كيف يدمر العنف اللفظي شخصية الطفل

السبت 12 مايو 2018

كيف يدمر العنف اللفظي شخصية الطفل
التفاصيل بالاسفل

"أنا غبي"..."أنا لا أفهم ". كلمات يرددها سمير ابن العشرة أعوام كل ما فشل بالإجابة عن سؤال والدته عندما تقوم بتدريسه. أحست بعدها بالندم كلما سمعت هذه الصفات الهادمة من طفلها تجاه نفسه، فهذه كلماتها، وهي من يكيل له هذه الإهانات، فبدلا من تحفيزه وتشجيعه وإعطائه جرعة من الثقة كانت هي من تزرع الإحباط في شخصيته. بعد ذلك حاولت أن تنتبه لألفاظها وبدأت في تغييرها لتكون أكثر ايجابية فأصبحت تقول له: «أنت ذكي», «شاطر», أحسنت» فكانت النتيجة أن زادت ثقته بنفسه وتفتحت مداركه والنتيجة أن تحسن تحصيله الدراسي.


وفي حالة أخرى اشتكت احدى المرشدات التربويات سلوك أحد الطلاب في المدرسة حيث أنه دائم الصراخ ويوجه كلمات نابية لزملائه، وعادة ما يصاب بنوبات غضب تجاههم، وبعد السؤال تبين أن ذلك نتيجة ضغوطات نفسية يتعرض لها الطالب من بيئته المنزلية، حيث اعترف الطفل أن والده دائما ما يكيل له اللعنات والشتائم القاسية. ومن المحزن أن هذا الطالب لا يشعر بالحب تجاه والده، فعلى عكس ذلك فإنه يتمنى أن يرد له بعضا من هذه السلوكات، فالعنف لا يولد إلا عنفاً كما اخبرت هذه المرشدة.

ما هو العنف اللفظي

وتعرّف الخبيرة والاستشارية في حقوق الطفل الدكتورة منتهى الحراسيس العنف اللفظي بأنه «تهديد الطفل, وتجاهله وإلقاء اللوم عليه, والصراخ عليه». أما أسبابه فتوضحها استاذة أصول التربية سعاد ملكاوي حيث تقول:» أن العنف اللفظي من التداعيات الأخلاقية السلبية في مجتمعاتنا العربية بشكل خاص والعالم بشكل عام. كما أنه يترك أثراً بالغاً في تشكيل ملامح شخصية الطفل داخل أسرته وخارجها.وتلفت ملكاوي إلى أن الأسرة تلعب دورا بارزا ومهما في معالجة هذا العنف الذي لا يقل تأثيره النفسي والاجتماعي عن العنف الجسدي. ولابد أن تكون الأسرة قدوة للأطفال في كل السلوكيات وبخاصة الأم والأب.

و تلاحظ أن بعض الأهل يمارسون أنواعاً مختلفة من العنف اللفظي على أبنائهم تعود لأسباب تتعلق بـ»بيئة الأهل الاجتماعية ولعدم مقدرتهم في السيطرة على تصرفات أبنائهم فيلجأ الأهل إلى الهجوم اللفظي «للحد من سلوكيات أطفالهم غير المرغوب بها،ولأنها تؤمن بأن الخيار الأفضل في السيطرة هو العنف اللفظي واختياره كأفضل الحلول في التربية.

مخاطر العنف اللفظي

وتبين الحراسيس أن الدراسات أظهرت أن أثر العنف الفظي والأضرار النفسية يفوق أثر العنف الجسدي بنحو الضعف على الأطفال من اكتئاب وانعزالية وأنواع القلق المختلفة وإيذاء الذات, كما تسبب تدني الثقة بالذات وتشكل الشخصية المهزوزة للأطفال وممكن أن تؤدي للإضطرابات العاطفية والنفسية والسلوكيات الاجتماعية.»

