لمتابعة أهم الأخبار أولاً بأول تابعوا قناتنا على تيليجرام ( فجر نيوز )

انضم الآن

إيطاليا تجمد تعاونها العسكري مع إسرائيل.. لماذا فعلتها ميلوني الآن؟



في 14 أبريل/نيسان 2026، وقفت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني أثناء جولتها في معرض فينيتالي الدولي للنبيذ بمدينة فيرونا الإيطالية، لتعلن أن حكومتها قررت تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل، التي تشمل تبادل المعدات العسكرية والأبحاث التكنولوجية بين القوات المسلحة في البلدين، والتي شكَّلت لسنوات إطارا لعقود دفاعية كبرى، من بينها صفقات حصلت بموجبها إسرائيل على مروحيات إيطالية.

اللافت أن إعلان ميلوني جاء مقتضبا وعلى هامش الحدث؛ إذ قالت: “في ضوء الوضع الراهن قررت الحكومة تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل”، قبل أن تستأنف جولتها بين أجنحة المعرض، كما لو أن القرار مجرد تفصيل عابر في يوم عمل مزدحم. لكن هذه العبارة، التي اتسمت بهدوء ظاهري، تقطع خيطا امتد لأكثر من عقدين، وتضع حكومة يمينية أوروبية -كانت حتى أسابيع قليلة تُعدّ من أقرب حلفاء تل أبيب في القارة- في موقع غير معتاد بالنسبة لها.

فقبل 23 عاما، تحديدا في يونيو/حزيران 2003، وقف أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل آنذاك في القدس إلى جوار رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، المعلم السياسي لميلوني نفسها، ليعلن إنه “فخور بكونه صديق إسرائيل الأكثر حزما وصدقا وقربا”. وكانت ثمرة تلك الزيارة مذكرة التفاهم الدفاعية التي صادق عليها البرلمان الإيطالي عام 2005، ودخلت حيز التنفيذ عام 2006، لتتجدد تلقائيا كل خمس سنوات. وعلى مدى عقدين، لم تنسحب منها أي حكومة إيطالية، يمينية كانت أم يسارية، ما يجعل قرار اليوم لافتا، فضلا عن صدوره عن حكومة ترأسها ميلوني، بكل سجلها الداعم لإسرائيل، إذ دافعت عن حق إسرائيل المزعوم في “الرد” على هجمات طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقاومت لأشهر طويلة موجة الانتقادات الأوروبية لحرب غزة.

على الجانب الآخر، سارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى التقليل من أهمية القرار، معتبرة أن تعليق مذكرة تفاهم قديمة “لم تتضمن أي محتوى جوهري” لا يؤثر على أمن إسرائيل. في الوقت الذي قرأت فيه الدوائر السياسية الأوروبية الخطوة بوصفها إشارة إلى تصاعد الضغوط الداخلية على الحكومات الغربية في ما يتعلق بعلاقاتها العسكرية مع تل أبيب. فقد جاء القرار الإيطالي عقب تصاعد الانتقادات الداخلية، بعد استهداف الجنود الإيطاليين ضمن قوات اليونيفيل (UNIFIL) الرابضة في جنوب لبنان، وتزايد الضغوط البرلمانية والإعلامية لمراجعة صادرات السلاح، في ظل التزامات قانونية تُقيِّد توريد الأسلحة إلى مناطق النزاع.

وبين التقليل الإسرائيلي والتفسير الأوروبي والدافع الإيطالي، يطرح القرار سؤالا يتجاوز حدوده الإجرائية: هل نحن أمام خطوة رمزية عابرة، أم بداية إعادة تعريف للعلاقة الدفاعية بين إيطاليا وإسرائيل وربما بين أوروبا كلها والدولة العبرية؟ وما الذي تغيَّر تحديدا بين لحظة برلسكوني وشارون عام 2003، ولحظة ميلوني في فيرونا عام 2026؟

