تقرير: "قفين" ضحيّةٌ أخرى

الثلاثاء 03 يناير 2017

تقرير: "قفين" ضحيّةٌ أخرى
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد - تقرير: رغد مهند حطاب - اسطورة أخرى ينسجها أبناء ارضٍ أبتْ إلا ان تكون عصية على غزاتها، وشوكتا في حلق اعدائها وصرخة في سمائها ان الأرض وابنائها سيبقون ابدا صامدون. فعانق إصرار الأرض صمود أبنائها وتحديهم لمحتلها الغريب عن سمائها وصخورها وطينها وتزيتونها العتيق.

بل لامس عناق الأرض وصمود الأبناء أمواج بحر فلسطين الأزرق، واحتضن جبالها الخضراء، لتزلزل أصوات ذلك العناق قهر التهجير، والتدمير، والقتل، والأسر، والحصار وأخيراً مصادرة الأراضي وجدار العنصرية.

ولقد كان لبلدة قفين الواقعة شمال مدينة طولكرم الحظ الوفير من كتابة أسطر العناد ووسام الإصرار على البقاء. تلك البلدة التي عانت من مصادرة الأرض وجدار الفصل، لتكون نموذجا اخر، غير مقتصر عليها وحدها، لمعاناة الماضي والحاضر والذي يرفض شعبها ان يدوم في المستقبل.

من هنا أتت ضحكة أحد أبنائها حين سألني مستنكرا "هل أنتِ جادة بسؤالك!" حين سألته ماذا أبقي الاحتلال من ارض قفين؟

هو يعلم انني اجري معه حوارا جاد لكن المزارع ربحي عزت الصباح، البالغ من العمر 54 عاما، أراد ان يستهجن المستهجن ليؤكد واقع الألم الذي أصاب ارضا رويت بدماء أبنائها الأصليين. لكن أجاب الصباح من بلدة قفين الواقعة شمال مدينة طولكرم، عن إذ كان الاحتلال قد ترك لهم متنفس مادي يسترزقون منه "ماذا بقي لنا؟!كل أملاكنا خلف الجدار، لم يبقى لنا شيء"

لم يبتعد ربحي عن الحقيقة فقد كان يشير الى البلاغ الذي وصله وأبناء عمومته عام 2005من قبل الاحتلال لإخطارهم بمصادرة ما يقرب من خمسين دونما من أراضيهم التي يملكونها في بلدتهم قفين، والتي يشهد زرعها وتزيتونها انها لا تعرف لغة غير العربية، ولا لهجة الا لهجةً ’قفينية‘!

فبلدة قفين، وحسب المصادر التاريخية، من أقدم القرى بالمنطقة، وهي من أكثر البلدان المتضررة بما يسمى بالجدار الأمني حيث تم مصادرة خمسة آلاف دونم خلف الجدار بالإضافة إلى ستمائة دونم تم تجريفها وشق الجدار منها.

وعن ذلك تحدثتُ إلى رئيسة جمعية نساء قفين وعضو مساند في بلدة قفين السيدة ليلى الصباح حيث اضافت "بدأت عملية مصادرة الأراضي عام 1949م ضمن اتفاقية رودوس لتزبيط الحدود، وفي عام 1984م تم مصادرة قسم كبير من أراضي بلدة قفين في المنطقة الشرقية التي تعد اليوم مستعمرة حرميش في الشرق من بلدة قفين"

وعادت عملية مصادرة الأراضي عام 2000 للشروع في بناء الجدار عام 2002م ما أشارت الصباح في قولها "بدأت التبليغات في ذلك الوقت تصل سكانها وكما يذكر أن أراضي قفين كانت تصل للبحر الأبيض المتوسط".

وتعتمد البلدة اعتمادا كبيرا على محصول الزيتون والعمل داخل الخط الأخضر، لكن انشاء الجدار الأمني أفقد القرية 80% من أراضيها الزراعية التي تعد مصدر رزق أساسي في البلدة.

 كما كتم الجدار بوجوده وبظل الإغلاقات المستمرة على المصدر الثاني للرزق وهو العمالة، فقد حرم العمال من الوصول إلى أعمالهم داخل الخط الأخضر، وبهذا تعيش البلدة بوضع اقتصادي سيء للغاية. فمن الشمال يحد البلدة بوابة برطعة المخصصة للعمال الذين يعملون في داخل أراضي الخط لأخضر ومن الجنوب بوابة العكابة المخصصة للمزارعين.

وعن حال الزراعة قبل المصادرة يقول ربحي الصباح "كنا نزرع شعير، قمح، البيكا، كل شيء يمكن زرعه في ذلك الوقت" أما الآن وبعد المصادرة وانشاء الجدار، فأشار الصباح لصعوبة عملية الدخول إلى الأرض، بصوت يائس حين قال  "بالتصاريح"

يقوم الاحتلال بتوفير التصاريح بمزاجيته المعهودة، فمثلا، قال الصباح، "قبل أسبوعين على حسب قولهم لم يكن هناك تنسيق ولم تقدم البلدية التصاريح في حين اليوم ذهبت للبلدية وقامت البلدية بتقديم التصاريح".

