ترامب والقدس .. ماذا بعد ؟!

الخميس 07 ديسمبر 2017

ترامب والقدس .. ماذا بعد ؟!

بقلم: أيمن النمر
ربما اصبت بالصدمة لبضع ساعات إثر الخطاب المتعجرف لزعيم البلطجة الدولية المدعو ترامب، والذي احتقر فيه القوانين والشرائع الدولية، وبصق فيه على أمة المليار، التي استقبلته قبل شهرين وأغدقت عليه المليارات،  ولكن سرعان ما استوعبت الموقف، وصرت ابحث كعادتي عن نصف الكأس الملآن.
تمتليء مواقع التواصل الإجتماعي بكل أنواع البكائيات والأسى والشعور بالخذلان، وتمتليء بالإتهامات وتحميل المسؤوليات للعرب والعجم، عن مآلات الأمور بما يخص القدس وفلسطين. والأدهى أن البعض قرر أن رده ينحصر بالشتم والسب ووضع صورة خنزير أو قرد بجانب صورة ترامب واكتفى.
تصدر الإشارات من هنا وهناك والتي تفيد بأن فكرة اعتراف ترامب بالقدس عاصمة للإحتلال، بأنها خطوة منسقة مع بعض الدول العربية النافذة، في سياق ما اشيع على أنه صفقة القرن والتي يأملون من خلالها تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي وقسري، وعلى مقاس ومعيار يصيغه نتنياهو ويفرضه ترامب ويباركه بعض العرب الزاحفين على بطونهم.
أنا استطيع أن أصف ما قام به ترامب بأنه لحظة انعطاف تاريخية ليس فقط كما يتم تصويره بأنه تغيير في الموقف الأمريكي، وإنما والأهم من ذلك بكثير هي أن تكون تلك اللحظة هي نقطة الإنعطاف التاريخية من طرفنا كأصحاب حق سواءً كنا فلسطينيين أو عرباً.
من طرفنا، ونحن نظهر بصورة الطرف الأضعف، فإننا في الحقيقة أكثر من غيرنا، من يمتلك الخيارات المؤثرة والفعالة وذات الجدوى، والتي لو أحسنا استخدامها لكنا نحن من يدير دفة الصراع.
كيف ذلك !
تذكرون أنه في عام 1988 قام المجلس الوطني الفلسطيني بعقد دورته في الجزائر، وأعلن وثيقة الإستقلال، واعترف بالقرارين الأمميين 242 و 383 وبالتالي اعترف بوجود الكيان الإسرائيلي. وكان المقابل في حينه وعد بأن تقوم الولايات المتحدة لاحقاً بفتح قناة حوار رسمية ما بين سفيرها في تونس آنذاك روبرت بيلترو، وما بين حكم بلعاوي السفير الفلسطيني في تونس، في خطوة اعترفت فيها الولايات المتحدة نظرياً بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الجسم السياسي الممثل للفلسطينيين.
ثمن باهظ دفعناه من كرامتنا قبل ان ندفعه من ارضنا ومن دم شبابنا، وماذا جنينا في المحصلة؟
سلطة بلا سلطة، وصم المقاومة بالإرهاب، اغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، تصويت الكونجرس الأمريكي بقطع المساعدات المالية للسلطة، وأخيراً وربما ليس آخراً نقل سفارة الولايات المتحدة الى القدس، ولا نعلم ما هو القادم.
جنت دولة الاحتلال أكبر المكاسب باعترافنا السياسي بوجودها، من خلال فتح الباب على مصراعيه للكثير من العرب بعقد اتفاقيات سلام ثنائية مع المحتل قبل انهاء لب الصراع، وفتح مكاتب التمثيل والتنسيق التجارية في البعض الآخر، وما جره ذلك من استسهال التطبيع وتبادل الزيارات ومن ثم تبادل المعلومات والتي وصلت أخيراً حد اعتبار بعض العرب بأن الكيان الإسرائيلي هو حليف، وفي أقلها عمق استراتيجي في مواجهة الغول الإيراني!
