
العمال الفلسطينيون.. الموت في طريق العمل أو جوعا
وفا – إسراء غوراني – خلال الأشهر الأخيرة، لم يخلُ أي يوم من أخبار متتابعة عن ملاحقة أو اعتقال أو إصابة عمال فلسطينيين، أثناء محاولتهم الدخول إلى أراضي الـ48 للعمل من خلال جدار الفصل والتوسع العنصري في بلدة الرام شمال القدس المحتلة.
وتترافق هذه الأحداث عادة مع مشاهد موثقة وصور دموية للعمال وهم ينزفون على الجدار إثر إصابتهم برصاص الاحتلال، في صورة قاتمة ولدت من واقع هو الأصعب على العامل الفلسطيني، الذي وجد نفسه مضطرا للتعامل مع مخاطر يومية أعادت تشكيل مأساته المتفاقمة منذ عامين ونصف تزامنا مع حرب الإبادة على قطاع غزة.
فجوة خطيرة
هذه المشاهد اليومية باتت توضح حجم الفجوة بين العمال في العالم وبين العامل الفلسطيني الذي تقزّمت مطالبه بسبب انتهاكات الاحتلال، فبينما يستغل العالم مناسبة اليوم العالمي للعمال الذي يصادف الأول من أيار للمطالبة بتحصيل حقوق عمالية إضافية مثل رفع الحد الأدنى للأجور، يجد العامل الفلسطيني نفسه يطالب بحقه في العمل والحصول على لقمة العيش التي يواجه الموت في سبيلها.
الشهيد يوسف عقل من بلدة بديا غرب سلفيت واحد من العمال الذين فقدوا حياتهم خلال الأشهر الأخيرة، في سبيل الوصول إلى لقمة العيش، بعد إطلاق قوات الاحتلال الرصاص عليه خلال محاولته عبور جدار الفصل والتوسع العنصري في الرام.
في 23 كانون الأول/ ديسمبر الماضي استشهد عقل في المستشفى بعد أن مكث عشرة أيام في العناية المكثفة جراء إصابته الخطيرة برصاص الاحتلال في طرفيه السفليين.
وبعد مرور ما يزيد عن أربعة أشهر على استشهاد عقل، ما زال شقيقه هيثم، الذي كان برفقته لحظة إصابته، يروي بمرارة أدق تفاصيل ذلك اليوم.
يقول هيثم في حديثه لـ”وفا”: “توجهنا إلى بلدة الرام للدخول إلى أراضي الـ48 من أجل العمل برفقة عشرات العمال، وبدأنا بصعود السلم على الجدار تباعا”.
ويضيف: “عند وصولنا إلى أعلى الجدار أنا وشقيقي يوسف الذي كان يسبقني ببضع درجات فوجئنا بأصوات إطلاق الرصاص، فشرعنا بالنزول سريعا عن السلم، أصبحت في أسفل السلم وكان يوسف ينزل من أعلى ببطء حيث أصيب في ساقيه، خفت عليه من السقوط فعدت نحوه لأساعده في النزول”.
ويتابع: “نزف يوسف الكثير من الدماء على السلم وقمنا بنقله على الفور إلى المستشفى، هناك مكث عشرة أيام قبل استشهاده”.
كان يوسف يعمل في الداخل منذ قرابة خمس سنوات سابقا، لكن مع اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة وإيقاف تصاريح العمال فقد مصدر رزقه الأساسي، ومكث ستة أشهر دون عمل.
ومع تزايد الوضع الاقتصادي سوءا وأمام احتياجات أسرته والتزاماته المادية، بدأ يوسف وهو أب لطفلين بالمخاطرة والدخول عن طريق جدار الفصل والتوسع العنصري، حيث كان يغيب قرابة شهر في العمل ويعود عدة أيام إلى منزله، ثم يعاود الكرة حتى أصيب وارتقى في آخر مرة.
قصة يوسف تكررت خلال عام 2025 مع 18 عاملا استشهدوا خلال محاولتهم الوصول إلى عملهم، فيما استُشهد أكثر من 50 عاملا منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى الآن، عدا عن تسجيل العديد من الإصابات، وفقا لإحصائيات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين.
واقع مرير
لا تقتصر خطورة الواقع الذي يعيشه العمال على الموت أو الإصابة أو الاعتقال، فمن نجا من كل ذلك يواجه واقعا لا يقل قسوة، فالشريحة الأكبر من العمال تواجه ظروفا معيشية صعبة للغاية منذ عامين ونصف، تتلخص في انعدام مصادر الدخل حتى أنهم لا يجدون ما يسدون به أبسط احتياجات أسرهم.
أبو محمد (52 عاما) من محافظة طوباس، الذي فقد عمله في الداخل، تحدث لـ”وفا” عن واقع معيشي صعب للغاية ومتواصل منذ عامين ونصف.
