الانقسام الأمريكي يمتد ويشق إسرائيل

الثلاثاء 19 مارس 2019

الانقسام الأمريكي يمتد ويشق إسرائيل

المصدر : القدس

التفاصيل بالاسفل

مقال لمصطفى السعيد| كان رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بحاجة إلى شن عدوان على غزة في هذا التوقيت، فالمعركة الانتخابية دخلت مرحلتها الأخيرة، والنجاح الذى كان واثقا من تحقيقه لم يعد سهلا، وهناك منافسة شديدة ومخاوف قوية من أن يفقد الأغلبية.

لماذا تغير الحال على الساحة السياسية فى إسرائيل خلال أسابيع قليلة، وتبدلت ثقة نيتانياهو إلى قلق؟ وهل انتقل الانقسام من داخل الولايات المتحدة إلى إسرائيل، وسيدفع نيتانياهو ثمن تحالفه الوثيق مع الرئيس الأمريكي ترامب، ولهذا تخلت عنه المنظمة اليهودية إيباك المرتبطة بالدولة الأمريكية العميقة المشتبكة مع ترامب؟.

جميع المنظمات الفلسطينية نفت مسئوليتها عن إطلاق صاروخين باتجاه تل أبيب لأول مرة، ولم تكن هناك مقدمات تبرر هجوما صاروخيا فلسطينيا على تل أبيب، سوف يستدعى ردا إسرائيليا عنيفا، يرفع أسهم نيتانياهو، فمن أطلق الصاروخين، وهل فعلا جرى الإطلاق من غزة؟ أم أنها لعبة ما تستهدف تعويم نيتانياهو ورفع أسهمه؟

الارتباك الإسرائيلي كان واضحا حول حادث إطلاق الصاروخين، فقد تضاربت التصريحات حول عدد الصواريخ، وما إذا كانت القبة الحديدية قد اعترضتها، وهو تضارب ليس معتادا في إسرائيل التي تراقب الأجواء في غزة لحظة بلحظة، وهو ما يعني أن شيئا غير مألوف قد حدث، وفي أول هجوم صاروخي فلسطيني على مقر الحكومة الإسرائيلية وعاصمتها ورمزها.

شيء آخر غير مألوف، وليس له سوابق في العلاقة العضوية بين إسرائيل والولايات المتحدة، فقد كانت إسرائيل وحكومتها فوق كل نقد دائما، ويتبارى على كسب رضاها كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري اللذين يتبادلان حكم البيت الأبيض، لكن المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة إيباك انتقدت نيتانياهو لأول مرة في تاريخ المنظمة، وتخلت عن سياسة تأييد أي حكومة إسرائيلية مهما اقترفت من أخطاء، فانتقدت إيباك سعى نتنياهو إلى التحالف مع أحزاب عنصرية ليضمن الأغلبية في الانتخابات، في إشارة إلى حزبي كاهانا وعظمة اليهود، ولم يسكت نيتانياهو واتهم إيباك بالتلميح بأنها تدعم اليسار الإسرائيلي، ووصف منتقديه بالنفاق وازدواجية المعايير.

إن منظمة إيباك التي تضم جميع المنظمات اليهودية اليمينية، وتعقد مؤتمرا سنويا يحضره 20 ألف مندوب من كبار رجال المال والأعمال والسياسة والإعلام في الولايات المتحدة خرجت عن أعرافها، وأبدت غضبها من سياسة نيتانياهو، الذي يمضي من اليمين إلى اليمين الأكثر عنصرية في نظر قطاعات مؤثرة داخل الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم خصوم نيتانياهو من أمريكا العميقة والكونجرس، الذين يعرفون دور نيتانياهو في دفع ترامب إلى الخروج من الاتفاق النووي مع إيران، وبهذا أصبح نيتانياهو طرفا في الصراع الدائر في الولايات المتحدة، شاء أم أبى، ومهما حقق من مكاسب لإسرائيل لأنه سيكون أول رئيس وزراء يجعل سياسات إسرائيل قضية خلافية داخل الولايات المتحدة.

ليس أمام ترامب إلا مواصلة مساندة نتنياهو، والاعتراف بضم الجولان السوري إلى إسرائيل، وهي ورقة مهمة تعزز مكانة نيتانياهو، رغم أن ترامب يعاني من عجزه عن طرح صفقة القرن لأن نيتانياهو لم يدع له أي فرصة ولو قليلة لكي تنجح، فنتنياهو يريد كل شيء، ولا يريد منح الفلسطينيين أي شيء، وهو ما يعني عدم إمكانية طرح أي مبادرة علنية، والاكتفاء بالصفقة الشبح التي فشل عدة مرات في طرحها على الملأ.

يبدو أن نتنياهو مضطر إلى المقامرة، وإلقاء كل أوراقه دفعة واحدة، سواء بمغامرة شن عدوان على غزة وربما سوريا لاحقا، فهو يشعر بأنه على حافة الفشل الذي لا يحتمله، فهو يواجه ثلاث تهم بالفساد، وعندما أعلن عن انتخابات مبكرة كان يظن أنه يقف على أرض صلبة، وأن نجاحه مؤكد، لكن ظهر له منافس قوي وهو حزب الأزرق ـ الأبيض وهو تحالف للوسط يحظى بدعم متزايد، ويهدد بإطاحة حكم نتنياهو الذى يحلم بفترة خامسة، ولهذا يعتزم السفر إلى الولايات المتحدة وحضور مؤتمر منظمة إيباك الذى يسبق الانتخابات الإسرائيلية بأيام، ويلقي خطابا يحاول فيه رأب الصدع مع أكبر المنظمات اليهودية.

المأزق الذي يواجه إسرائيل ناجم عن شعور الإسرائيليين بالقلق من المستقبل، وعجز دولتهم عن فرض كلمتها بالحرب أو بالسلم، ولهذا ترتفع أسهم اليمين العنصري الذي يعبر عن استفحال الأزمة وليس حلا لها، وتتلاقى أزمة نتنياهو مع أزمة الإدارة الأمريكية العاجزة أيضا عن إعادة فرض كلمتها على العالم، ويتضح كل يوم فشلها وتراجعها، وكلما اشتدت الأزمة تقدم المتطرفون المشهد، بخطاب غوغائي يخفي الخوف والحقائق المؤلمة، ويراهن على الأساطير والخرافات التي لا يمكن أن تكون علاجا للمرض، بل تعبير عن اليأس من العلاج.