سلاح مقابل سلاح
تقتضي الإجابة على هذه الأسئلة العودة أولا إلى ماهية هذه المذكرة واستعراض ما أتاحته عمليا؛ إذ تمثل في جوهرها آلية لتبادل المشتريات الدفاعية، بحيث ترتبط كل صفقة سلاح بين البلدين بصفقة مقابلة، في نموذج أقرب إلى المقايضة الإستراتيجية منه إلى التجارة العسكرية التقليدية. وقد تجسَّد هذا المنطق بوضوح في أول اختبار فعلي للمذكرة بين عامي 2011-2012، حين أُبرمت صفقة تبادلية كبرى تضمَّنت شراء إسرائيل 30 طائرة تدريب إيطالية من طراز “إم-346” (M-346) -تُعرف في إسرائيل باسم “لافي” (Lavi)- من تطوير شركة ليوناردو (Leonardo) الإيطالية، في صفقة قُدِّرَت قيمتها آنذاك بنحو مليار دولار. وقد سُلِّمت هذه الطائرات بين عامي 2014.2016.

في المقابل، حصلت إيطاليا على منظومتين تنتميان إلى فئة المراقبة والاستطلاع. الأولى، قمر استطلاع فضائي من طراز “أوبتسات-3000” (OPTSAT-3000)، الذي تصفه شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية -المُصنِّعة له- بأنه يمتلك “أكثر القدرات التصويرية تقدُّما في العالم”. أما الأخرى، فتتمثل في طائرتي إنذار مبكر من طراز “جي-550 كايو” (G550 CAEW) من تطوير الشركة نفسها. وتعد هذه الطائرات مراكز قيادة طائرة مُزوَّدة برادارات متقدمة ومنظومات استخبارات إلكترونية، ما يوفر وعيا كاملا بالوضع الميداني ومراقبة مستمرة بزاوية 360 درجة لجميع التهديدات الجوية والبحرية، وقُدِّرت القيمة الإجمالية لهذه الصفقات بنحو 550 مليون دولار.

أما الصفقة التبادلية الثانية فكانت عام 2020، وتمحورت حول مروحيات التدريب الخفيفة “119 كيه إكس” من إنتاج شركة ليوناردو الإيطالية؛ حيث حصلت إسرائيل في المجمل على 12 مروحية ضمن حزمة تدريب متكاملة، تشمل بنية تحتية وعقود دعم طويلة الأمد. وتتميّز هذه المروحية بكونها خفيفة منخفضة التكلفة التشغيلية، عالية المناورة، ومُزوَّدة بأنظمة ملاحة رقمية، ما يجعلها مناسبة لتدريب الطيارين، إضافة إلى مهام المراقبة والاستطلاع والنقل الخفيف والإخلاء الطبي.

في المقابل، حصلت إيطاليا على صواريخ وقاذفات سبايك المضادة للدروع من شركة رافائيل (Rafael) الإسرائيلية للأنظمة الدفاعية، وقد مرَّ جزء من هذه الترتيبات عبر برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية “إف إم إس” التابع لوزارة الحرب الأمريكية، مع إنتاج بعض المنصات في منشآت الشركة في فيلادلفيا. ورغم ضخامة هذه الصفقات، ينبغي وضعها في سياقها الصحيح؛ إذ تُظهِر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن إيطاليا تُعدّ ثالث أكبر مُورِّد أسلحة لإسرائيل، بعد الولايات المتحدة وألمانيا، لكن بحصة محدودة لا تتجاوز 1% من وارداتها الدفاعية ما بين عامي 2020.2024، مقابل 66% للولايات المتحدة و33% لألمانيا.

في السياق ذاته، تشير طبيعة الصفقات الكبرى إلى أن صادرات روما إلى تل أبيب تتركز في منصات لا تستخدم مباشرة في مهام القصف والقتال، مثل مروحيات التدريب والإخلاء الطبي، وهو ما تستند إليه روما في خطابها الرسمي؛ إذ أكَّد وكيل وزارة الدفاع جورجيو سيللي أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان في أبريل/نيسان 2024، أن مراجعة “تراخيص التصدير المعتمدة قبل السابع من أكتوبر” أظهرت أن المواد المعنية “لا يمكن استخدامها ضد شعب غزة”.

