بناء الثقة: هل هي مهمة مستحيلة؟

السبت 01 ديسمبر 2018

بناء الثقة: هل هي مهمة مستحيلة؟
التفاصيل بالاسفل

إن أكبر التحديات المهنية التي تواجه الحكومة الحالية وأي حكومات مستقبلية على صعيد بناء مؤسسات الدولة - الخاضعة تحت الاحتلال الإسرائيلي - هو استعادة ثقة المجتمع بها وبالمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، الثقة المبنية على توافقات وآليات المساءلة والمحاسبة والشفافية التي تخدم المواطن الفلسطيني أولاً وأخيراً وبالتالي بناء الثقة يكون على شكل البنّاء الذي يضع حجراً بجانب آخر وهكذا...
علينا مشاهدة الحقيقة المؤسفة المتمثلة في أن هيكل العلاقة بين الدولة متمثلة في النظام السياسي الفلسطيني والمواطنين يعاني من تشوهات كثيرة جعلت المواطن العادي يصاب باليأس كل صباح على الصعيد الوطني وأين وصلت القضية الفلسطينية؛ وأيضاً على الصعيد المؤسساتي، وللأسف بل وما يحزنني هو ما أستشعره بشكل يومي وبالأخص عند خروجي للعمل الميداني خارج محافظة رام الله والبيرة بأن فجوة الثقة متنامية بشكل متسارع يوماً بعد يوم.
أستطيع حصر أسباب فقدان الثقة إلى: أولاً فقدان الثقة المتسارع بين المواطن الفلسطيني والحكومات، ما يدفعه لعدم الوثوق بأي إجراءات تأخذها الحكومة. ثانياً: أن المواطن بدأ يلمس في السنوات الأخيرة فساداً على شكل رشوات لبعض الموظفين أو عن طريق التعيينات بـ»الواسطة» لمن له علاقة بمسؤول ما، وهذا ما نجده عبر وسائل التواصل الاجتماعية.. كيف لهذه القضايا أن تهب مثل النار في الهشيم دون أن تكون هناك ردود واضحة من الجهات ذات الاختصاص. ثالثاً: المواطن لا يشعر بوجود إرادة حقيقية لمكافحة الفساد ليس لقصور التشريعات التي سُنّت على الرغم من فقدان المجلس التشريعي مهامه وإنما لا توجد أنياب قوية من أجل تحقيق الأهداف التي يجب أن تحققها. 
على الحكومة الحالية و/أو القادمة العمل على بناء نموذج للدولة - حتى لو كانت تحت الاحتلال - التي تنعم بالسلم الأهلي والمجتمعي والتعددية والتكامل والتناغم الذي يؤدي إلى نجاحها، وتعزيز قدرتها على التعامل مع الأزمات والتحديات بحكمة ثاقبة تنطلق من مؤسسات مدنية، بالتزامن مع انخراط المجتمع في الرؤية نحو مشروع استنهاضي يتحقق بانخراط ومشاركة شاملة بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدن. من خلال آليات المساءلة والمحاسبة ووجود الآليات الكفيلة التي تتطلبها الشفافية سواء من المؤسسات الحكومية أو الإعلام والتعبير عن الرأي من قبل المواطنين.
 منذ بداية العام الحالي حاولت قراءة عدد من قضايا الرأي العام التي برزت مع بروز عدد من القضايا المجتمعية، لأكتشف أن هناك من يخشى عمليات التغيير والتطوير لأنها ستفقده مكتسبات حققها سابقاً وأن لديه خوفاً للحديث عن التغيير والتجديد.
 وهناك رأي عام مع التغيير ولكن لديه وصفة محددة لا تتقبل فكرة الاجتهاد والتفكير خارج الصندوق، بالأغلب ينتمون لمدارس ومذاهب وأيديولوجيات محددة. وهناك رأي عام وهو الأوسع متمثل في فاقدي الأمل، وهو الأخطر على نفسه وعلى المجتمع لأنه لا يريد العمل والفعل، والتحدي يكمن في كيفية تحفيز هذا الرأي العام، وهناك  رأي عام يؤمن بالتغيير ولديه برامج ومشاريع وإن كانت مكوناته في أغلب الأحيان عاتبة على الحكومة ولها وجهات نظر بشأن سرعة التنفيذ والتطوير.
 هناك أهداف نظيفة تستطيع الحكومة تسجيلها وبسرعة في العديد من القضايا التي تختص بالشأن العام والتي تحتاج إلى وعي مجتمعي وجهد حكومي بشأن تحقيقها مثل الاستقواء على القانون والتطاول على المال العام و»الواسطة» والمحسوبية....إلخ، والأهم رفع مستوى الخدمات في التعليم والصحة والمواصلات...الخ.
تستطيع الحكومة تحقيق العديد من الأهداف التي يحتاجها الشعب، نعم لا بد من التفاؤل في الأوقات الصعبة فهو ليس ضرباً من المستحيل، التحدي أمام الحكومة في كيفية إشراك مئات الآلاف من مختلف القطاعات لتحقيق الأهداف المنشودة للوصول إلى دولة القانون ودولة الإنتاج ودولة التكافل التي تشكل دولة المواطن على طريق مشروع التحرير والبناء. وهذا كله يتطلب ضخ دماء جديدة في مختلف المواقع مؤمنة بالعمل. ومن ناحية أخرى العمل على بناء الجسور باستنهاض قطاعات لأخذ دورها الحقيقي متمثلة في الإعلاميين، المثقفين، الأدباء، الفنانين وليس تكسير المجاديف معهم.