خرم إبرة نظرية «كومفاما كومونا»

السبت 23 مارس 2019

 خرم إبرة نظرية «كومفاما كومونا»
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر _ رامي مهداوي| فرق كبير بين النظرية والتطبيق في كيفية فهم التاريخ وربطه بالحاضر، فمنذ وصولي إلى كولومبيا وأنا أحاول أن أفهم الحاضر بناءً على ما حدث في الماضي، لكن كلما حصلت على معلومات كانت النتائج عكسية لتصبح نسبة إدراك الواقع قليلة.
تأثرت بشدة في جبال فالديبار ومدينة ميديلين حي "كومونا 13" بقصص تاريخ تلك المناطق المفجعة المليئة بالعنف والصراع الذي يعلم الجميع بأنه الأكثر دموية على صعيد النزاعات الداخلية في التاريخ الإنساني؛ فبعد أكثر من نصف قرن من اشتباكات مسلحة، وقتل، وتعذيب، وخطف، واغتصاب، وتهجير، ونزوح، واختفاء قسري تم توقيع اتفاقية السلام بين الحكومة الكولومبية وبين القوات المسلحة الثورية الكولومبية، والتي تُعرف باسم حركة "فارك".
ما نقرؤه ونسمعه وحتى ما نشاهده من أفلام ومسلسلات بكافة أنواعها وأشكالها لا يمثل الواقع والحقيقة المفقودة، فلكل منا حقائقه ولكل منا روايته، وفي هذا المقال لن أتحدث عن الصراع في كولومبيا الذي قد يعتبر البعض أنه انتهى منذ توقيع الاتفاقية!! وإنما سأتحدث عن نظرية سميتها "كومفاما كومونا" نتاج ما شاهدته وحللته خلال الفترة التي كنت بها في كولومبيا.
هذه النظرية جاءت من أسفل الى أعلى، جاءت وليدة من يريد أن يعمل؛ ولا تنتظر هذه النظرية من يجب أن يعمل ما عليه أن يفعل؟! هي أن تبادر بعلاج المشكلة، هي مبادرة تعلمنا ألا ننتظر أحدا، هي تحطيم الطبقات، هي امتلاك الشغف الذي علينا جميعاً أن نصل له من أجل حلول القضايا التي نعاني منها.
هي نظرية الشباب فهم إرادة التغيير المجتمعي في جميع نواحي الحياة من الرقص والموسيقى حتى أن تنتقل من طبقة الفقراء الى الطبقة المتوسطة أو أن تستطيع امتلاك مهارات حياة تجعلك تتغلب على مصاعب الحياة، هي نظرية وعملية مستندة على إعطاء الفقير كائنا من يكون الإحساس بالأهمية والشعور بالانتماء الى المجتمع،
دخلت الى مؤسسة "كومفاما" لأجد المئات من الداخلين والخارجين بأعمار مختلفة، من أطفال حديثي الولادة تحتضنهم أمهاتهم.. نساء وفتيات بعمر الربيع يحملن معهم حقائب مختلفة رياضية.. موسيقية.. صحية... حقائب مليئة بالكتب، ورجال ونساء متقاعدين يبتسمون بشكل مستمر لكل من ينظر لهم، والأهم بأن جميع من يعمل في هذه المؤسسة ليس فقط يبتسم وإنما يقدم لك الخدمة من قلبه.
التقيت بديفيد إسكوبار مدير "كومفاما"، ذلك الشاب المؤمن بما يعمل؛ يجعلك تنتمي لهذه المؤسسة التي تقدم ما لا تقدمه الحكومة ولو بشكل قليل، وكما قال لي: مهمتنا توحيد وتوسيع الطبقة العاملة وأن تكون واعية، حرة، منتجة وسعيدة. سنفعل ذلك من خلال الخدمات التي تعزز التعلم والرعاية والسكن والترفيه والسفر والثقافة والعمالة وريادة الأعمال والخدمات المالية.
نعم، انها أكبر من كونها مؤسسة، هي عائلة كبيرة تهتم في جميع أعضائها الذين يحتاجون من الأساس تقديم خدمات لهم متنوعة في مختلف القطاعات، فالمجتمع المهمش ان ما أتاحت له الفرصة في إعادة إنتاج ذاته يصبح قويا أكثر بكثير من مجتمعات أخذت نصيبها من الخدمات التي تقدمها الدولة.
بالعادة، لا أثق بالأدلاء السياحيين فهم مهما قالوا يجب علينا أن ننصاع لهم ولطريقتهم في الشرح، لكن ذلك كان مختلفا مع "خورجي ميلجويزو" الذي تحدث عن واقع حي "كومونا 13" ابن هذا الحي، فهو ليس مجرد دليل سياحي بل هو النشاط المجتمعي الذي يعمل من أجل إعادة صياغة منطقته بما يتلاءم معها وتغيير الماضي.
كان ذلك الحي ذات يوم أحد أخطر الأحياء في ميديلين، بل يمكن وصفه المجتمع الأكثر خطورة بسبب معدلات القتل الفلكية والتهجير القسري لآلاف السكان. هذا الحي عبارة عن منازل مصنوعة من الطوب والإسمنت المتراصة بالقرب من بعضها البعض وسقف من "الزينكو والإسبست". كان الحي مركزا محوريا لنشاط القوات شبه العسكرية وحرب العصابات والعصابات. موقعه مثالي للجريمة، لأنه يؤدي مباشرة إلى الطريق السريع الرئيسي (طريق سان خوان السريع)، ما يوفر سهولة النقل للبنادق والمخدرات والمال.
ومع ذلك شهد الحي تحولا مثيرا للإعجاب في الآونة الأخيرة ويعتبر الآن آمنا للزيارة، فقد تحول في السنوات القليلة الماضية إلى مكان من التفاؤل ليصبح مدينة صالحة للعيش ونابضة بالحياة، وموقعا نقع في حبنا له. حتى أنه حصل على اعتراف عالمي عندما سميت المدينة الأكثر ابتكارا. 
هذا الحي بدأ بتغيير ذاته بذاته، لم ينتظر أحدا، بل وأكثر من ذلك استخدم أدوات جديدة وبرامج تأهيل وتدريب وقد اجتذب العديد من السياح من خلال الفن على صعيد الغناء والرقص والرسم ما جعل هذه الحي كاملا متكاملا لقضاء يوم تكتشف به ذاتك قبل أن تكتشف الآخرين.
"كومفاما كومونا" ليست مجرد اسمين لمؤسسة وحي، بل هي نظرية تعلمتها على أرض الواقع يجب أن ندرسها لأنفسنا، نظرية اختصرتها آية القرآن بقوله تعالى: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ".