها تاركين لها منزل العائلة ليضمّها ومبلغاً مالياً، لتفقد جزءاً من عقلها، وتخرج من تلك الصدمة بصدمة أخرى مفجعة.

حملت ذاتها، وذهبت لأرض والدها لعلها تسترجع جزءاً من نفسها، لكن بيعت الأرض، "هنا سقينا شجرة البرتقال، وهناك روينا تلك الورود التي تفتحت بكل الألوان، هذه حديقتي، أنا من زرعتها، وكان يقول لي والدي ستكبرين يا منتهى وسترين كيف ستنبت تلك الأشجار والورود، كل شيء حولك سيكون مبهجاً، رحل والدي، ومات كلّ شيء".

سافر أشقاء منتهى، وبقيت وحيدة في بيت كبير، اضطرّت بعد فترة لبيعه، والمكوث في غرفة وحيدة تأوي بها نفسها، وتعتاش من مبلغ ذلك البيت، ليهجم عليها الفقر من كلّ حدب وصوب، وتبقى هي تنتظر لقمة عيش من شفقة الآخرين.

ولسخرية القدر فأموال المظاليم لا يتمتع بها السارقون، حيث تذكر أم عمار :"جاءت إلي امرأة تسألني عن أحوال أشقائي فقلت لها لا أعلم، الله يسهلهم، فقالت لي:زوجة أخيك الأكبر كلما حملت تجهض ولم يعلم الأطباء ما سبب ذلك؟ وشقيقك الأوسط لم يتزوج حتى هذه اللحظة بعد خطبته من اثنتين، والأصغر مريض بفشل كلوي، سامحيهم يا منتهى، الدنيا زائلة".

"لكن من يرجع لي حقاً سلبه ظلم دنيا؟ ومن يقول للفقر كفّ عني؟ ومن يحمل أوجاعاً لا يعلمها إلا الله؟ ومن يزيل نظرات الشفقة التي أراها بعين الصغار قبل الكبار؟ لكنها دنيا وزائلة وعند الله لا يزول شيء"، ثمّ نامت، وغفت لتستيقظ باكراً معاودة الرحلة ذاتها، فأرض والدها لن تتخلى عن زيارتها حتى لو باتت بيدِ آخرين، والحنين للشجرات لن يزول بمشقة الفقر.