هل يقف "رفع الحصار عن غزّة" عائقاً أمام عودة العلاقات بين أنقرة وتل أبيب؟

الإثنين 18 أبريل 2016

هل يقف "رفع الحصار عن غزّة" عائقاً أمام عودة العلاقات بين أنقرة وتل أبيب؟
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد- تقرير آيه ناشف- قال المتحدث باسم الرئاسة التركيّة إبراهيم قالن، خلال مؤتمر صحفي عقده في المجمع الرئاسي بالعاصمة التركيّة أنقرة الأسبوع الماضي، أنّ المفاوضات مع الجانب "الإسرائيلي"لا تزال مستمرّة، وأنّهم لم يتوصلوا بعد إلى اتفاق نهائي بهذا الصدد، مؤكّدًا أنّ رفع الحصار المفروض على الفلسطينيين هو الشرط الثالث الذي وضعته أنقرة لتطبيع العلاقات مع تل أبيب، معرباً عن رفض بلاده التام حرمان الاحتلال من احتياجات المدنيين الإنسانية الأساسية، بذرائع أمنية أو بحجّة الإرهاب، مؤكّداً أنّ بلاده مستمرة في تقديم الدّعم لفسلطين على جميع الأصعدة.

كما لفت قالن إلى أنّ موقف تركيا، والذي يتمثل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقيّة، وإنهاء "إسرائيل" ممارسات الاحتلال، والحصار على الأراضي الفلسطينيّة لم ولن يتغيّر.

وكانت تركيا قد وضعت عدّة شروط لتطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، التي تضررت بشدّة عقب اعتداء الجيش "الإسرائيلي" في عام 2010 على ناشطين أتراك، كانوا على متن سفينة "مافي مرمرة"، في سياق محاولات فك الحصار "الإسرائيلي" عن غزة، ما أدى إلى مقتل عدد من هؤلاء الناشطين، عدا عن جرح آخرين، ومن ضمن هذه الشروط: الاعتذار عن مقتل الناشطين الأتراك الذين قضوا في الحادثة، ودفع التعويضات لعائلات الضحايا، إلى جانب فك الحصار عن القطاع.

 

عودة العلاقات...

ويقول المحلل السياسي غالب دالاي في مقال له على صحيفة قرار "العلاقات التركية "الإسرائيلية" بدأت من جديد بالعودة إلى مسارها الطبيعي، وذلك بعد انقطاع  دام 3 سنوات؛ بسبب حادثة سفينة "مافي مرمرة"، وحسب صحيفة "هآرتس" "الإسرائيلية" فإن الدبلوماسيين الأتراك و"الإسرائيلين" سوف يجتمعون من أجل تحسين العلاقات بين البلدين".

ويؤكد دالاي أنّ الإعلام استخدم مفهوم" التطبيع" للتعبير عن هذا التطور الحاصل في العلاقات بين البلدين، لكن في الحقيقة يمكننا القول أنّ هذا التطور عبارة عن إعادة تشكيل هذه العلاقات السياسيّة من جديد، ورغم أنّها منهارة إلا أنّ حجم التبادل التجاري بينهما قد وصل إلى مستوى عالٍ.

ويتابع دالاي "تحظى العلاقات بين البلدين بدبلوماسية جيّدة، حتّى إنّها تمتلك على الصعيد العسكري والأمني مؤسسات بيروقراطية قويّة، لكن لم تكن هذه الاتصالات أبداّ تحمل أي طابع اجتماعي، لأنّه عند الحديث عن القضية الفلسطينية فإنّ "إسرائيل" لن تغير أبداً من موقفها السلبي تجاه هذه القضية، وهذا يعني أنّ العلاقات لن تطبّع وستظّل محطّمة".

ويفيد دالاي أنّه و بحسب التطورات الشاذة الحاصلة في المنطقة، فإنّ العلاقات الدبلوماسية بين "إسرائيل" وتركيا تتطلب نشأة جديدة، لكن بالمقابل فإنّ أنقرة تتحمل مسؤليات كبيرة، إذ على عاتقها يقع تأمين الماء والكهرباء للضّفة الغربيّة وغزّة، ومن أجل استمرار العلاقات التركيّة "الإسرائيليّة" يجب على الطرفين الجلوس على طاولة الحوار بشكل مستمر.

الدوافع التركيّة...

وفي مقال له على موقع أطلس، يبين الكاتب والمحلل السياسي إسماعيل مهرة، أنّه وبعيدًا عن التخمين والغوص في الدوافع التركية للمصالحة مع تل أبيب، يمكن وبدون عين متفحصة رؤية المأزق التركي في الساحة السورية، والمتمثل بالتدخل الروسي وتقدم قوات نظام الأسد، والأهم انفجار القضية الكردية في وجه الأتراك وعلى جانبي الحدود، والعلاقات التركية المتأزّمة مع جميع دول جوارها تقريبًا، والتقدير التركي أنّ "إسرائيل" لاعب إقليمي مهم له تأثير قوي في الساحة السوريّة، وله علاقات سياسيّة وأمنيّة قويّة مع كردستان العراق.

ويكمل مهرة "في ظل قطيعة العلاقات التركيّة "الإسرائيليّة"، تشكّل حلف مقلق للأتراك بين كل من "إسرائيل" ومصر وقبرص واليونان، علاوة على أنّ تركيا ترى في "إسرائيل" حليفًا لها وللمحور السني العربي ضدّ الدور الإقليمي الإيراني، وربما تطمح تركيا أيضًا في التأثير على العلاقة "الحميمية" بين تل أبيب ونظام السيسي؛ للتخريب على الأخير، ف"إسرائيل" باتت لاعباً إقليمياً يملك غازاً، ويلعب دوراً تعزيزيّاً، ومساعد كبير لأعداء تركيا التقليديين، قبرص واليونان".