غير أن هذا الطرح يتهاوى عند فحص الصفقات الثانوية؛ إذ يشير مشروع إنفيستيغيت البحثي المختص في رصد وتوثيق تورط الشركات الدولية في انتهاكات حقوق الإنسان، إلى أن شركة ليوناردو (Leonardo) زوَّدت البحرية الإسرائيلية بمدافع بحرية من طراز أوتو ميلارا 76/62 سوبر رابيد (Oto Melara 76/62 Super Rapid) عيار 76 ملم، التي تُركَّب على سفن الحرب والفرقاطات من فئات ساعر (Sa’ar). وقد دخلت إحدى هذه السفن (تحديدا فئة ساعر 6) الخدمة العملياتية لأول مرة في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2023، خلال الهجمات الإسرائيلية على غزة.

ويُعدُّ أسطول ساعر (Sa’ar) العمود الفقري للبحرية الإسرائيلية، وقد لعب دورا محوريا في فرض الحصار البحري على قطاع غزة منذ عام 2007، ما يكشف أن تأكيد الحكومة الإيطالية أنها لم تُصدِّر أسلحة هجومية يمكن استخدامها ضد المدنيين، يستند إلى تعريف ضَيِّق يستثني المُكوِّنات والأنظمة الفرعية المدمجة داخل منظومات قتالية أكبر، وهو تمييز قانوني بيروقراطي لا يصمد أمام الواقع العملي.

قرار على هامش معرض
في امتداد لهذا المسار، لا يقتصر تناقض الخطاب الإيطالي على طبيعة الصفقات، بل يمتد أيضا إلى توقيت القرار نفسه؛ إذ لم يأتِ تعليق المذكرة استجابة لتصاعد الكلفة الإنسانية للحروب الإسرائيلية، بل عقب استهداف قافلة إيطالية، ما يعكس تحركا مدفوعا بحسابات السيادة والأمن القومي، أكثر منه تحولا سياسيا أو أخلاقيا مرتبطا بانتهاكات الجيش الإسرائيلي المستمرة، سواء في غزة أو في دول الجوار.

لهذا تحديدا، لاقى القرار في الداخل الإيطالي انتقادات واسعة، بوصفه خطوة ملتبسة ومترددة؛ إذ برز في الجلسة البرلمانية التي أعقبت الإعلان تيار معارض رأى أن الإشكال لا يكمن في محدودية الإجراء فحسب، بل أيضا في توقيته وطريقة تقديمه؛ فالمذكرة لم تُعلَّق بينما كانت صور الدمار في غزة تتراكم يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر، بل فقط بعد أن طال التصعيد لبنان ومَسَّ مباشرة القوات والمصالح الإيطالية. وزاد من حدة هذا الانطباع، أن الإعلان نفسه لم يصدر من داخل البرلمان، بل على هامش معرض للنبيذ في فيرونا، فيما بدا، في نظر المعارضة، مؤشرا على غياب الجدية السياسية في التعامل مع قرار بهذا الثقل.

كان أول من عبَّر عن هذا الاعتراض ماركو بيليغريني، نائب حركة النجوم الخمسة اليسارية وعضو لجنتي الدفاع والأمن القومي، وأحد أبرز أصوات الحزب المناهض للحرب؛ إذ ذكر أن حزبه تقدَّم بطلب مماثل منذ مارس/آذار 2026 (أي قبل إعلان ميلوني) لكنه لم يتلق ردا. كما انتقد الحكومة معتبرا أنه لا ينبغي لها أن تحتجَّ فقط عندما تتعرض قوات إيطالية لإطلاق نار إسرائيلي، بل أيضا عندما يُقتل آلاف المدنيين على يد الجيش الإسرائيلي، مطالبا صراحة بقطع العلاقة العسكرية مع إسرائيل ووقف استيراد وتصدير الأسلحة.

بدورها، ربطت لورا بولدريني، النائبة عن الحزب الديمقراطي ورئيسة مجلس النواب السابقة، بين ما يجري في لبنان وبين “نموذج غزة”، من حيث القصف العشوائي وتدمير البنية التحتية المدنية وتحويل العطش إلى سلاح حرب؛ مطالبة بتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل بأكملها، ومستشهدة بمبادرة “المواطنون الأوروبيون” التي جمعت أكثر من مليون توقيع تطالب فيه بذلك.

