لمتابعة أهم الأخبار أولاً بأول تابعوا قناتنا على تيليجرام ( فجر نيوز )

انضم الآن

السادة الأفاضل: حين يتحوّل البيت إلى نظام علاقات يأكله الجشع



بقلم: ملاك عبد الله دردش

فيلم مصري (2025) | كوميديا سوداء عبثية | إخراج: كريم الشناوي | سيناريو: مصطفى صقر – محمد عز الدين – عبد الرحمن جاويش

في هذا الفيلم، لا تحتاج العائلة إلى عدو، يكفيها ميراث من الأخطاء، ونظام علاقات يعمل بكفاءة ضدها.

بوستر «السادة الأفاضل»، كوميديا سوداء عن قرابة تتحول إلى مقايضة.

يُغري فيلم «السادة الأفاضل» مشاهده بأن يراه كفيلم غزو، لكن الغزو هنا ليس حدثًا قادمًا من الخارج. ما يحدث أقسى: البيت لا يُحتلّ لأن غريباً اقتحمه، بل لأن العلاقات داخله مُصمَّمة أصلًا لتتحوّل – عند أول اختبار – إلى شبكة ضغط وجشع وديون. الكوميديا السوداء لا تضحك لتُخفّف، بل لتكشف كيف تُبدِّل القرابة جلدها بسرعة وتتحول إلى مقايضة، وكيف تصبح القيم عملة قابلة للصرف.

ينتمي فيلم «السادة الأفاضل» إلى تيار الكوميديا السوداء ذات النزعة الواقعية-العبثية، مفارقته لا تقوم على المبالغة، بل على تعرية ما هو مألوف إلى حد الصدمة. ويواصل كريم الشناوي اشتغاله على شخصيات محاصَرة داخل منظومات أكبر منها، لكن الذكاء هنا أنه لا يقدّم أبطاله كضحايا بريئة، بل كأطراف تُعيد إنتاج الأزمة وهي تظن أنها تنجو. فالفيلم لا يفضح الجشع فقط، بل يفضح اللغة التي نستخدمها لتجميله: “الستر”، “الواجب”، و”القرابة”.

نظام العلاقات: البنية الظاهرية والبنية العميقة

المدخل لقراءة الفيلم هو العلاقات بوصفها بنية اجتماعية ذات طبقتين:

• بنية ظاهرية: ستر، قرابة، واجب، “شكل” عائلة متماسكة، ومشهد اجتماعي يصرّ على أن كل شيء تحت السيطرة.

• بنية عميقة: جشع، دين، خوف من الفضيحة، تبادل مصالح، واستعداد دائم لتحويل الآخر إلى “ضمان”.

في هذا المعنى، ليست البنية الظاهرية سوى قناع لغوي تُدار به الأزمة أخلاقياً في العلن، بينما تُحسم فعليًا في العمق بمنطق الضمان والديْن والمصلحة. اختيار القرية ليس تفصيلًا مكانيًا، بل “نظام حكم” مكتمل: يُدار عبر السمعة لا القانون، وعبر العُرف لا العدالة. وهنا تظهر وظيفة «الستر» كما يلمّح الفيلم بحدة: ليس قيمة لحماية الإنسان، بل أداة ضبط تمنع الانفجار العلني وتسمح بتراكم الابتزاز الصامت. لذلك تبدو هذه الأنظمة قوية من الخارج، لكنها هشة من الداخل: يكفي اختبار واحد حتى تتحوّل الروابط إلى أدوات ضغط بدل أن تكون وسائل حماية.

من الغزو إلى النتيجة: حين يعمل النظام بكفاءة

ليس هناك قوة خارجية تقتحم البيت، البيت نفسه مُهيّأ للاختراق لأن نظام العلاقات فيه قائم على هشاشة أخلاقية مُسبقة. لذلك، الموت لا يصنع الأزمة بل يكشفها. موتالمزيف للحاج جلال لا يدمّر تماسكًا حقيقيًا، لأنه كان قائمًا في الظاهر فقط. ما يظهر بعد الوفاة هو البنية العميقة وهي تمارس منطقها الطبيعي: الحساب، المقايضة، وتصفية الإرث المعنوي والمادي معًا.

الجشع كنظام أخلاقي: شخصيات مزدوجة وعالم بلا براءة

الشخصيات هنا “مركّبة” لأنها تعيش بازدواج منضبط: وجهٌ اجتماعي مؤدّب في الظاهر (وقار/واجب/كلام ستر)، ومنطق مصلحي في العمق (جشع مؤجّل يظهر فور فتح “فاتورة” العلاقات). ولهذا من نقاط الاختلاف اللافتة والتي تجعل الفيلم أكثر قسوة، أن «السادة الأفاضل» لا يمنحنا شخصية أخلاقية صافية تمثل الجانب الجيد من النظام. لا يوجد “ميزان” يوازن السواد أو يعارضه بوضوح، كل الشخصيات تحمل جانبًا سيئًا: بعضها يمارس الجشع صراحة، بعضها يبرّره تحت ضغط الحاجة، وبعضها يصمت ويستفيد. الشر هنا ليس استثناءً، بل قاعدة تشغيل.