ولتصبح التصاريح جاهزة تحتاج لمدة أسبوع تقريبا، وتتراوح مدة صلاحيتها ما بين شهرين إلى سنة، ونادرا ما يمتد مدة التصريح لعامين.

من جهة أخرى، تتأثر الزراعة بشكل سلبي ومستمر نتيجة الغياب عن رعايتها. ويعود سبب كثرة وتكرار الغياب المستمر الى العوائق المتعلقة بحصول المزارعين على تصاريح دخول، ما يضطر المزارعين في الغالب الى الاعتماد على الزراعة البعلية. لكن حدود المعاناة لا تقف عند هذا الحد. فالمزارع، كما استطرد الصباح، لا يؤمن على مزروعاته وان كانت بعلية لوجود عوائق أخرى. "بصدق بعد الجدار لم نزرع شيء، في إحدى السنوات قمنا عن طريق الصليب بزراعة القمح، لكن المحصول اهلكه الشوك والخنازير (التي يطلقها الاحتلال) على المزروعات" وبالتالي لا يوجد سوى أشجار الزيتون المنتجة موسميا.

ومنذ ان بدا الاحتلال بإطلاق الخنازير البرية على مزروعات الفلسطينيين أصبحت القضية الأهم لدى أهالي قفين هي قضية الخنازير، رغم معاناتهم اليومية مع الجدار. ولم يكن حظ الأراضي الأمامية التي لا يحتويها الجدار أفضل من تلك التي اقتطعها الجدار. فالمزارع لا يستطيع الزراعة في تلك الأراضي كما أشار الصباح: "كنت قد زرعت بعض من القمح ففي يوم تفقدي لهم وجدت كميات من الخنازير قد أفسدت المحصول كله"

وكما لعب مزاج التصريح بالدخول دور في تلف محصول (البيكا) كان قد زرعه الصباح ليبيعه لأصحاب المواشي. وعلى هذا عقبت فاطمة الصباح زوجة المزارع ربحي الصباح بالقول: " لم تصدر التصاريح في تلك الفترة لتمنعنا من متابعة حال محصول (البيكا)، فعدنا بعد يوم ماطر لنجمع المحصول ونحرقه" واشارت إليه لتبين لنا بأن هذه التصاريح ما هي إلا وسيله للتخدير في حضن تلك الخسائر.

وفي ظل الصعوبات فان نسبة العمال في الداخل من البلدة عالية جدا، فجاءت بوابة العكابة كباب رزق للعمال "عندما نذهب نحن كمزارعين للبوابة لا يسمح لنا العمال بالدخول قبلهم رغم أن هذه البوابة فتحت خصيصا للمزارعين"

عدا عن أن البوابة تحمل رقم لا يمكن عبور غيرها لوجود رقمها في التصريح يعيق عليهم الدخول وان كان من بوابة زراعية أخرى. كما أن الذين تقع أراضيهم شمال البلاد يحتاجون لأكثر من ساعة مشيا ليصلوا أرضهم، فالمواصلات بعد البوابة معدومة.

وعن مزاجية دوريات جيش الاحتلال يتحدث الصباح "باعتباري ارتديت ملابس نظيفة ذاك اليوم وذهبت للبوابة، فان تلك الدوريات ستعيدني من حيث جئت، بحجة أني لست قادما من أجل الزيتون، يريدوننا أن نأتيهم بملابس وسخة غير مرتبة ليقتنع أولائك المزاجيين أننا هنا للزيتون، "انه الذل". بتلك الكلمات وصف المزارع ربحي الصباح سذاجة دوريات الاحتلال في إجبار المزارعين بارتداء ملابس وسخة غير مرتبة ليثبتوا أنهم قادمون من أجل الزيتون.

وعند وصولنا لنهاية الحديث في استحضار الماضي ومقارنته مع الحاضر يقول الصباح " في الماضي نركب دوابنا لنكن بعد عشر دقائق في الأرض، واليوم نلتف حول العالم لنصلها إذا توفر التصريح، رغم أنها تبعد عنا نصف ساعة، الأرض تريد منا خدمتنا كالسابق" هكذا انتهى الحديث مع تلميحات تمتزج معها عبارات أخرى تحمل أمنيات يائسة من عودة للأرض.

وبهذه الكلمات انتهت رحلتي الى بلدة فلسطينية أخرى يمزق اوصلها الاحتلال وينهكها وسائل تهجير مسيس، ومصادرة للأراضي منظم. لكن استمرار أهالي قفين في زارعة الأرض، واقتطاف الزيتون دليل حي على ارتباط الأرض بأصحابها وعشق لا يملك أي احتلال ان ينزعه من قلوبٍ روت الأرض بعطائها ورتهم الأرض بخيراتها.