عطرُ الصباح : ستّ الحبايب

السبت 24 نوفمبر 2018

عطرُ الصباح : ستّ الحبايب
التفاصيل بالاسفل

 الناصر السعيدي

لما تعبر أشعة الشّمس ستار النافذة تدلف الأمّ كما النّسيم الى غرفة ابنها تخاف عليه من حشرجة الباب..تقترب منه تدغدغ غطاءه وتربّت على كتفه ثم تفرك مفرقه بأصابع مرتعشة وكأنها تلاطفه لما كان رضيعا في مهده.. أمّااليوم فقد تجاوز العشرين من عمره ومازالت تحنو عليه كما الحمام يلاطف فراخه في عشّهم الدافىء...يفتح عينيْه وينظر نحوها ليرى الدنيا في ملامح وجهها فترتمي عليه تعانقه في حنان ثم تدعوه الى مطبخها وتهديه قهوتها..ما أشهاها قهوة الأم تتعطّر بشذى ابتسامتها فيترشفها عسلا شهيّا ..تقدم له محفظته ليتأبطها ..تمسكه بلطف من راحتيْه وتدعو له بالخير وترسم مستقبله وهو الطّالب المتألّق في مدارج كلّيته ..يودّعها ويفتح باب البيت ثم ينطلق كالسهم نحو الحافلة الصفراء بينما تظل هي واقفة على عتبة الباب تتبعه بعينيْن زائغتيْن أعياهما السّهر ...وفي غفلة من الأزهار المتناثرة بين نوافذ وأروقة حديقتها الصغيرة تسكب في مسربه ماء زلالا كعادة الجدّات حتى يعود اليها معافى عند الغروب ..تقفل الباب في ذهول وتخطو نحو غرفة الجلوس..تتوقف قليلا وتلقي بنظراتها نحو إطار ذهبي يحيط بصورة كبيرة ذبلت جنباتها..صورة المرحوم زوجها ..تبتسم في حياء وتتشابك أمامها ذكريات الماضي..تبسمل وتقرأ ما تيسّر من الآيات القرآنية في همس ثم تجلس القرفصاء قرب كانون مازال يحتضن جمرات خافتة ينبعث منها دفء على قدر حنانها.