يعني ذلك أن تعليق المذكرة لم يكن قرارا حكوميا خالصا، بقدر ما كان استجابة متأخرة لضغوط تراكمت على مدى أشهر. فالمعارضة، من يسار الوسط إلى اليسار الراديكالي، كانت تدفع في هذا الاتجاه -بل ونحو خطوات أبعد- منذ مارس/آذار 2026 على الأقل. وحين صدر القرار أخيرا، جاء بصيغة ملتبسة وفي صورة إعلان هامشي، ما منح خصوم الحكومة مادة إضافية للنقد، ليس فقط على مستوى المضمون، بل أيضا على مستوى الجدية السياسية.

وفي هذا السياق، تبدو خطوة جورجيا ميلوني أقرب إلى معادلة سياسية محسوبة: تقليل الكلفة إلى الحد الأدنى، مقابل احتواء أكبر قدر ممكن من الضغط الداخلي، خاصة بعد تعرُّض ميلوني لانتكاسة سياسية في استفتاء إصلاح القضاء في مارس/آذار الماضي، وهو استفتاء كانت الحكومة تراهن عليه لإعادة تشكيل النظام القضائي وتقليص نفوذ بعض مؤسساته، لكنه قوبل برفض واسع من الناخبين.

اليسار الإيطالي بين “الكيبوتس” وعرفات
المفارقة، أن علاقات إسرائيل بكل من اليمين واليسار الإيطالي في بداياتها، لم تكن على الخط نفسه الذي استقرت عليه لاحقا؛ إذ اتسم اليسار بطابع داعم لدولة الاحتلال في مراحلها الأولى، بينما ظلَّ اليمين مثقلا بإرث من الفاشية وما ارتبط به من نزعات “معادية للسامية”، حسبما يورد كل من: الصحفي والمحلل السياسي باولو كاتشاتشي وأستاذ التاريخ المعاصر جوزيبي ماماريللا، في كتابهما السياسة الخارجية الإيطالية: من توحيد الدولة إلى يومنا هذا.

فقبل عام 1967، حظيت إسرائيل بدعم واسع من اليسار الإيطالي، في ظل تصوُّر سائد يرى فيها دولة اشتراكية بُنيت على أسطورة الكيبوتس؛ أي نموذج المجتمع التعاوني القائم على الملكية الجماعية وتقاسم العمل والعائد، وإن كانت هذه الصورة تخفي في طياتها تعقيدات أعمق تتعلق بطبيعة المشروع الاستيطاني وإقصاء السكان الأصليين.

وقد اتخذ بيترو نيني، زعيم الحزب الاشتراكي الإيطالي ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية لاحقا، مواقف مؤيدة لإسرائيل باستمرار؛ إذ كان يرى في غولدا مائير ورفاقها “اشتراكيين رفقاء وروَّادا للاشتراكية في منطقة غير اشتراكية”. وحتى الحزب الشيوعي الإيطالي، الأكبر في أوروبا الغربية آنذاك، لم يكن معاديا لإسرائيل في تلك المرحلة؛ فزعيمه بالميرو تولياتي كان يقرأ حرب 1948 بوصفها انتصارا مناهضا للإمبريالية البريطانية، فيما لعب السيناتور الشيوعي اليهودي أومبرتو تيراتشيني دورا في تقريب الحزب من إسرائيل.

غير أن حرب يونيو/حزيران 1967 قلبت هذه المعادلة رأسا على عقب. فبينما اصطفَّت أغلب الحكومات الغربية -باستثناء فرنسا- إلى جانب إسرائيل، وقف وزير الخارجية الإيطالي أمينتوري فانفاني “على مسافة متساوية” بين إسرائيل والدول العربية، حسب ما يصف ماماريللا وكاتشاتشي. هذا الموقف بُني بالأساس وفقا لمصالح اقتصادية، فشركات إيطاليا الكبرى، مثل إيني (Eni) للطاقة وفيات (Fiat) وأوليفيتي (Olivetti)، كانت تستثمر رؤوس أموال ضخمة في العالم العربي، وهو إرث تركه إنريكو ماتيي، رئيس إيني (Eni) الأسطوري، الذي بنى شبكة علاقات مستقلة مع الدول المنتجة للنفط قبل مقتله في حادث طائرة غامض عام 1962.

