قصة..

بابا نويل الفلسطيني

الخميس 08 فبراير 2018

بابا نويل الفلسطيني

المصدر : وسن فياض ابو بكر

اهدي قصتي الى البطلة عهد تميمي بمناسبة عيد ميلادها السابع عشر , تقديرا مني على شجاعتها , وارسل لها كل الحب و رسائل التضامن لها ولكل الاسرى الفلسطينيين .

نشات في بيت مسلم في فلسطين , والدي كان طبيب اسنان , وسياسيا , وناشطا في حقوق الانسان الفلسطيني , و اعتفل لمرات عديدة في السجون الاسرائيلية بسبب موقفه السياسي الواضح عن الامتناع عن دفع الضرائب للحكومة الاسرائلية من اجل بناء المستوطنات ..

والدي كان طبيب أسنان ، و سياسي ،. كانت أمي محاضرة و استاذة جامعية في كلية الاداب في جامعة النجاح الوطنية التي درست الشعر في العصر الاسلامي واللغة العربية .

عندما كنت طفلة صغيرة في فلسطين في فترة الثمانينات كبرت وانا احتضن العقائد الابراهيمية الثلاثة , الاسلام , واليهودية , والمسيحية , ولم اكن ادرك انني كنت مختلفة عن اصدقائي و جيراني .

قبل بدا الانتفاضة الفلسطينية الاولى ( انتفاضة الحجارة) في عام 1987, ادراكي انني اتميز او اختلف عن جيراني كان غائبا عن براءة الاطفال و فهمي للعلاقات الانسانية و ممارسة الطقوس الدينية لم يكن واضحا .

اذكر فرحتي كل يوم جمعة مع اسرتي , نستيقظ في الصباح الباكر انا واختاي الكبيرتين ( راية ونادية ) و اخي عدنان و اختي وطن , اذكر ذلك الحماس الطفولي , نجمع كل العابنا ما نحتاج لرحلتنا الى مدينة القدس و لا ننسى في اخر النهار ان نتوقف في مدينة يافا ( عروس فلسطين ) لنشتري السمك الطازج و نركض بشيطنات طفولية طائشة على ضفاف البحر الابيض المتوسط .

والدتي في تلك اللحظات كانت تنشغل في تحضير الوجبات اللذيدة لنا و ما نحتاج لرحلة نهاية الاسبوع , كانت تقضي ساعات وهي تحضر الكباب المشوي , والبطاطا المقلية , والفواكه اللذيدة , والمعجنات النابلسية المحشوة بالجبنة والزعتر , واذكر ان والدي كان يشتري العصائر الباردة و ينشغل في تجهيز الكاميرا التي كان يردد لنا انها اغلى ما يملك , كان والدي يهوى التقاط الصور التي تظهر مفاتن و جمال فلسطين .

كانت رحلتنا الى مدينة القدس في كل يوم جمعة اسبوعية و ما زلت اذكر ان المدن الفلسطينية كان الوصول اليها سهلا و المسافات قريبة , ولا يحتاج الى دليل سياحي او مهارة في القيادة , كنا نمتلك سيارة المرسيدس لونها ابيض , واتذكر ان والدي اشتراها و كان يقول وفيه حماسة الشباب و الوطنية و الاعتزاز بهويته الفلسطينية , لقد عدت الى فلسطين من بلاد المهجر بعد ان اكملت تعليمي من اجل خدمة فلسطين , و اذكر انه كان يتحدث الينا عن حبه لفلسطين و ان رسالته الاولى بدات بتربية اولاده على الانتماء لفلسطين , كان طوال الطريق يغني اغاني لفلسطين و يجعلنا نردد معه الاناشيد العريقة , منها ( بكتب اسمك يا بلادي شمس الي ما تغيب ) , و اغنية ( نزلنا على الشوارع و رفعنا الرايات و غنينا لبلادي احلى الاغنيات , اغاني للحرية …) , واغنية ( موطني موطني موطني ).

كم احن الى تلك الايام البرئية و هل ستعود و انا الان اكتب من بعد قاري عن بلادي العزيزة التي حفرت في قلبي و كيف انسى ما تربيت عليه من حبي لتراب بلدي الحبيب و هو محتل و يان من الحزن والالم و كل يوم يفقد الكثير من شهيد و واسير و جريح .

متى ستعود تلك الايام البريئة التي كنت لا ابه غير ان العب واركض في ساحات الاقصى انا واخوتي و اصدقائي اليهود والمسيحيين , كم هي الايام الماضية جميلة و نحن نختبى بين جموع المصلين و نستمر في تلك اللعبة ساعات و نحن نزعج المصلين باصواتنا البرئية .

كنت الاحظ ان المصلين يمارسون طقوسا مختلفة في صلواتهم و لم اكن اعلم السبب و عندما سالت والدي اجابني انهم يمارسون صلاتهم و هولاء هم ابناء عمنا و فلسطين للجميع .

