قصص قصيرة| الطريق الى الجنة، كتب: شادي عبد الله

الأحد 18 أكتوبر 2015

قصص قصيرة| الطريق الى الجنة، كتب: شادي عبد الله
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد- أجواء ربيعية، الأشجار تعزف الحاناً والهوء يتراقص عليها، والأزهار تنثر عبيرها بين الروابي، هناك في قرية صغيرة برام الله، حلا طفلة تقطف أزهار الأقحوان وتغزل منها طوقاً لتضعه على رأسها وتباهي جمالها به، أبيها بجابنها يعمل في الأرض ويُقلم أشجار الزيتون ويربي أملاً فيها لموسم يحمل بشائر في ثماره، تلك الأرض التي تركها لها والده بعد وفاته، وتركوه اخوته بعد أن سافروا منذ سنوات ماضية، هاتف أبيها يرن، ينظر الى شاشة هاتفه، أنه رقم دولي، إذ أخيه الذي يسكن في الكويت منذ 20 عاماً.

يُخبر طفلته حلا بأن عمها قادم هو وعائلته الى الضفة بعد ثلاثة أيام.

حلا لم تتمالك نفسها من الفرحة، تقول بصوتٍ عالٍ أخيراً سأقابل ابنة عمي صبا، أخيراً سأجرب شعور بأن يكون لي أقارب وعم وابناء عم، كم أنا سعيدة.

حلا تحدث نفسها، سأصنع طوقاً آخر من الأقحوان لأهديه لصبا، وسنلعب هنا، لا ليس هنا، بل هناك تحت أشجار الزيتون وسنحفر أسمنا على جذعها، كي أتذكرها دائماً، وسأحدثها عن شهداء وطني، وسأوري لها قصة زريف الطول وجفرا.

تعد حلا الثواني والدقائق والساعات والأيام وتراقب تعقب الليل والنهار، الى حين جاء اليوم الموعود.

أبيها قلق، بشأن حالة الطرق، فالإحتلال يستنفر في الضفة بعد عملية الطعن التي نفذها أحد أسود فلسطين بالقرب من باب العمود بالقدس المحتلة.

حلا تمسك طوق الأقحوان، وتقف على سطح منزلها، مترقبة أي مركبة لتشاهد صبا.

أطراف مدينة رام الله تشهد مواجهات عنيفة بالقرب من مخيم الجلزون و مستوطنة "بيت إيل"، عمها يقترب أكثر فأكثر من المدينة، سائق التكسي لم يدرك خطورة الأوضاع، فسلك طريق "بيت إيل"، الركاب خائفون فصوت الرصاص يسيطر على المكان، صبا تسأل ابيها ببراءة ما هذا يا أبي، التكسي يقف 
لصعوبة الحال ويقرر سلوك طريقاً آخر، لكنه تأخر جداً، فرصاصة الغدر التي أطلقت من أيدي جبانة، خائفة، مذعورة اخترقت قلب صبا الصغير.

حلا ملت الانتظار، وأبيها يزداد قلقاً، تأتيه رسالة من وكالة إخبارية على هاتفه، مفادها شهيدة طفلة بالقرب من رام الله، يقول لزوجته تابعي الأخبار الآن!، على ما يبدو بأن هناك شهداء في المدينة؟

زوجته تزغرد و تصرخ وتقول استشهدت صبا، فسقط طوق الأقحوان من حلا وحضنت ابيها باكيةً،واخذ يمسح دموعها ويهون عليها ويهون على نفسه.

عادت صبا الى وطنها ووطن اجدادها شهيدة، عادت بوجه ملائكي نائم وهي تشاهد منزلها في الجنة، حضتنها حلا وقبلتها ووضعت طوق الأقحوان على رأسها تاجا.

وأيقنت بأن صبا أصبحت الآن أكثر قرباً منها، فلا بلاد الغربة تباعد بينهما، صبا في الجنة والطريق الى هناك الشهادة.