وفي هذا الشأن يقول الدكتورعبد الرحمن مزهر استشاري الطب النفسي: «أساس المعاملة (الكلمة الطيبة صدقة) فما بال الكلمة عندما تكون لمن نحب. ومن الثابت أن النبوءة تتحقق أي بمعنى إذا تنبأنا لأطفالنا نبوءة حسنة فهي تتحقق، وهي تأتي أولا بالكلمات التشجيعية ومن ثم تطبيق هذه الكلمات كونها تنعكس على شخصية الطفل وتصبح ملازمة له.

وعلى العكس تماما إذا كان التعنيف الكلامي حاضرا دائما فإن الطفل يتلقاه ويؤمن به ويصبح طبيعة في شخصيته, فإذا نَعَتناه مثلا بالكاذب، مع طول الفترة سيقتنع بأنه كاذب وسوف يتحلى بهذه الصفة كونه أصبح يعرف أن الآخرين ينعتونه بالكاذب حتى لو كان صادقا.

وتوضح الحراسيس أن خطورة العنف اللفظي تكمن في عدم إدراك الآباء والأمهات لأثره، إذ «لا يوجد أثر ظاهر»، وبالتالي لا يشعرون بحالات تأنيب الضمير والندم عليها التي من الممكن أن تدفعهم إلى ترك السلوك مع أطفالهم وبالعكس نجد في كثير من الحالات عدم قناعة منهم بأثره وخطورته والاستخفاف بما يصدر منهم من ألفاظ وهذا بحاجة إلى حملات توعية.

بدوره، يعتقد المستشار النفسي والتربوي الدكتور عاطف شواشرة أن العنف اللفظي يترك آثارا سلبية في نفس الطفل وثقته بمقدراته، والكثير من الأطفال حتما سيمارسون سلوكيات تنسجم مع هذه الأوصاف وسيجيرون سلوكهم شيئا فشيئا حتى يقتنعوا بما ينعتون به من صفات، وهذا ما يسمى بمنهج «الالتزام والاطّراد».

ويشرح بالقول: فإن ألزم شخص بمجموعة من الصفات لفترة طويلة فعلى الأغلب أن سلوكه سينسجم مع تلك الصفات وستصبح جزءاً من تكوينه النفسي، ولهذا فإن لكل إنسان من اسمه نصيباً، ولهذا أيضا نهانا رب العزة الذي جبل النفوس ويعلم ماهيتها بأن لا نتنابز بالألقاب».

ويلاحظ د. مزهر أن التعنيف اللفظي للطفل والشدة وإهانته المتكررة «ينتج عنه إصابته بالرهاب الاجتماعي والعزلة وتجنب الناس ومخالطتهم». وهو ما ينتج عنه «ضعف في الشخصية وعدم القدرة على مخالطة الناس وتعلم الخبرات من المجتمع». فاللفظ السيء للطفل، يمكن أن يسبب له «عُقَدا ومشاكل نفسية تصاحبه طوال حياته»، ما قد يجعله طفلا «غير سوي نفسيا» وينتج عنه شخصية «غير سوية».

وهذا، وفق مزهر، يوقع الضرر على صاحب الشخصية وعلى المجتمع أيضا. والأصل إذا أخطأ الطفل «تقويمه» وإذا لزم لومه فليكن ذلك «بمعزل عن الآخرين» وليس أمامهم لأنه في حال تعنيفه أمام الآخرين يمكن أن «يشعر بالإهانة ويكون تأثير التعنيف أكبر بكثير مما نريده.»

ويؤكد الشواشرة أن «العنف اللفظي من أشد أنواع العنف خطرا على الصحة النفسية للأطفال، وهو هدام بشكل كبير رغم أنه لا يترك أثارا واضحة ومباشرة كالضرب إلا أن أثره في النفس الإنسانية عميق ويدوم لفترة طويلة، وهو أكثر أنواع العنف شيوعا في المجتمعات الغنية والفقيرة.»

لماذا يجب أن تتجنب الفتيات والنساء تربية القطط؟

ويبين الشواشرة أن العنف اللفظي يكون على شكل «شتم الطفل وإحراجه أمام الآخرين. ونعته بألفاظ بذيئة, وعدم إبداء الاحترام والتقدير له, وإهماله ومدح أطفال آخرين في حضوره، وتحقيره والسخرية منه والصراخ عليه».