الدَّين: العلاقة الأكثر صدقًا

يدٌ تُبصِّم بدل جسدٍ غائب: القرابة هنا لا تحمي، بل تُنجز الصفقة.

في قلب هذا النظام، لا يعود الدَّين تفصيلًا ماليًا، بل يصبح العلاقة الأكثر صدقًا في الفيلم. القرابة تتخفّى خلف العاطفة، أما الدَّين فيعمل بوضوح: شروط، مواعيد، التزامات. وهو لا “يأخذ المال” فقط، بل يعيد تعريف القيم داخل البيت. السؤال لم يعد: من يحب من؟ بل: من يضمن من؟ ومن يسدد عن من؟ الدَّين هنا ليس أزمة، بل آلية حكم: يفرض شروطه، يعيد ترتيب الأدوار، ويحوّل القرابة إلى رهن اجتماعي.

الكوميديا السوداء: كوميديا موقف لا كوميديا شخصية

من أهم الملاحظات النقدية أن الكوميديا لا تُبنى على اللعب بأبعاد الشخصية بقدر ما تُبنى على الموقف. الضحك لا يأتي من تعقيد داخلي يتطور، بل من مفارقات تُنتجها صدف درامية تحرّك الحدث بسرعة. كأن الفيلم يراهن أحيانًا على قفزة حدث لتوليد الضحك، بدل أن يترك التناقضات الداخلية تتخمّر داخل الشخصية.

يعتمد الفيلم في أكثر من موضع على الصدفة لدفع الحدث، من العثور على «المومياء» تحت السرير، إلى ضبط العم لابن أخيه سارقاً، وصولاً إلى مشاهدة الابن لأبيه وهو يُبصِّم على أوراق. كثافة هذه القفزات تُحدث أحياناً رخاوة درامية، لأنها تستبدل التراكم النفسي بمحرك خارجي سريع، من دون أن تُفقد الفيلم أثره العام.

السرد والبناء الدرامي: من الحداد إلى المقايضة

رغم ذلك، يظل البناء السردي قائماً على التراكم: من الحداد إلى سلسلة مساومات تُقاس فيها العلاقات بقدرتها على الصمود أمام الضغط. انتقال العبء إلى الابن الأكبر لا يأتي كاختيار أخلاقي حر، بل كضغط اجتماعي ونفسي: منظومة تحتاج واجهة لتسوية أخطاء السابقين.

الابن الأكبر: وظيفة اجتماعية لا قرابة

طارق وحده: حين يصبح الابن وظيفة داخل نظام لا يترك مجالًا للاختيار.

طارق لا يُقدَّم كابن بقدر ما يُقدَّم كمنصب. هو واجهة لتصفية حسابات لم يصنعها، وحلقة يسهل تحميلها الإرث والفضائح والديون. تحوّله ليس شريراً ولا بطولياً، إنه إداري: شخص يدير الأزمة لا يختارها. هنا يلتقط الفيلم شيئاً شديد الواقعية: الأبناء لا يرثون المال فقط، يرثون الأدوار القسرية.

المكان يراقب: التكوين وعمق المجال كسلطة

كادرات مزدحمة وعمق مجال يحول البيت إلى سلطة مراقبة.

شكلانياً، يترجم الفيلم منطق العلاقات عبر الفضاء: ضيق الممرات، تكدّس الأجساد داخل الكادر، وعمق مجال يجعل الخلفية حاضرًا دائمًا كأنها عين إضافية. نادرًا ما يمنح الإخراج الشخصيات عزلة بصرية؛ البيت لا يعود مأوى بل فضاء رقابة. جمال هذا الاختيار أنه يحوّل الشكل إلى معنى: الكادر لا يصوّر الضغط، بل يجعلنا نعيشه داخل الصورة.

والصوت يكمّل هذا المعنى: حتى حين يتحدث الجميع في الغرفة نفسها، يبدو الصوت طبقات متداخلة (همس، مقاطعات، مكالمات، كلام يُقال نصفه ويُخفى نصفه). كأن البيت لا يملك لحظة صمت. هنا لا يشرح الصوت الخطر، بل يجسده: الاقتحام يحدث عبر الضجيج اليومي.

وأيضًا، “رقاقة/اقتصاد” الحكاية والمكان (بيت واحد تقريباً، ضغط متواصل، مواقف مكثفة) يمكن قراءته بطريقتين: قد يبدو كترشيد إنتاج، لكنه يعمل أيضاً كخيار جمالي يجعل الانسداد ملموسًا: كل شيء قريب، وكل شيء يختنق بسرعة.

فيلم «السادة الأفاضل» ليس فيلماً عن غزو قادم من الخارج، بل عن نظام علاقات جاهز للانهيار. قوته أنه يزعزع راحة المشاهد: يضحكنا، ثم يتركنا أمام سؤال صعب- ليس عن الشخصيات فقط، بل عن القواعد التي تجعل هذا النوع من العلاقات طبيعياً ومقبولاً.
لو شاهدتِ الفيلم: أي لحظة شعرتِ أن الضحك كان اعترافاً، لا تسلية؟

الرابط المختصر:

مقالات ذات صلة