لنتذكر بأن هذه الدولة المحتلة قد قامت بعد اعترافنا بها وإقامة السلطة الوطنية، بشن عدة حروب مدمرة على قطاع غزة، وباجتياح مدن الضفة الغربية، وبحصار واغتيال رأس المنظمة والسلطة، واغتالت قادة أهم الفصائل الفلسطينية السياسيين والعسكريين، وقطعت أوصال الضفة الغربية وقلعت الأشجار وهدمت البيوت وصادرت الأراضي ونهبت المياه ولوثت الأرض والسماء وأنهكت الاقتصاد، وفي المحصلة ما زلنا نردد الأسطوانة المشروخة والمملة : "حل الدولتين ... خيار التفاوض ... الحياة مفاوضات ... العملية السلمية ... حدود حزيران عام 67 ... الأرض مقابل السلام ... دولتين لشعبين .."، أصحاب سلام الشجعان ماتوا والقاتل واحد.
حتى ان مصطلح "الأرض مقابل السلام" الذي سمعنا به لأول مرة في مؤتمر مدريد عام 1991 ، قد تدحرج الى مصطلح "السلام مقابل السلام"، ووصل مؤخراً الى "الخنوع مقابل السلام"، واذا بقينا على نفس النهج سنصل الى "الرحيل مقابل السلام" ليتحقق عندها الحلم المزعوم "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
مرة أخرى، نحن أمام فرصة تاريخية منحنا أياها هذا الترامب، ولا احصر دعوتي بالمنظمة أو السلطة، هذه دعوة لأن نقف لحظة صدق قيادةً وفصائلاً وشعباً ومؤسسات مجتمع مدني، ومثقفين، ونقابات واتحادات وطلبة جامعات ... بأن نعيد وضع الأمور في نصابها، وأن نصوب الخطأ التاريخي باعترافنا بهذا الكيان على 78% من أرضنا وأرض أجدادنا، وأن نسحب هذا الإعتراف وليكن ما يكون، عندها لن يكون هناك حاجة لا للبكائيات ولا للصراخ عبر الفضائيات ولا حتى لإلقاء حجر على جندي محتل، لأن المعركة ستكون حينها على الوجود لا على الحدود.
نعم سنضحي ببعض الإمتيازات وال VIP ، وربما سنتعرض لحصار يخنقنا ، ولكن الأوطان لا تسترد في الغرف المكيفة.
دعونا نشطب من تاريخنا صفحة سوداء عمرها 24 عاماً هانت علينا فيها انفسنا فهنا على الناس، دعونا نقطع الطريق على ما تسمى صفقة القرن، والتي يراد لنا فيها ان نساق كالخراف على مذبح صفقات الحيتان الذين لا يعرفون قداسة لا لدم ولا لمقدسات ولا لأرض.
دعونا نعود للروح التي سرت فينا عام 1987 عندما كان رغيف الخبز يقتسم ويشبع حارة بأكملها بكل كرامة وعنفوان وصدق.
هذا ليس تنظيراً عاطفياً حالماً، ولا وهماً خيالياً، هذه هي خيارات شعب حي ما زال يمتلك الدافعية لأن ينزل الى الشوارع دون دعوة ودون تحريض ليحتج ويتلقى الرصاص بصدره العاري ليعبر عن موقفه ، ليس آبه بما يلقاه، علما ان دعوتي هي للحياة لا للموت، وليست انتحارية او عدمية على الإطلاق.
في مشهد نذكره من فلم "عمر المختار" وهو مكبل الأيدي والأرجل ورهن الأسر بين يدي الجنرال الإيطالي جراتزياني، وليلة إعدامه، حيث قال له: "لا حق لكم في ليبيا ولا حتى في مرعى بقرة"، ونحن الآن لسنا أسوأ حالاً من ذلك المشهد.
واهم من يظن أن الصراع يمكن أن يحسم في جيلنا الحالي، ولكنه واقعي من يعمل ويؤسس لوعي سوي ومستقيم يزرع بذرة الإيمان بحقنا في وطننا في الأجيال القادمة، هذا واجب وليس تبرعاً أو تطوعاً.
لن يغير قرار ترامب شيئاً على أرض الواقع، ولن ينتقص ذلك من حقنا القانوني والأخلاقي والسياسي في القدس وفلسطين، ولكن يجب أن يغير فهمنا الحالي لطبيعة الصراع وقواعده ومنتهاه.
ربما يأتي اليوم الذي يضع فيه أبناؤنا اكليلاً من الزهور على قبر ترامب، عرفاناً منهم بفضله في صحوتنا وإعادة بوصلتنا الى وجهتها الصحيحة .. إذا فعلناها ... فهل من مجيب؟!