فـي مـديـنـة الـبـشـارة

السبت 30 يونيو 2018

فـي مـديـنـة الـبـشـارة
التفاصيل بالاسفل

شعور غريب، مربك، وربما أكثر من ذلك لدرجة تصل إلى فقدان جميع الحواس مرة واحدة، عندما تتواجد في مكان تعرفه فقط من خلال الأصدقاء ووسائل الإعلام والكتب. دون مقدمات أكتب لكم هذا المقال وأنا أتنفس هواء مدينة الناصرة التي أزورها للمرة الأولى!
تنفست التاريخ من المنازل التي ما زالت حجارتها شاهداً على الماضي، وتنفست أيضاً الوطنية الفلسطينية من أهلها الذين يتحدثون معك عن جذور الكنعانيين بأرضهم وطائر الفينيق في سمائهم؛ على الرغم من إقحامهم بالعديد من موجات التعرية ومسح الذاكرة واستبدالها بلغة جديدة، بالتالي تغيير التربة والتربية لمصلحة المشروع الاستعماري؛ لكن من حاول ذلك لم يعلم أن الجذور لا تتغير وإنما تتجدد في النمو والعطاء.
أتحدث مع صاحب أحد مقاهي الناصرة، في محاولة مني لمعرفة أوضاع المدينة؟! لأكتشف أنه بنك من المعلومات التي لا تجدها بالكتب، لأخرج بنتيجة _قد أكون مخطئاً_ هي أننا قمنا بالتركيز على توثيق النكبة الفلسطينية من منظور اللاجئ الفلسطيني، ولم نتناول ملحمة الصمود لمن تجذر بالأرض، على الرغم من وجود العديد من الكتابات التي تناولت المراحل المختلفة ما بعد ذلك.
الممتع في ذلك الحديث أننا ذهبنا إلى ما هو أبعد من النكبة، لنصل إلى الملاك جبرائيل الذي بشر مريم العذراء بسيدنا عيسى عليه السلام، وانتقلنا إلى ظاهر العمر الزيداني. وبعد كل الأحاديث الممتعة أُصاب بالصدمة!! كان المحزن لي عدم معرفة ذلك البنك المعلوماتي عن أبسط المعلومات في فضاء الحيز الجغرافي للأراضي الفلسطينية عام 1948!
وحتى أكون صادقاً مع ذاتي أولاً وأخيراً، إن ما بين زيارتي لأول مرة هذه المدينة وما بين فقدان المعرفة لصاحب المقهى لأبسط المعلومات عن الضفة الغربية، يكمن العديد من الإشكاليات التي لا يجب المرور عليها مرور الكرام، وربما هي بحاجة إلى مساحة أكبر من هذا المقال.
بالتأكيد الأمور نسبية من حيث المعلومات في المخزون المعرفي لدى الفضاءات الفلسطينية المختلفة المتمثلة في فلسطينيي الـ"48 و67" والشتات، وهذا يتطلب من الكل الفلسطيني خطوات سريعة بالعودة إلى جذور التاريخ، والانتقال إلى حملات توعية بأساليب مختلفة في بعض المفاصل المهمة بالعصر الحديث، ثم إعادة إنتاج المعرفة بالواقع الحالي المعاصر.
الناصرة جعلتني أنظر لمساحات ربما لم أكن أكترث بها كما يجب، لكنها أيضاً أعطتني جرعة من الأمل بأن الوجود الفلسطيني والتّجذر، كل في موقعه، هو من أهم أدوات النضال التي تعمل على نقش إطار القضية الفلسطينية منذ تعاقب الغزاة عليها من الفرس، الإغريق، الرومان، البيزنطيين، الصليبيين، المغول، العثمانيين، البريطانيين، لهذا فإن هذه المدينة أعطتني البشارة بأن مغتصب أرضنا سيرحل أيضاً.