من فضاء المسرح البلدي

السبت 11 مارس 2017

من فضاء المسرح البلدي

جلست في آخر مقعد من مقاعد المسرح؛ حتى أتمكن من مشاهدة صور مراسم افتتاح المسرح البلدي التابع لبلدية رام الله بكل وضوح. أشاهد دخول الحضور المشارك في الافتتاح من شخصيات سياسية وثقافية ومجتمعية وحكومية، رائحة الذكريات تعشش في المكان منذ ستينيات القرن الماضي. كم هو جميل فضاء المسرح الجديد المجهز بأحدث الأدوات التقنية والفنية، كنت سعيداً بهذا الإنجاز الذي يرمم الحجر من أجل استعادة الذكريات.


بعد عرض فيلم وثائقي وأداء مسرحي حول تاريخ المكان، أخذني عقلي الباطني إلى رحلة من الأسئلة لدرجة أحسست بأن عقلي يفيض بالأسئلة والمقارنات لدرجة الاشتباك مع الذات لأصل مرحلة الهذيان بين الماضي والحاضر، بين مفهوم الثقافة كوسيلة نضال من أجل التحرر أو شكل من أشكال الترف الثقافي الفارغ من المضمون والمعنى، حتى وصلنا لمرحلة إن وجد تمويل وُلد العمل الفني وإن لم يتوفر تم وأد مكونات الثقافة قبل ولادتها.


رغم أن فضاء المسرح هو ذاته؛ إلا أنني أستطيع الادعاء بأن فضاء الماضي رغم التطور الذي وصل له المسرح في هذا الوقت من تطوير وتطور لن يصل مضمونه كما كان، وهذا ليس تقليلاً لفعل التطوير في البنية التحتية الرائعة للمسرح، بقدر ما هو نقد ذاتي في عقلية مجتمع المسرح المكون من جمهور وممثلين ومؤسسات ثقافية وإعلامية.


المسرح البلدي في ذات المكان، لكن ثقافتنا هي التي تراجعت إلى الخلف بشكل رجعي للأسف، والفرد المكون للثقافة أصبح هو من بحاجة إلى ترميم عقلي كي يتمكن من تنفس هواء الماضي بهذا المسرح بما كان يحمل من ثقافة المقاومة والصمود والتحدي، حتى مفهوم العمل التطوعي كان في عالم المسرح له نكهة مختلفة بطعم لا أجده الآن بين أغلب المسرحيين والمؤسسات الثقافية التي تهتم بهذا الجانب.


كنت سعيداً بالتعرف على فرقة «بلالين» التي قدمت عدداً من العروض في فضاء هذا المسرح، هذه الفرقة التي أسسها عام 1972 فرانسوا أبو سالم العائد من باريس بعد أن درس الإخراج المسرحي وقد ضمت الفرقة 13 عضواً هم فرانسوا أبو سالم، وسامح العبوشي، وهاني أبو شنب، وعلي حجاوي، وناديا ميخائيل، وعادل الترتير، وحسام التميمي، وماجد الماني، وأميل عشراوي، ومايكل قسيس، وسمير عشراوي، وفيرا تماري، وميلاد كيدان، وانضم اليهم فيما بعد مصطفى الكرد، وسميرة عشراوي، وأمل تلحمي. هم جميعاً عملوا ضمن دافع وأهداف واضحة المعالم بعيدة كل البعد عن الأجندات ومشاريع الممول!!
وهنا أجد من المهم التحدث ولو بشكل سريع عن أهمية دعم الفرق المسرحية المختلفة بوقتنا الحالي من خلال القطاع الخاص أو الحكومي، أي دعم المسرح من خلال المال الفلسطيني، لأنه على الرغم من أننا افتتحنا مسرحاً جديداً لكن هناك بعض المسارح على وشك الانهيار والإغلاق، وبعضها مهدد من قبل الاحتلال كما هو حال مسارح القدس.


حاولت الهروب من الهذيان بين ماضي وحاضر فضاء المسرح البلدي، لأستفيق بين الجمهور الحالي، وأمامي على خشبة المسرح مجموعة من الشباب والفتيات تحت راية فرقة سرية رام الله يقدمون عرضاً فلكلورياً يواكب التغيير، ليس فقط الذي حدث في المسرح البلدي، وإنما ما حدث من تغيير على الموسيقى والدبكة، قمت بالتصفيق لهم بكامل قوتي وإيماني بأن التغيير يبدأ على خشبة المسرح.