يقول أبو محمد وهو رب لأسرة مكونة من ثمانية أفراد، إنه كغيره من العمال يعيش بطالة متواصلة منذ أكثر من عامين، وهو ما أدى إلى تردي أوضاعه المعيشية، وعجزه في أغلب الأيام عن توفير أبسط احتياجات أسرته، كما أن له ابنتين في الجامعة يتخوف من عدم قدرته على إكمال تعليمهما وتوفير أقساطهما.
حاول أبو محمد على مدار عامين طرق جميع الأبواب للحصول على عمل لكن أغلب محاولاته باءت بالفشل، فسوق العمل في الضفة الغربية متهالك من تبعات التشديدات والإغلاقات والانتهاكات التي ينفذها الاحتلال يوميا بالتوازي مع حرب الإبادة على قطاع غزة، فلم يتمكن على مدار عامين من الحصول على عمل سوى بشكل متقطع ولأيام معدودة لا يكفي دخلها لسد رمق عائلته.
ورغم أنه يقيم في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، وهي منطقة زراعية كانت تستوعب أعدادا كبيرة من الأيدي العاملة خاصة خلال المواسم الزراعية، إلا أنه لم يجد عملا في الزراعة أيضا، كما أن نسبة كبيرة من العمال في هذا المجال فقدوا فرص عملهم، بعد إحكام سلطات الاحتلال سيطرتها وحصارها على الأغوار عبر التشديد على الحواجز وإقامة البوابات.
وتابع: إن العمال اليوم في مهب الريح، يواجهون الموت والإصابة والاعتقال، أو يواجهون مصيرا قاهرا لا يقل سوءا عن الموت بسبب انعدام مصادر الدخل.
من جهته، يشير عضو الدائرة الإعلامية في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين سعيد عمران إلى أن قطاع العمال يواجه ظروفا قاهرة للغاية منذ أكثر من عامين، حيث حرموا من التوجه إلى أماكن عملهم في أراضي الـ48، وهو ما اضطرهم للمخاطرة بحياتهم واتباع طرق خطرة للوصول إلى الأعمال، وهذه الطرق تنتهي بعدد كبير من العمال إلى مآلات صعبة، ومنها الاستشهاد، أو الإصابة، أو الاعتقال، كما سجلت أرقام مقلقة بهذا الصدد خلال الفترة الأخيرة، حيث استشهد 50 عاملا منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
كما تطرق عمران إلى تسجيل 38 ألف حالة اعتقال منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في صفوف العمال الفلسطينيين، منهم من يتم الإفراج عنه لاحقا، ومنهم من يتم الإبقاء عليهم في السجون وتحويلهم إلى المحاكم وفرض غرامات مالية عليهم تصل إلى 10 آلاف شيقل، وهو ما يزيد من تعقيد واقعهم.
انتهاكات جسيمة
ولا تتوقف معاناة العمال عند هذا الحد، حيث طفت على السطح أشكال أخرى من الانتهاكات بحق العمال الذين يحاولون الدخول دون تصاريح، والمتمثلة باستغلال ظروفهم من قبل المشغلين الإسرائيليين وبخس أجورهم.
فضلا عن ذلك، يتعرض العمال للاستغلال من قبل السماسرة الذي يتقاضون منهم مبالغ كبيرة لنقلهم وإيصالهم عبر طرق التهريب، وفي كثير من الأحيان يتعرضون للتهريب بطرق خطيرة على حياتهم وتمتهن كرامتهم في آن واحد، كما أنها تنتهي بهم في كثير من الأحيان للاعتقال كما حدث قبل أقل من شهر مع العمال الذين اضطروا للدخول عبر شاحنة نفايات.
وأوضح عمران أن العمال الفلسطينيين على مدار سنوات طويلة يعانون من ظروف صعبة بسبب انتهاكات الاحتلال في شتى المجالات، لكن المرحلة التي وصل إليها العامل منذ حرب الإبادة على قطاع غزة هي الأصعب والأخطر، من حيث أساليب ملاحقة العمال وتصاعد خطورتها، إضافة إلى مخططات الوزير المتطرف ايتمار بن غفير لإنشاء سجن خاص بالعمال.
وتشير الإحصاءات الأخيرة لدى الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين إلى أن “عدد العاطلين عن العمل بلغ نحو 550 ألف عامل، منهم 250 ألفا كانوا يعملون داخل أراضي الـ48، مع ارتفاع غير مسبوق في نسب البطالة، وصلت إلى 85% في قطاع غزة و38% في الضفة الغربية، ما يعكس حجم الكارثة التي تضرب سوق العمل الفلسطيني وتقوّض مقومات الحياة الكريمة للعمال”.