فعندما يجد الطفل أن رأيه ليس مهما, وأن مشاعره وآراءه وسلوكاته محط هجوم وليست محلا للثقة فإن ذلك «يضعف استقلاليته وثقته بنفسه».

ويحذر من الإهانة والتهديد والتهجم والتقليل من شأنهم، ولومهم على أي شيء يقومون به, والنقد الشديد, وإطلاق ألقاب مهينة عليهم, والتشكيك في ذكائهم, وقدراتهم, وأفكارهم, وجمالهم, ومظهرهم، والتشكيك بسلامة عقلهم والتقليل من أهمية مبادراتهم وأدائهم.

ويقول إن ذلك يؤدي إلى الخوف ونقص سيطرتهم على أحداث حياتهم، ورغبتهم في الانسحاب من المواقف الاجتماعية والدخول في عزلة عن الآخرين، حتى أن بعض الأطفال يغترب عن محيطه وأهله ويشعر أنه غريب بينهم كارها لهم.

الحد من مخاطر العنف اللفظي

وينصح الشواشرة الأهل أن يرفقوا بأبنائهم ويصبروا عليهم، ويمنحوهم الفرصة تلو الأخرى ليخطئوا ويتعلموا، وليبنوا شخصياتهم بحب فيقْدِموا على الحياة بنفس صافية وفكر مبدع خلاق». فالأطفال برأيه «تكوين لين رقيق». ويشدد على أنه لا إبداع مع الخوف، فنحن أمة أحوج ما نكون إلى مبدعين ولا يكون المبدع مبدعا إذا تربى على الذل والإهانة والتحقير.

ولأن العنف اللفظي قاتل للطفولة تحض ملكاوي الأهل على أن يتعاملوا مع أطفالهم بثقة عالية وأن يفهموا شخصيات أبنائهم وطباعهم لأن كل طفل له مفتاح صحيح في التعامل معه ويجب أن نحسن استخدامه.وهنا، تذهب إلى ضرورة أن يدرب الأهل أنفسهم على التحلي بالصبر والخلق الحسن في التعامل مع أطفالهم وأن يعودوا أنفسهم كذلك على النصح والإرشاد لهم قبل اللوم والشتم وأن «نسمع من أولادنا ما يحسون به ويشعرون به قبل تحميلهم الأخطاء. وتنصح كذلك بأن يستفيدوا من نصائح الآخرين، ممن لهم الخبرة الواسعة في هذا المجال. وهذا كله، برأيها، لا بد له من «مراجعة دائمة لضميرنا الإنساني والتمسك بمبادئ ديننا الحنيف الذي يحضنا على التربية الصحيحة لأبنائنا.»

وتشير ملكاوي إلى أن بعض الأطفال يكتسبون هذه الألفاظ العنيفة ممن حولهم لذلك على بعض الأهل من اتخاذ التدابير والإجراءات التي بدورها تخفف من العنف اللفظي ومنها:

أسلوب الثواب والعقاب

بأن تقدم الأسرة الثواب الحسن لتعزيز الطفل أو تقديم هدية له لمدى التزامه بالسلوكيات الحسنة، وبذات الوقت استخدام أسلوب العقاب كالتعزير والتوبيخ والحرمان إذا استدعى الأمر الضغط للتراجع عن السلوكات الخاطئة.

أسلوب القدوة الحسنة

إذ يسلك الأبناء اتجاهات الأهل في تصرفاتهم من خلال مواقف حياتية متنوعة.

أسلوب القصص والحكايات

وهو من الأساليب الناجحة التي يستخدمها الأهل لنبذ العنف اللفظي عند أطفالهم وبخاصة وهم في سن صغيرة، إذ يروي الأهل القصص التي تعزز السلوكات الحسنة والابتعاد عن السيئة بأسلوب قصصي ناجح ومؤثر.