في تلك الاوقات مدينة القدس كانت تعج بالسياح من جميع انحاء العالم و لم تكن حكرا لاحد ¸ كانت تفتح ابوابها للجميع ومن الصعب التمييز من اي مكان ياتون و كنت اعلم في داخلي انهم هنا لان القدس هي الام و يحبونها و انحن ابناوها و نحبها باخلاص و نحرص عليها . مدينة القدس هي مدينة السلام و ستبقى السلام والحب و العطاء و الام الحنون .

كان سهلا علي انا واخوتي الدخول من ساحة الى ساحة و من غرفة الى غرفة و لم تكن حواجز تفصل بين المصلين في الساحات و كنت اختبى خلف المصلين واحاول بكل براءة ان اقلد حركاتهم و كنت اجهل ما يقولون اثناء صلواتهم . حائط البراق الذي عرج منه رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الى السماوات العلى على مركبته البراق و هذا ما قاله والدي لي في تلك الاوقات من طفولتي و ترعرعت على تلك الحقائق .

وكنت اذكر اني حاولت ان اتقن الحديث باللغة العربية و اللغة العبرية و حاولت جهدي التعلم و كانت محاولاتي من اجل الحديث مع اصدقائي الذين التقيهم في يوم الجمعة في مدينة القدس . كانت محاولاتي البريئة لاني في ذلك الوقت اجهل ما يدور في بال رجال السياسة و صانعي القرار .

كنا نعرج الى البلدة القديمة و نمشي في اسواقها وممراتها الضيقة التي تعج بالسياح والمصلين و كنا نزور صاحب محل التحف الذي يتكلم يلكنة قدسية احببتها في تلك الفترات و كان يسال والدي ووالدتي ان عائلتنا في كل عام تكبر و دائما يلتقي بعضو جديد (اخ او اخت ) , و كان والدي يرد بفرحة ( لانه الفلسطيني يحب ان يكون ابناء فلسطين اكثر منهم ) وكان يضحك وكله امل في المستقبل و ما كنت وقتها افهم ماذا يقصد و ما هو العالم الذي يخفيه الكبار عني و عن ابناء جيلي. كبرت وانا مازلت احب مدينة القدس و اعلم ان المكانة التي يكنها كل الزائرين كبيرة و تلك المدينة هي المكان الذي يحتضن الديانات الابراهيمية الثلاثة .

كانت عيادة الاسنان التي يمتلكها والدي تعج بالمرضى وهم يتكلمون العربية والعبرية , وكنت اسال والدي لماذا يتكلمون لغة غريبة عنا و كان يقول انها اللغة العبرية .

الكثير الذين يعيشون خارج فلسطين لا يعرفون هذه الحقيقة , ان ابراهبم عليه السلام له من الابناء اسماعيل و اسحاق عليهما السلام , وان اسماعيل عليه السلام وكلنا ابناء اسماعيل وجميع ابناء العرب هم من نسل اسماعيل ابن ابراهيم عليهما السلام, ومنه جاء رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم , وان اسماعيل عليه السلام هو اول من تكلم العربية و صار فصيحا بها .

و اما اسحق عليه السلام هو ابن ابراهيم من زوجته سارة ومنه ولد ابنه يعقوب عليه السلام ومنه جاء يوسف عليه السلام و جميعهم من الانبياء المذكورين في القران و التوراة .

الاحتفال بعيد الميلاد المجيد في فلسطين هو عيد ينتظره الاطفال في كل لهفة و كنا و ما زلنا في فلسطين نشارك اخواننا المسيحيين العرب الفلسطينيين الاحنفال به , كنت في زيارة الى بيت جدي في مدينة نابلس مع والدتي , كان بابا نويل (سانتا كلوز ) في احد محلات بيع الهدايا على شكل دمية , طلبت من والدتي بالحاح ان تشتريه لي و عرفت في تلك الاثناء انه بابا نويل و في يوم العيد يجلب هدايا العيد لاطفال فلسطين , و اخذته بفرحة الى غرفتي و انا فرحة و في كل عام انتظرت هداياه . بابا نويل الفلسطيني كان مميزا عن الجميع لانه يحب كل اطفال فلسطين .