ويؤكد الأستاذ إسماعيل مهرة، أنّه فيما لأنقرة دافع كبيرة لتطبيع علاقاتها مع تل أبيب؛ فإن لنتنياهو دوافع لإهمال الملف التركي، وكانت تصريحات يعلون - الممثل الأعلى للمصالح الأمنية "الإسرائيلية" - المنددة بالسياسات التركية، في اللحظة التي كانت تركيا  تمد فيها يدها للتطبيع مع تل أبيب، مؤشرًا كبيرًا على تغير الأولويات "الإسرائيلية" تجاه تركيا، حيث قام يعلون بتوجيه اتهامات لها بدعم الإرهاب وتمويل "داعش"، والغريب أنّ تصريحات يعلون لم تغضب أردوغان، ولم نسمع رد أردوغاني مزمجر عليها، كما هي عادته دومًا في الرد على الاتهامات الموجهة لتركيا.

ويتابع مهرة "لكل ذلك؛ لا أعتقد أنّ اتفاقًا مهمًا وجديًا بين تركيا و"إسرائيل" سيتحقق في الأفق المنظور، اتفاق يمكنه أن يرفع الحصار عن القطاع، ويكفل فتح المجرى الملاحي البحري من وإلى غزّة، وسيضطر أردوغان إلى تأجيل رغبته في التقاط صورة له في ميناء غزة قادمًا من البحر، معلنًا نهاية الحصار الى أجل غير محدد؛ مع ذلك فإن اتفاقًا مبهمًا يعيد تبادل السفراء بين البلدين، وعبارات غامضة عن رفع الحصار أو تشكيل لجان فنيّة لدراسة أمر إنهائه، والترحيب "الإسرائيلي" بالجهود التركية في إعادة إعمار القطاع، إلى آخر كل ذلك، هو اتفاق ممكن".

رفع الحصار مقابل التطبيع...

وفي حديث خاص مع الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، يفيد أنّ العلاقات التركيّة الإسرائيليّة في الأصل كانت قائمة على المصالح، وفي النهاية ستقوم أيضاً على المصالح؛ لأن كلا الدولتين سيعتمد قبوله أو رفضه للاتفاق على مدى تحقيق مطالبه وحصد إنجازاته، لكن في الوقت ذاته، لا يرجّح أن تبقى العلاقة بين الدولتين متوترة؛ فأنقرة تحديداً بحاجة لتل أبيب، خاصة في مجال استيراد الغاز منها، بعد التراجع الملحوظ الذي طرأ على علاقة تركيا مع روسيا.

ويؤكد عوكل أنّه فيما يتعلّق بموضوع غزّة، فإنّ تركيا تعلم أن هذه القضيّة متشابكة، ولا تستطيع - حتى لو أصرّت - أن تفرض على "إسرائيل" شروطها المتمثلة في رفع الحصار والتي لا تقبل الأخيرة بها، فتل أبيب قد توافق على تخفيف الحصار عن غزّة ولكن ليس رفعه كاملاً، وحتى هذا الأمر يحتاج لاتفاق بين "إسرائيل" ومصر وبعلم السلطة الفلسطينيّة أيضاً، فهي لا تريد - أي "إسرائيل" -  القيام بأي عمل يخص قطاع غزّة دون موافقة السلطة.

ويضيف عوكل "هذا لا يعني أنّ القضية الفلسطينية ليس لها دور مركزي في الموضوع، لكن هناك مشاكل وقضايا أخرى عديدة، فعلاقات الجمهور بين الطرفين انقطعت تماماً، ولا يوجد أي حافز لدى الرأي العام لكل من الجهتين من أجل إعادة العلاقات وإحيائها من جديد، ولذلك على كل طرف أنْ يقتنع أولاً بأنّ تطبيع العلاقات سيعود بالنفع عليه، وعلى مواطنيه، أما استمرار التحليل على أساس أي من الثنائي سيستفيد أكثر من تطبيع العلاقات، فهذا تفسير وتحليل خاطئ، ويدل على عدم الجديّة في الوصول إلى حل، لأنّ المسألة أعمق من ذلك، وما تنتظره الجهتان من بعضهما البعض يتجاوز ذلك بمراحل".

تاريخ العلاقات...

يذكر أنّ العلاقات بين تركيا و "إسرائيل" امتدّت عشرات السنين، حيث كانت تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بها سنة 1949، كأول دولة مسلمة تفعل ذلك، وبعد انضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي عام1952، تعمقت العلاقة بينهما أكثر، خصوصاً في المجالين العسكري والأمني، ثمّ وصلت ذروتها بزيارة رئيسة الوزراء التركيّة تانسو تشيلر لتل أبيب عام 1996، تبعها توقيع عشرات الاتفاقيات في المجالات السياسيّة والاقتصادية والاستخباراتيّة، واستمرّ هذا التوافق حتى بعد وصول حزب العدالة والتنميّة التركي للحكم.

لاحقاً، مرّت العلاقات الثنائيّة بعدّة منعطفات وأزمات، على إثر العدوان "الإسرائيلي"على غزّة عام 2008، تبعه حادثة منتدى دافوس عام 2009، عدا عن إهانة السفير التركي في تل أبيب في كانون الثاني/يناير 2010، عندما رفض نائب وزير الخارجيّة "الإسرائيلي" آنذاك داني أيلون، مصافحته ولم يقدم له أي ضيافة، إضافة إلى إجلاسه على مقعد منخفض، وقد وصل التوتر بينهما ذروته بالاعتداء "الإسرائيلي" على سفينة مرمرة، لتتراجع بعدها الاتصالات الدبلوماسيّة بين الطرفين إلى أدنى مستوياتها، والتي استمرّت كذلك حتى الآن.