منذ تلك اللحظة، بدأ اليسار الإيطالي بتياراته المختلفة يبتعد تدريجيا عن إسرائيل؛ إذ انحاز الحزب الشيوعي للموقف السوفييتي المؤيد للعرب بالكامل، فيما اندفع جزء من العالم الكاثوليكي نحو التعاطف مع القضايا العربية، تحت تأثير مبادرات البابا بولس السادس، في الوقت الذي تبنَّى فيه اليسار الاشتراكي القضية الفلسطينية بوصفها أداة لإعادة بناء مصداقيته.

جاء المنعطف الأبرز مع بيتينو كراكسي، تلميذ نيني، الذي قاد الحزب الاشتراكي في حقبة الثمانينيات؛ إذ اتسمت سياساته بميل واضح لمطالب منظمة التحرير الفلسطينية، وبنى علاقة شخصية مباشرة مع ياسر عرفات. وتفُسِّر فيامَّا نيرنشتاين، المستشارة الخاصة لوزارة الخارجية الإسرائيلية، هذا التوجه بحاجة كراكسي إلى تأكيد انتمائه لليسار، بعد ابتعاده عن تحالفه التقليدي مع الشيوعيين وانخراطه في ائتلافات حكومية مع الديمقراطيين المسيحيين. وفي هذا السياق، تحوَّلت علاقته بعرفات، وفق توصيف نيرنشتاين، إلى ما يشبه “ورقة التوت اليسارية” التي غطَّى بها هذا التحول السياسي.

من مورو إلى ميلوني.. تحوُّل بوصلة اليمين
في المقابل، سلك اليمين الإيطالي مسارا معاكسا. فحزب الحركة الاجتماعية الإيطالية، ظلَّ لعقود مؤيدا للعرب ومعاديا لإسرائيل، في امتداد لتقليد قديم حاول فيه موسوليني التقارب مع القومية العربية. بعد ذلك، وعلى مدار الستينيات، صاغ ألدو مورو، أحد أبرز زعماء الديمقراطية المسيحية ورئيس الوزراء الإيطالي آنذاك، مفهوم “الحياد النشط”؛ أي الحفاظ على مسافة سياسية متساوية من الطرفين مع الانخراط الفعَّال في البحث عن تسوية؛ إذ عمل مورو على لفت الانتباه الدولي إلى أوضاع اللاجئين الفلسطينيين الذين شُرِّدوا خلال النكبة.

تعمَّق هذا التوجُّه في مطلع السبعينيات؛ حيث ازداد اقتراب مورو من الموقف الفلسطيني بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، محاولا ترسيم مسافة بين السياسة الخارجية الإيطالية والموقف الأمريكي، فدعا إلى قيام دولة فلسطينية على حدود 1967.

ويؤكد أستاذ علم الاجتماع في كلية لندن ماتيو تيراتيللي أن ثقافة تأييد الفلسطينيين تجذَّرت بعمق داخل تيار اليمين الإيطالي، مستشهدا بخروج جوليو أندريوتي، زعيم الجناح اليميني للديمقراطيين المسيحيين ورئيس وزراء إيطاليا 7 مرات، إلى قاعة مجلس الشيوخ أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 2006، مُعبِّرا عن تعاطفه مع حزب الله، قائلا: “أعتقد أن أي واحد منا، إذا ولد في معسكر اعتقال ولم يكن لديه أي أمل في منح أطفاله مستقبلا، سيكون إرهابيا”.

