
ترمب يدعو السيسي وأردوغان للمشاركة في “مجلس السلام”
كشفت مصادر رسمية في أنقرة والقاهرة أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وجّه دعوات إلى كلٍّ من مصر وتركيا للانضمام إلى ما سمّاه “مجلس السلام”، وهو إطار دولي جديد أعلن البيت الأبيض عن تشكيله للإشراف على المرحلة الانتقالية في قطاع غزة بعد الحرب الدائرة.
وبحسب ما أعلنه البيت الأبيض يوم الجمعة، فإن “مجلس السلام” سيُناط به الإشراف على إدارة مؤقتة لقطاع غزة، في إطار خطة أعلنها ترامب سابقاً لإنهاء الحرب الإسرائيلية على القطاع، والتي تصفها منظمات حقوقية دولية بأنها حرب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في منطقة محاصرة منذ سنوات. ويأتي الإعلان في ظل ضغوط دولية متزايدة لوقف القتال، وتنامي الانتقادات للسياسات الأميركية المنحازة لإسرائيل.
وفي أنقرة، أكد مدير الاتصالات في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن الرئيس رجب طيب أردوغان تلقى رسالة رسمية من ترامب يوم الجمعة، دعاه فيها إلى أن يكون “عضواً مؤسساً” في المجلس الجديد. ولم يكشف المسؤول التركي عن موقف أنقرة النهائي من الدعوة، مكتفياً بالإشارة إلى أن المقترح قيد الدراسة في ضوء التطورات الإقليمية وحساسية الملف الفلسطيني.
وفي القاهرة، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحفي يوم السبت، إن بلاده تلقت دعوة منفصلة من الرئيس الأميركي موجّهة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي للانضمام إلى المجلس، موضحاً أن مصر “تدرس الدعوة بعناية”، في ضوء دورها التاريخي في القضية الفلسطينية ومسؤولياتها الإقليمية، ولا سيما في ما يتعلق بملف غزة والمعابر والوساطة السياسية.
وكان البيت الأبيض قد أعلن أسماء عدد من الأعضاء الذين يشكّلون ما وصفه بـ”المجلس التنفيذي المؤسس”، يتقدمهم الرئيس ترامب نفسه رئيساً للمجلس، إلى جانب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للرئيس ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إضافة إلى جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره السابق، المعروف بدوره في صياغة “صفقة القرن”.
ويعود إنشاء المجلس إلى خطة كشف عنها ترامب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تنص على تشكيل هيئة فلسطينية من التكنوقراط لإدارة شؤون غزة خلال مرحلة انتقالية، على أن تعمل هذه الهيئة تحت إشراف دولي مباشر من مجلس السلام. وتهدف الخطة، وفق الرواية الأميركية، إلى “إعادة الاستقرار” إلى القطاع وتهيئة الظروف لتسوية سياسية لاحقة، من دون أن تتضمن التزامات واضحة بشأن إنهاء الاحتلال أو ضمان الحقوق الوطنية الفلسطينية.
غير أن الإعلان عن المجلس قوبل بانتقادات حادة من خبراء قانون دولي وناشطين في مجال حقوق الإنسان، اعتبروا أن إشراف رئيس دولة كبرى على إدارة إقليم أجنبي، من دون مشاركة ممثلين عن شعبه، يعكس نموذجاً استعمارياً محدثاً، يتجاهل مبدأ تقرير المصير. كما أثار إدراج اسم توني بلير موجة اعتراضات جديدة، على خلفية دوره في حرب العراق، وما ارتبط بها من انتهاكات جسيمة، فضلاً عن الإرث الاستعماري البريطاني في المنطقة.
ولم يقدّم البيت الأبيض تفاصيل دقيقة حول صلاحيات كل عضو في المجلس أو آليات اتخاذ القرار داخله، مكتفياً بالإشارة إلى أن أسماء إضافية ستُعلن خلال الأسابيع المقبلة. كما أكد أن المجلس سيضم شخصيات اقتصادية ودولية بارزة، من بينها مارك روان، المدير التنفيذي في مجال الأسهم الخاصة، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، إضافة إلى روبرت غابرييل، أحد مستشاري ترامب. وأوضح أن نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي السابق إلى الشرق الأوسط، سيشغل منصب “الممثل السامي لغزة”.
اللافت في تركيبة المجلس، بحسب المراقبين، الغياب الكامل لأي تمثيل فلسطيني، سواء من السلطة الفلسطينية أو من قوى المجتمع المدني أو الفصائل السياسية، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول شرعية المجلس وقدرته على إدارة مرحلة شديدة التعقيد في تاريخ غزة.
ويعكس “مجلس السلام” المقترح مقاربة أميركية تقليدية لإدارة الأزمات في الشرق الأوسط، تقوم على تدويل الإشراف وتهميش أصحاب القضية الأصليين. فبدلاً من تمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم، تُعاد صياغة مستقبل غزة في غرف مغلقة، تحت عنوان الاستقرار وإعادة الإعمار. هذه المقاربة لا تعالج جذور الصراع، بل تؤجّلها، وقد تكرّس واقعاً سياسياً هشّاً، قابلاً للانفجار عند أول اختبار ميداني أو شعبي.
ويعتقد الخبراء أن مشاركة دول إقليمية كتركيا ومصر في المجلس، إن تمت، ستضعهما أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على دورهما التقليدي في دعم القضية الفلسطينية، والانخراط في إطار دولي تقوده واشنطن بشروطها. فالانضمام قد يمنح هامش تأثير محدود، لكنه قد يُفسَّر أيضاً كغطاء سياسي لخطة لا تضمن حقوق الفلسطينيين. أما الرفض، فيحمل مخاطر التهميش من مسار دولي قد يُفرض كأمر واقع.
في المحصلة، يبقى “مجلس السلام” مبادرة مثيرة للجدل، تعكس محاولة أميركية لإعادة هندسة المشهد في غزة بعد الحرب، وسط شكوك عميقة في نياتها وجدواها، وأسئلة مفتوحة حول مستقبل قطاع لم يُستشر أهله في تقرير مصيره.







