
وزير جيش الاحتلال يتمسك بالبقاء العسكري في غزة
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، تمسك تل أبيب بالبقاء العسكري ضمن ما يعرف بـ ‘الخط الأصفر’ في قطاع غزة، مؤكداً أن الجيش لن يتراجع مليمترًا واحدًا عن هذه المناطق حتى يتم نزع سلاح حركة حماس بالكامل. وأوضح كاتس خلال مؤتمر صحفي أن السيطرة الإسرائيلية ستستمر ولن تخضع لجدول الانسحاب التدريجي المفترض ضمن المرحلة الثانية من تفاهمات وقف إطلاق النار التي بدأت الشهر الماضي.
وشدد الوزير الإسرائيلي على أن الهدف الاستراتيجي الحالي يتركز على ملاحقة ما وصفه بـ ‘آخر نفق’ تملكه المقاومة الفلسطينية، مشيراً إلى أن حكومته لن تسمح ببقاء أي بنية تحتية عسكرية أو تسليحية في القطاع. وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع تهديدات أطلقها سكرتير الحكومة، يوسي فوكس، الذي حدد مهلة شهرين لنزع سلاح الفصائل، ملوحاً باستئناف العمليات القتالية الشاملة في حال انقضاء المدة دون تحقيق ذلك.
في سياق متصل، جدد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش دعواته المتطرفة الرامية إلى إعادة احتلال قطاع غزة بشكل كامل وفرض إدارة عسكرية إسرائيلية عليه. وطالب سموتريتش ببدء بناء مستوطنات جديدة داخل القطاع، معتبراً أن الحل الدائم يكمن في تشجيع ما وصفه بـ ‘الهجرة الطوعية’ للفلسطينيين، وهي التصريحات التي تثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية والدولية.
من جانبه، هاجم زعيم المعارضة يائير لابيد رؤية سموتريتش، واصفاً إياها بالوهمية وغير الواقعية بالنظر إلى المعطيات الميدانية التي تشير إلى وجود آلاف المسلحين التابعين لحماس. وأشار لابيد إلى أن الواقع الإداري في غزة حالياً يظهر نفوذاً فعلياً لموظفي السلطة الفلسطينية، خاصة في إدارة معبر رفح، مما يجعل مقترحات اليمين المتطرف بعيدة عن التحقق.
وفي قراءة نقدية لمسار الحرب، أقر عضو الكابينت السابق ورئيس الأركان الأسبق، غادي آيزنكوت، بفشل الحكومة في تحقيق هدفها المعلن بتدمير القوة العسكرية لحماس والجهاد الإسلامي. وأوضح آيزنكوت أن الخطط التي صُودق عليها في بداية الحرب كانت تقضي بتفكيك قدرات المقاومة خلال عام واحد، إلا أن الواقع بعد مرور أكثر من عامين يثبت عكس ذلك رغم الأثمان الباهظة التي دفعها الجيش.
واعتبر آيزنكوت أن رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الانخراط في نقاشات جدية حول ‘اليوم التالي’ للحرب تسبب في ضياع الإنجازات العسكرية وعدم قدرة المستوى السياسي على استثمارها. ولفت إلى أن القرار الاستراتيجي بشأن غزة بات يُصنع فعلياً في واشنطن، في ظل ما وصفه بـ ‘التفويض الأمريكي’ الذي يحكم التحركات الإسرائيلية والضغوط الدولية المتزايدة.
ميدانياً، واصلت قوات الاحتلال خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث استشهد الطفل راسم يوسف عسلية البالغ من العمر 14 عاماً إثر استهدافه بصاروخ من طائرة مسيرة شرقي جباليا. كما أفادت مصادر طبية بإصابة عدد من المواطنين بينهم مسن وصيادون في اعتداءات متفرقة نفذتها الزوارق والآليات الإسرائيلية في مناطق مختلفة من القطاع.
وتشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة إلى أن عدد شهداء الخروقات الإسرائيلية منذ بدء سريان الاتفاق الأخير قد وصل إلى 603 شهداء، بالإضافة إلى إصابة أكثر من 1600 آخرين. وتؤكد هذه الأرقام هشاشة التهدئة الحالية في ظل استمرار الاستهدافات المباشرة للمدنيين في المناطق الحدودية وداخل التجمعات السكنية.
وعلى صعيد الحصيلة الإجمالية، فقد خلفت الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث تجاوز عدد الشهداء 72 ألفاً، فيما تخطى عدد الجرحى حاجز 171 ألف مصاب. وتعاني غزة من دمار هائل طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية، مما جعل معظم مناطق القطاع غير قابلة للحياة في الوقت الراهن.
وتقدر التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية بنحو 70 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الممنهج الذي تعرضت له الأحياء السكنية والمرافق الحيوية. وتتزايد المخاوف من أن تؤدي الشروط الإسرائيلية الجديدة بشأن ‘الخط الأصفر’ إلى عرقلة وصول المساعدات الضرورية لبدء عمليات الترميم الأولية.
يُذكر أن ملف نزع السلاح يمثل حجر الزاوية في المرحلة الثانية من الخطة الدولية المدعومة أمريكياً، والتي تهدف إلى تحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة. ومع ذلك، فإن التباين الحاد في المواقف الإسرائيلية بين التمسك بالاحتلال العسكري وبين الإقرار بالفشل الميداني يضع مستقبل الاتفاق على المحك، وسط ترقب دولي لما ستؤول إليه الأوضاع في الأسابيع القادمة.