واحتفظت في غرفتي ببابا نويل و ما زال في غرفتي حتى الان . مرت الايام و ما كانت الا قد بدات فترة جديدة في حياتي , وتحديدا في عام 1987 بدات الانتفاضة الاولى (انتفاضة الحجارة) . اعتقل والدي وكانت قصة اعتقاله بداية لمرحلة جديدة من طفولتي التي انتهت في تلك اللحظات . كنت في السادسة من عمري , والدي في المعتقل , توقفت رحلتنا الاسبوعية لمدينة القدس في كل يوم جمعة , وبدات المفاهيم تتضح لي اكثر , انا طفلة انتفاضة الحجارة الان , شاركت بالخفاء عن والدتي بالمظاهرات الشعبية و خرجت مع اطفال الحجارة و ضحكنا معا هربنا في زقاق الحارات الفلسطينية الضيقة و اختبانا . كانت الزيارة الاولى لوالدي في سجن مجدو مع والدتي واخوتي ,استمعت للحوار الذي جرى من وراء القضبان بين والدي ووالدتي , كان الحوار حارا و مليئا بالدموع , والدي قال عليك بتعليم الاولاد و هذا ما اطلبه منك الان و حتى لو اقفلوا المدارس و الجامعات عليك باستمرار اكمال مسيرتك في تعليم اطفالنا و ابناء الجامعات في فلسطين , بيتنا هو بيت وطني ومثقف و انتي امراة قوية وعلينا الاستمرار في النضال , واضاف والدي من وراء القضبان لن نسمح لهم بمنع اولادنا من انهاء تعليمهم وسوف اخرج لاكمال مسيرة النضال , كلمات والدي تركت اثرا في نفسي و جعلتني افهم دوري اكثر الان كطفلة فلسطينية عليها الاستمرار في التعلم و المعرفة لان جيلي هو الجيل الذي سوف يكمل مسيرة النضال الفلسطيني و ابقاء الهوية الفلسطينية التي حاولوا طمسها . تغيرت كل مفاهيم الطفولة , حاولت دائما الاصرار بالسوال المستمر عن زيارة مدينة القدس القادمة و لم اكن احصل على اجابة .

مرت الايام و السنون و كبرت المفاهيم و نضجت الافكار في داخلي و ادركت ان الموضوع شائك و لم يعد بسيطا كما كان . زاد الصراع و لم تعد زيارة مدينة القدس سهلا كما كان . واخيرا في عام 1996 تمكنت من زيارة مدينة القدس اثناء رحلة مدرسية , كم كنت مشتاقة لها و كنت احمل ذكريات الطفولة حين رايتها , وبدات استجمع كل اوقاتي الحلوة , وكبرت الصورة في داخلي و صار العشق اكبر . وفي كل عام من الاحتفال بعيد الميلاد المجيد اتفحص بابا نويل الخاص بي و اتذكر به التالف و الحب البراءة والسلام الطفولي الذي نشات عليه . بدات افهم ان الاختلافات الدينية موجودة و ان الصراع على مدينة القدس هو طويل و كان الوقت الماضي من طفولتي لن يعود و كان مجرد لعبة الوقت و ان المفهوم اصبح شائكا , عسى ان يكون الجيل الجديد من جيلي الذي عاصر الانتفاضة الاولى و الانتفاضة الثانية اصبح اقدر على تحليل الصورة و الدفاع عن هذه المدينة و قراءة الطرف الاخر و حلفاوه بحكمة . الخطا الذي حصل بالماضي لن يحصل مرة اخرى و علينا بقراءة الماضي بعمق , الوحدة الفلسطينية بين ابناء الشعب الفلسطيني في الداخل و الشتات مطلوبة و المقاطعة لكل ممارسات الاحتلال لابد من اتخاذها نهجا سياسيا لحماية الكرامة الفلسطينية في الوقت الراهن .

في اثناء زيارتي لفلسطين انا و اولادي الثلاثة من امريكا في نهاية العام 2017 قبل ابام من اعلان الرئيس الامريكي ترمب قراره بشان مدينة القدس و اعلانه الصريح ان القدس هي عاصمة اسرائيل و نقل مكتب السفارة الامريكية الى القدس , و كانت النتيجة حالة من الغضب و الغليان في نفوس ابناء فلسطين في الداخل والخارج و بين جميع ابناء المسلمين و جميع المناصرين للقضية الفلسطينية في جميع انحاء العالم , وقد تم هذا الاعلان في فترة احتفال ابناء الديانة المسيحية باعياد الميلاد المجيد , و المفروض في هذه الفترة ان يتسابق الجميع لنشر السلام و المحبة بين الاديان , و كان بابا نويل مازال في غرفتي ينتظرني في فلسطين , وقد احتضنته ابنتي الصغيرة و تساءلت عن وجوده في بيت مسلم . وما زال بابا نويل الفلسطيني يذكرني بايام البراءة و الايام التي كنت اعتبر ان الفروقات الدينية لم تكن موجودة و ان الناس يستطيعون العيش معا بسلام , وما زال الحلم يراودني بزيارة مدينة القدس بدون رحلة طويلة من التفتيش و الوقوف على نقاط التفتيش الامني و سلوك طرق مختلفة و روية المستوطنات الاسرائيلية على جبل الطور و على جبال الضفة الغربية و المزيد من مصادرة الاراضي الفلسطينية المليئة باشجار الزيتون و المزيد من الاعتقالات لابناء شعبنا الفلسطيني .