مجزرة الأرمن ... شمّاعة غربيّة لإضعاف نفوذ تركيا

الأربعاء 27 أبريل 2016

مجزرة الأرمن ... شمّاعة غربيّة لإضعاف نفوذ تركيا
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد- تقرير: آية ناشف- شهدنا قبل عدّة أّيّام البيان الذي أصدره باراك أوباما بشأن أحداث عام 1915، المتعلّقة بالمجازر التي ارتكبها الجيش العثمانيّ ضد الأرمن مطلع الحرب العالميّة الأولى، سبق ذلك ذكرى "الإبادة الجماعية" للأرمن بعدّة أيّام، حيث نعت الرئيس الأمريكي ما حدث حينها ب "ميدس يغيرن" والتي تعني الكارثة الكبرى، وبالطبع جاء الرّد التركي رافضاً ومستنكراً لما ذكر في البيان، على اعتبار أنّ أوباما لم يجرِ تقييماً عادلاً وقائماً على الحقائق التاريخيّة للأمور، وبالتالي لم يكن محايداً ولا موضوعيّاً في حكمه.

ما قاله أوباما لا يعبّر عن الولايات المتّحدة بمفردها، بل يختزل مواقف الدّول الأوروبية بمجموعها أيضاً، ففي الرابع والعشرين من نيسان كل عام -وهو ذكرى المجزرة-  نلحظ  ضجيجاً دوليّاً يطالب تركيا أن تعترف بمسؤوليتها عن "الإبادة الجماعيّة" بحق الأرمن، وما يعقب ذلك من دفع تعويضات لعائلات الضحايا والأسر المهجّرة.

إنّ الرّفض التركي لمسألة الاعتراف بالمذبحة، لم يكن بداعي الاعتراض فحسب، إنّما لعجزها عن تحمّل عبء دفع مبالغ طائلة للشعب الأرمني، تكفيراً لخطأ ارتكبته الدّولة العثمانيّة قبل قرن من الزمان، عدا عن أنّ الجمهوريّة التركيّة الحديثة والتي قامت عقب انهيار الإمبراطورية العثمانيّة، كنتيجة للحرب العالميّة الأولى، تكفّلت بسداد كافة الديون التي تراكمت على الدّولة في آخر عهدها، وبالتالي فإنّ اعترافها بمجزرة الأرمن كان سيضيف إليها عبء جديداً هي في غنى عنه.

الشيء ذاته يتكرر في الوقت الحالي، فتركيا المعاصرة رغم التحسن الكبير الذي طرأ على اقتصادها في السنوات العشر الأخيرة، إلّا أنّها لا زالت تعاني من تذبذبه نوعاً ما، خاصّة بعد توتر علاقتها بالولايات المتّحدة وروسيا، أضف لذلك خلافاتها المستمّرة مع إسرائيل، علاوة على استمرار النّزيف في خاصرتها الجنوبية الملتهبة؛ بسبب تفاقم صراعها مع الأكراد، كل هذا وأكثر يثقل كاهل أنقرة، ويكبّدها خسائر ضخمة، ما يدفعها للتهرّب من اعتراف قد يودي باقتصادها إلى الهاوية.

ولنكون منطقيين أكثر، دعونا ننكفئ إلى الوراء ما يقارب المائة سنة، ونقف تحديداً عند بداية الحرب العالميّة الأولى، ففي الوقت الذي كانت تقاتل فيه الدّولة العثمانيّة الحلفاء، قام القوميون الأرمن بالتعاون مع القوّات الرّوسيّة - عدوّة تركيا - بغية إنشاء دولة أرمنيّة مستقلة في منطقة الأناضول وحاربوها، كما انشقّ بعض الأرمن الذين كانوا يخدمون في صفوف القوّات العثمانيّة، وانضمّوا للجيش الرّوسي، الذي لقي منهم دعماً كبيراً فور احتلاله شرقي الأناضول.

في تلك الفترة عمدت هذه القوات إلى ارتكاب مجازر ضدّ المدنيين في المناطق التي احتلوها، ومارست شتّى أنواع الظلم بحق الأهالي، يضاف إلى ذلك محاولتها تعطيل طرق إمدادات الجيش العثماني، وإعاقة تقدّمه.

وفي ظلّ تواصل الاعتداءات الأرمنيّة، قرّرت السلطات العثمانيّة تهجير الأرمن القاطنين في مناطق الحرب، والمتواطئين مع الجيش الرّوسي ونقلهم إلى أماكن أخرى داخل الدّولة العثمانيّة.

ليس هذا فحسب، بل قتل حوالي مليون أرمني، خلال رحلة التّهجير القسري، بسبب ظروف الحرب، والأوبئة، والجوع، وقطّاع الطرق، والهجمات التي تعرّضوا لها، وفي هذا الصدد يقع اللّوم على الدولة العثمانيّة، التي كان ينبغي عليها مواجهة الجماعات المسلّحة فقط بعيداً عن المدنيين العزّل الذين أزهقت أرواحهم دون ذنب يذكر، بل كان يجدر بها توفير الحماية لهم.