فقالت "بكرا بصير شهيدة، وبشوفك بالجنة وبحكيلك كل إشي عملوا اليهود، متخافيش يا حبيتي، أنا لاحقك"

_______________________________________________________________________________________

أجواء غائمة، هدوء يسيطر على المدينة في تلك البقعة الهادئة والتي يزداد هدوءها يوم الجمعة، صلى رامز الجمعة في المسجد المحاذي لبيته، بعدها زار صديقه الذي يملك محلاً في ذات الحي الذي يسكن فيه، وكان صديقه يشاهد نشرةً للأخبار، التلفاز مليء باخبار المواجهات في الضفة و على نقاط التماس في غزة ، تنهّد وقال: "الله يحمي شباب الوطن"، وشعر بغصة بقلبه وذهب على عجالة من أمره للبيت.

لم يتناول رامز غذائه بعد وصوله للبيت، فعائلته تعتبر تناول الغذاء بعد صلاة الجمعة طقس مقدس لا استهانة فيه، والدته شعرت انه ليس على ما يرام، فتركته لعل ذلك يجعله أفضل.

وعندما عانق وسادته ليريح عقله وبدنه، أمسك بهاتفه النقال واغلقه بعنف، وغرق في نومه ساعة واثنتين، ليستيقظ من نومه متخبطاً مذعوراً من كابوس زاره  منامه، لكنه استيقظ دون أن يتذكر شيئاً، ولا يتذكر أيضاً لما نام في مثل هذا الوقت.

بعد هنيهة، مشى الى جهة نافذة غرفته، هواء تشرين الأول يلامس خديه، لكن الشمس قويّة ضاقت ذرعاً بعيناه الناعستين الكئيبتين، ذلك الإكتئاب الذي يأتي على غفله، ياله من ضيف ثقيل !

يسأل نفسه عن الساعة، ينظر الى ساعة الحائط، يتذكر رامز بأنها تحتاج الى بطاريات منذ زمن، يبحث عن هاتفه، أخيراً وجده، ونسي أنه مقفل، انها الساعة الثالثة، فيقول لنفسه كم أكره هذا الرقم المشؤوم.

وساقته أنامل يديه الى ذلك الموقع ذو اللون الأزرق "الفيسبوك" ليكمل مشاهده ما بقي من المواجهات في محل صديقه ظهر اليوم، احدى الصفحات تكتب، " #شهيد_جديد".

لم يمر على الخبر مرور الكرام، قلبه يدق ويرجف ويداه ترتعشان.

فاخذ يبحث بسرعة مربكة بين صفحات الاخبار، بعد نصف ساعة، صفحة اخرى تنشر صورة للشهيد وتؤكد استشهاده، كانت صورة جانبيه ووجه الشهيد لا يظهر بالصورة، فقد ظهرت يده وهي موشحه بدم الحرية الأحمر.

زاد فضوله، يسأل نفسه ويكرر السؤال مرة واثنين وثلاثة، يا ترى من هذا الشهيد؟

ذات الصفحة تنشر اسم الشهيد وصورة له عن قرب، ضحك وبكى وجن جنونه.

انه يقرأ خبر استشهاد زميله وصديقه وأخاه بالجامعة، زميله يُزف في عرسه وهو لا يقدر على المشاركة، زميله يغادر للجنة دون أن يقبله على رأسه ويحضتنه.

لملم ذكرياته واخذ يتذكر اياماَ جمعتهما في رحلة العلم وفي كفاحهما ونضالها بالقلم وعلى مقاعد الدراسة، اليوم صديقه يناضل بدمه ويستشهد.

بكى وبكى وبكى وفرح بذات الوقت، لانه عرف بأن صديقه راح شهيداً وبقي حياً يرزق هناك في الجنة.

فقال لنفسه، هو استشهد ولم يودعني ولم يودع أمه وجامعته، ربما يتكرر ذلك معي، فالله كريم، إذن لا محالة أنا مشروع شهيد قيد التنفيذ، نعم أنا شهيد وسأقابلك بالجنة، والطريق الى الجنة أسهل بكثير من الطريق الى الجامعة المليئة بالحواجز الإحتلالية النتنة.

__________________________________________________________________________________________

ملاحظة من الكاتب: القصص غير حقيقية، ولكنها تحاكي الواقع الراهن الذي نعيشه.