ومع ذلك، كان موقف أندريوتي أقرب إلى صدى متأخر لمرحلة سياسية آخذة في الأفول؛ إذ كان اليمين الإيطالي قد بدأ منذ أوائل التسعينيات يتخلَّى تدريجيا عن هذا الإرث، لا سيَّما مع ظهور برلسكوني، الذي يُعَد مهندس إعادة تشكيل اليمين الإيطالي، لا فقط داخليا، بل أيضا على مستوى السياسة الخارجية، فقد ابتعد عن استراتيجية الاستقلال النسبي التي طبعت سياسة التيار سابقا، واقترب أكثر من الرؤية الأطلسية المرتبطة بالمصالح الأمريكية. وفي هذا السياق، أصبحت إسرائيل جزءا من هوية سياسية جديدة؛ تُمثِّل فيها حليفا غربيا مركزيا، لا مجرد طرف في نزاع شرق أوسطي.

غير أن تيراتيللي يرى أن أثر برلسكوني الأهم لم يكن تعزيز الانحياز لإسرائيل، بل إعادة تأهيل اليمين ما بعد الفاشي وإدخاله إلى السلطة، حين كسر أحد محظورات ما بعد عام 1945 بضمِّ ورثة الحركة الاجتماعية الإيطالية -الخارجة من عباءة الفاشية- إلى تحالفه الحاكم.

صحيح أن التيار ضم في تلك المرحلة جناحا معاديا لإسرائيل، ظل يتجلى حتى مطلع التسعينيات، حين نشر أتباعه كتيب أوقفوا المجزرة ردا على أحداث المسجد الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول 1990، مطالبين فيه بمقاطعة إسرائيل والاعتراف الفوري بفلسطين، غير أن هذا الموقف مثَّل آخر أنفاس هذا التيار. ففي الوقت ذاته، أطلق جيانفرانكو فيني، زعيم الحركة الاجتماعية الإيطالية، مشروعا لفك الارتباط الرمزي مع الفاشية، وهو مسار لا يعبر عن مراجعة فكرية، حسبما يخلص كل من كاتشاتشي وماماريللا ، قدر ما كان تموضعا سياسيا لتسهيل إدماج الحزب في الحياة السياسية.

أما على المستوى الدولي، فقد جعل فيني من إسرائيل بوابة هذا التحوُّل، فبعد إشادته بموسوليني عام 1994، بدأ انقلابا تدريجيا عبر زيارة أوشفيتز عام 1999 (أحد معسكرات الإبادة النازية في بولندا)، وطلب المغفرة عام 2002 عن القوانين العنصرية، قبل أن يختتم المسار بزيارة إسرائيل عام 2003، حيث وصف الفاشية بالشر المطلق. وبذلك، تحوَّلت العلاقة مع إسرائيل من خيار دبلوماسي إلى أداة لبناء الشرعية، ورسَّخت تقاربا طويل الأمد بين اليمين الإيطالي ما بعد الفاشي ونظيره الإسرائيلي.

إيطاليا ميلوني.. التحالف القصير يفقد بريقه
هذا الاستعراض للطبيعة التبادلية للتعاون العسكري، فضلا عن مسار العلاقات الإسرائيلية مع الحكومات الإيطالية المتعاقبة، سواء المنتمية إلى تيارات اليمين أو اليسار، يكشف أن قرار روما الحالي لا يعكس تحولا أيديولوجيا بقدر ما يفضح هشاشة الأساس الذي قام عليه هذا التعاون. فالعلاقة لم تكن يوما عقيدة راسخة على غرار الارتباط الأمريكي-الإسرائيلي، القائم على شبكة متداخلة من الالتزامات التشريعية والمؤسسية والدينية؛ بل تشكَّلت، في جانبها اليساري المبكر، على ما يمكن وصفه بتصوُّر مُبسَّط لطبيعة المجتمع الإسرائيلي الناشئ، حيث جرى تلقِّي تجربة الكيبوتس بوصفها نموذجا اشتراكيا تقدميا، بمعزل عن سياقها الاستيطاني الأوسع. غير أن هذا التصوُّر سرعان ما تآكل مع انكشاف البنية الفعلية للمشروع الإسرائيلي بوصفه مشروعا استيطانيا توسعيا، ما أفقد العلاقة أحد مرتكزاتها الرمزية المبكرة.

