الحج الارستقراطي ...صيحة جديدة في عالم الموضة!

السبت 09 سبتمبر 2017

الحج الارستقراطي ...صيحة جديدة في عالم الموضة!

آية الزير- حتما يضيق صدري لمثل هذه المأساة ؛ فلم أكن لأتصور بأنه سيأتي يوم وأصف الحج على أنه موضة جديدة ، أو صيحة من صيحات الموضة ، لم أكن لأتصور بأننا سننزلق الى هذه الهاويه وبالسرعه التي فعلنا ، نتمشدق ليس فقط بأقوالنا بل بأفعالنا أيضا ، ولكن كل ما أعلمه بأننا لسنا الا بدوا نجر أذيال الحضارة ، فلنبك على أنفسنا قبل أن ينح علينا قوم آخرون  نستبدل بهم ، فكل ما يحدث هذه الايام يجعلني أعتقد بأنه سيأتي يوم يعزي به الواحد منا كل مار به ، ليس لفقيد له ، أو قريب  ،أو حبيب  ، ولكن لفقدانه الشيء الأعظم من ذلك بكثير ..لفقدانه نفسه وذاته وانسانيته .

 

فقد نشرت صحيفة <<عكاظ >> السعودية تقريرا عما أطلقت عليه ب <<مخيمات الخمس نجوم >> في منى ، والتي يرتادها الحجاج من رجال الأعمال والسياسيين والفنانين ،والتي تظهر فيها مظاهر البذخ والترف والرفاهية ، ففي هذه الخيام تصطف كراس بيضاء على الجانبين ، والتي تستخدم للترف والاسترخاء والنوم والمساج وما الى ذلك .  كما ويتوسط هذه الخيام بوفيه ضخم فيه من الأطعمة والمشروبات كل ما تشتهيه الأنفس وتقر به الأعين ، هذا ناهيك عن الخدم والموظفين الذين يعملون تحت امرة رجال الأعمال والفنانين .

 

ويقول مسؤول الشركة السياحية للصحيفة السعودية بأن أغلب هؤلاء الحجاج كانوا يأتون بطائرات خاصة بهم ، ويكتفون بليلتين في منى ، ويستمعون لموعظة أحد نجوم الدعوة في الفضائيات ،وعدد من الآيات القرآنية ، ومن ثم يتوجهون لرمي الجمرات، ومنها الى الفندق الملاصق للحرم ، كما ذكرت الصحيفة السعودية في تقريرها بأن تكلفة هذه الرحلة للحاج الواحد كانت تتراوح ما بين 80 الى 100  ألف ريال حسب الخدمات المطلوبة .

 

فبين هذه الأسطر ستلحظ عزيزي القارىء بأن  المشاعر الايمانية باتت لا تظهر لماما فتضيء في موضع وتختفي في الآخر ، انما هي اندثرت واختفت بشكل تام ، هو مشهد مثير للتهكم والهزل من ناحية ، والبكاء على ما وصلنا اليه وما سنصل ، والخوف من عاقبتنا التي باتت قريبة لأجل ما فعلنا وما نفعل ، ألا يرون بأن الله غني عنهم ، ألا يجدونه غنيا  عن عبادة كهذه لا تسمن ولا تغني من جوع ، فأين هم عما ترنو هذه العبادة لتحقيقه من مبادىء التواضع والتقشف والمساواة .

 

فأنا وان كنت قد تصورت بأنني في رحلتي وفي طريقي الى هذه الديار المقدسة ، لا اظن بأنني سيخطر لي أن أفكر حتى بما سآكل أو بان كيف سأسترخي وأرفه عن نفسي ، كل ما أتخيله شعوري عندما سأكون ماثلا أمام الكعبة ، وقد أكرمني الله واخيرا بزيارة هذه الديار التي لطالما كانت زيارتها حلما راودني منذ سنين ، هنالك أولا  سأشكر الله لأنه ساعدني بالتقرب اليه ، ثم سأصلي وأصلي وكأنني حديث العهد بالاسلام نادما على كل  ما فات ، ثم سأدعو ربي بكل ما آمل بتحقيقه ،وكأنني متيقن بأن كل ما سأدعو به هنا  سيحققه لي ربي غدا أو بعد غد ،  سأدعو وأسر له الدعاء كما يسر ذلك المغربي لربه وذلك النجراني هناك في تلك الزاوية ، سأتقوقع على نفسي وأحاول  أن أقدم أقصى ما أبذل وكأنني لست بعائد ، ولكن على شفا العودة .

 

أستغرب حقا وأتعجب بأننا في مثل هذه الأيام قد جررنا بعربة الزمن الى العصور الوسطى ،عصور الانحطاط والعبودية والنظام الاقطاعي ، تلك العصور التي باتت فيها الارستقراطية جلية واضحة ، فتجد المجتمع ينقسم الى فئات وطبقات ، السيد الاقطاعي ، الارستقراطية  تلك الجماعة التي يترتب على البقية الايمان بتميزها وتفردها بلا سبب ، فعليك أن تؤمن بذلك لمجرد أنك أمرت بذلك ، كأن أقل لك بأن هذا الحاكم أفضل من ذلك شئت أم أبيت وليس عليك بسؤالي عن السبب ، فأي نظام اقطاعي تجرد في عبادتنا هذه الأيام ؟!

 

العبادة  محلها القلب ونيته ومشاعره ، فالله لا ينظر لما تتمم به بدافع ارضاء ضميرك ، فالحرم ليس بذلك المضيف الذي تزوره وكأن زيارته واجب عليك ، فتجدك تداريه بالكلام وتجامله  وتتمم معه بهدف أن يمضي وقت زيارتك له ، ثم تودعه وترحل وتعود لتمارس روتينك اليومي، وتنغمس فيه حتى من غير أن تكر بذاكرتك لما شاهدته.

 

أتمنى بأن يأتي اليوم الذي تدق به ساعتي ليرفع الآذان ويدق قلبي معها وانا أتجول في أكناف ذلك المكان ، أتراني سأستطيع أن أمتع نظري بكل زاوية فيه ، أتراني عندها سأنهل من النظرات ما يكفيني لأودع تلك الديار ؟! حسنا أظنني بدأت أحلم وأخطط لما سأفعله من الآن ..فهل حقا ستسعفني الذاكرة لأفعل كل ما أعزم على فعله ، أم أن هيبة المكان ومشاعري الايمانية وخشوعي حينذاك  سينسياني كل ما خططت له ؟!