وعقب انسحاب روسيا من الحرب، جراء الثورة البلشفية عام 1917م، تُركت المنطقة للجماعات الأرمنيّة، حيث حصلت على الأسلحة والعتاد الذي خلّفه الجيش الروسي وراءه، واستخدمتها في احتلال العديد من التجمعات السكانية العثمانية.


وبموجب معاهدة سيفر عام 1920، التي وقعتها الدولة العثمانية، تمّ فرض تأسيس دولة أرمنيّة شرقي الأناضول، إلا أنّ الاتفاقيّة لم تدخل حيز التنفيذ، ما دفع الوحدات الأرمنية إلى إعادة احتلال شرقي الأناضول.

 

 وفي ديسمبر 1920، جرى دحر تلك الوحدات، ورسم الحدود - الحالية - بين تركيا وأرمينيا لاحقًا، بموجب معاهدة غومرو، إلّا أنّه تعذّر تطبيق المعاهدة؛ كون أرمينيا جزء من روسيا في تلك الفترة، ثمَّ جرى قبول المواد الواردة في الاتفاقية عبر معاهدة موسكو الموقعة عام 1921م، واتفاقية قارص الموقعة مع أذربيجان وأرمينيا، وجورجيا، لكن أرمينيا أعلنت عدم اعترافها بـهذه المعاهدة، عقب استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991م.

 

إن المنظور الذي تبصر من خلاله الدّول الكبرى قضيّة الأرمن، لا يتضمن نقاشًا تاريخيًا عن وضعهم  على مدى 5 قرون تقريبًا، عاشوا فيها تحت الحكم العثماني، بل يختزل معاملة الإدارة العثمانية للأرمن - المعروفون في التاريخ العثماني بالملة النجيبة- في فترة الحرب العالمية الأولى، كما يلغي ويتغافل بالطبع عن أسباب التهجير والقتل، التي استهدفت الأرمن أثناء عملية التهجير خلال تلك الحرب.

 

ليس الهدف من هذا الكلام إيجاد مبرّرات لما فعلته الدّولة العثمانية ، لكنّ من المنطقي القول، أنّ ما تعرّض له الأرمن من اعتداءات وتهجير، هو رد فعل لما كانت تقوم به جماعاتهم المسلّحة، حيث تمكّنت الدراسات من إحصاء 185 مقبرة جماعية في مناطق شرق وجنوب شرقي الأناضول، وإنّ الرقم المذكور للضحايا وارد ضمن وثيقة أرشيفية، بحسب الباحث "أرول كورجي أوغلو"، الذي أوضح أنّ القوّات الأرمنيّة قتلت 50 ألفا في أرضروم، و45 ألفا في وان، و17 ألفا في قارص، و15 ألفا في إغدير، و13 ألفا في أرزنجان، ومئات الآلاف في مناطق أخرى.

 

بعد كلّ هذا يأتي "حمامة السّلام السمراء" أوباما؛ ليطالب تركيا بتحمل مسؤولية خطأ ارتكبته الدّولة العثمانيّة منذ قرن من الزمان، وردّا على اعتداءات تعرّضت لها آنذاك، يبدو أنّه لم يسمع يوماً بمذبحة الركبة الجريحة، التي اقترفها الأمريكيون الأوروبيون بحق سكان القارة الأمريكية الأصليين "الهنود الحمر".

 

أعتقد أيضاً أنّه لم ير أو يسمع يوماً عن مذبحة صبرا وشاتيلا، ودير ياسين، ولا عن القرى الفلسطينيّة التي دمّرت بالكامل، كما أنّه لم يحدث وأن شاهد التلفاز ورأى ما ارتكبه الصهاينة من جرائم حرب في فلسطين.

 

تصريحات أوباما وغيره من القادّة الأوروبيّين بخصوص العلاقات الأرمنيّة - التركيّة، لا تنمّ عن حرصهم على تحقيق السلام، وإرساء مبادئ الإنسانيّة، وليست دليلاً على التزامهم بتطبيق بنود القانون الدّولي، فلو كان الموضوع كذلك، لأضحت الولايات المتحدّة وغيرها من الدّول الكبرى أوّل من يفرض عليه عقوبات، ودفع تعويضات عما ارتكبته من جرائم حرب بالمنطقة العربيّة على وجه الخصوص.

 

لكن الفكرة تكمن في سعي الدّول الكبرى لإضعاف الدور التركي الإقليمي، وتقليص نفوذ أردوغان في دول الجوار، فلا رغبة لهذه الحكومات بوجود دولة إسلامية ذات اقتصاد قوي،  

وسيطرة واسعة في المنطقة أيّاً كانت.