أما العلاقة مع اليمين المتأخر، فقد اتخذت طابعا وظيفيا؛ إذ استخدمها برلسكوني لتحديث صورة تياره، وفيني لإعادة تأهيل إرثه السياسي المرتبط بالماضي الفاشي، قبل أن ترثها ميلوني ضمن حزمة أوسع تشمل الالتزام الأطلسي وتعزيز التقارب مع واشنطن. وحين تغيَّرت شروط هذه الحزمة، مع تصاعد التوتر مع الإدارة الأمريكية، واتساع الاحتجاجات الشعبية في إيطاليا تضامنا مع غزة، وتراجع الرصيد السياسي للحكومة عقب استفتاء مارس/آذار، فضلا عن المساس المباشر بالسيادة الإيطالية عبر استهداف قوافلها -وهي أحداث مجتمعة باتت تمثل طبقات ضغط متراكمة- أصبح التخلي عن جزء من هذه الأداة مطلوبا، لأنها لم تعد تنتج الربح السياسي نفسه.

ولا يعني هذا أن إيطاليا انقلبت على إسرائيل؛ فالمذكرة عُلِّقت ولم تُلغَ، والعقود القائمة لم تُمَس، ومدافع ليوناردو لا تزال على سفن ساعر (Sa’ar)، وميلوني نفسها لم تعترف بالدولة الفلسطينية، ولم تؤيد تعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية-الإسرائيلية، رغم مطالبة معارضيها بذلك. ما حدث يحمل قيمة رمزية أكثر من العواقب الملموسة بغرض امتصاص الضغط. باختصار، هو “موقف نقدي ضد بعض خيارات الحكومة الإسرائيلية”، وفق تعبير ميكيلي فالينسيسي، رئيس معهد الشؤون الدولية (IAI) في روما.

لكن حتى هذه القيمة الرمزية لن تمر دون الاشتباك مع المستقبل. فالقانون الإيطالي رقم 185 لسنة 1990 يحظر تصدير الأسلحة لدول في حالة نزاع مسلح يمسّ المدنيين. ومع استمرار العمليات الإسرائيلية في غزة ولبنان، واستمرار حالة الحرب على إيران، يصعب تصوُّر سيناريو تعود فيه روما لتفعيل المذكرة دون أن تواجه طعونا قانونية داخلية، خاصةٍ بعد أن أسّست الحكومة نفسها سابقة بالاعتراف، ضمنيا على الأقل، بأن الوضع يستدعي التعليق. بمعنى آخر، قد تكون ميلوني قد اتخذت خطوة محسوبة لتقليل الضغط السياسي، لكنها في الوقت ذاته قيدت هامش حركتها المستقبلية.

والسؤال الأخير: هل إيطاليا حالة أوروبية منفردة هنا؟ الإجابة الأولية “لا”، لأن موجة مراجعة العلاقات الدفاعية مع إسرائيل تمتد عبر أوروبا، من بريطانيا التي علَّقت عشرات تراخيص التصدير، إلى إسبانيا التي أقرَّت حظرا قانونيا على تجارة السلاح لتل أبيب، إلى فرنسا التي قيَّدت حضور شركات السلاح الإسرائيلية في معرض باريس الجوي.

غير أن ما يميز الحالة الإيطالية أنها صادرة عن حكومة يمينية، في وقت يتعمق فيه تقارب إسرائيل مع أطراف أخرى من اليمين الأوروبي، ما يعني أن هذا اليمين ليس كتلة واحدة في علاقته بإسرائيل، بل مجموعة حسابات محلية متباينة تُنتج مواقف متناقضة تبعا للضغوط الداخلية والمصالح الاقتصادية والموقع الجغرافي. وفي هذا المشهد لا يتعلق السؤال فقط بمن يدعم إسرائيل في أوروبا، بل أيضا بمن يستطيع تحمُّل تكلفة هذا الدعم. إيطاليا ميلوني، في أبريل/نيسان 2026، أجابت بأنها لم تعد تستطيع.

المصدر: الجزيرة

الرابط المختصر:

مقالات ذات صلة