مــلــصــق

السبت 27 يناير 2018

مــلــصــق

شعور غريب أصابني، شعور ممزوج بالحزن، الفخر، النصر، الاغتراب، وربما أكثر من ذلك بكثير لدرجة تصل الخزي من الذات وأنا أقف أمام 105 ملصقات في قاعة المعارض بمتحف ياسر عرفات، وسأكون صريحاً معكم حول شعرت به قبل خروجي من المعرض. أحسست بأن من هم في الملصق ينظرون إلينا نحن الحضور، وكأن المعرض لمن هو في الملصق، ونحن الحضور عبارة عن المشهد الذي ينظرون إليه!
لمدة ستة شهور سيبقى الملصق يُناظر من سيأتي له، سيتحدث من فيه عن ذكريات الثورة الفلسطينية الجملية رغم مرارة الواقع، وسيتحدث الحضور بداخله عن الحاضر الذي وصلنا له. تلك الملصقات النادرة الصادرة عن دائرة الإعلام الموحد وبعض الفصائل الفلسطينية، تحتوي في إطارها ليس فقط الشهيد، الأسير، المخيم، الأرض، الحجر، الشجرة، السلاح، الكوفية، المرأة، وإنما تحمل كل ذلك مجتمعاً بإطار شمولي أكبر من الملصق ذاته وهو إرادة التحرير والصمود الشعبي في مواجهة الاحتلال. 
على الرغم من معرفتي الشخصية بأغلب من حضر لافتتاح المعرض؛ إلاّ أنني وجدت نفسي بين الحضور غريباً!! منسجماً أكثر مع من هم في الملصق، لماذا لم أكن أنا هناك في ذلك الزمن والمكان؟ لماذا لم أكن أنا ذلك الشاب الحامل بندقيته بكل فخر واعتزاز ويكون هو أنا المحبط التائه في حاضره منعدم الرؤية بمستقبله؟!
أنظر للملصق بمكوناته: صورة، رسمة، ألوان، كلمات تشكل معلومات وشعارات بلغات فرنسية، انجليزية. في الماضي الملصق تم استخدامه كأداة تواصل، لكن في هذا الوقت أصبح تاريخنا الذي بدأنا ننساه، ويحذف من ذاكرتنا لنلعن حاضرنا وكأن قضيتنا هي فقط ما نراه من حالة ظلامية! فتولد أجيال لا تعرف عن تجربة ماضيها، وتكفر بحاضرها فتفقد مستقبلها!
وهنا نجح متحف ياسر عرفات، من خلال سياسته المتبعة بتنظيم معرض كل ستة أشهر؛ في خلق حالة من الوعي بالعودة إلى ذكريات التاريخ من زوايا وأدوات متنوعة أشبه ما تكون باستحضار ما فقدناه ومُناجاة من أجل الخلاص لما وصلنا له، وهذا المعرض والمعارض السابقة "بلادنا هي بلادنا" ومعرض "انتفاضة" لخير دليل على محاولة إعادة إحياء الميت فينا نحن الحضور وليس إحياء الصورة أو الملصق، فمن في الملصق هم الأحياء.