
100 يوم هزت العالم.. لماذا فشلت أمريكا في هزيمة إيران؟
إذا كان هناك رقم يمكن أن يفسر الحرب الإيرانية الحالية وتوابعها أفضل من أي خريطة ميدانية مسكونة بالكثير من المربعات والمثلثات، فهو لا شك الفارق بين سعر مسيرة إيرانية وصاروخ اعتراضي أمريكي، إذ تبلغ تكلفة صناعة المسيرة الهجومية الإيرانية “شاهد-136” نحو 35 ألف دولار، بينما تبلغ تكلفة صواريخ الاعتراض الأمريكية “باتريوت”، التي تستخدم غالبا لإسقاطها، نحو 4 ملايين دولار، هذه النسبة -التي تتجاوز مئة إلى واحد- تعد أحد المحركات الأساسية للحرب الحالية.
على مدى عقدين من الزمن، تدربت جيوش الولايات المتحدة وإسرائيل على نوع محدد من الحرب، تلك التي تتضمن صراعا قصيرا خاطفا، عبر ضربات دقيقة لاستهداف الدفاع الجوي للخصوم، ثم سيطرة جوية كاملة، يلي ذلك تدمير سريع وموسع لمراكز القيادة، أما إيران على الجانب الآخر، فقد أمضت العقدين نفسيهما في الاستعداد لخوض حرب معاكسة تماما، حرب طويلة، ومتعددة النقاط مثل شبكة ضخمة، ورخيصة التكلفة بالنسبة لها، ومكلفة للغاية بالنسبة للطرف الآخر.
عندما اصطدمت العقيدتان العسكريتان أخيرا في قتال مفتوح ومستمر، كانت النتيجة برهانا حيا على أن الكثير من القواعد التي اعتنقها الجميع أصبحت بالية، وبحاجة لإعادة النظر. ما نسميه الآن بشكل عام “الحرب الإيرانية” هو في الواقع سلسلة من الأحداث بدأت منذ أبريل/نيسان 2024، ثم مرة أخرى في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، ثم تصاعدت المواجهة إلى حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، والتي انتهت بغارات جوية أمريكية على المواقع النووية الإيرانية، ثم في 28 فبراير/شباط 2026 شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة أوسع نطاقا، وردت إيران بدورها بضربات غير مسبوقة في حدتها واتساعها.
وبعد 100 يوم من هذه الضربات، لم تنته تلك الحرب بعد، لكنها هزت العديد من المفاهيم العسكرية التي كان يُظن يوما أنها ثابتة وراسخة.
اقتصاديات المسيرات وقواعد الردع
على سبيل المثال، طوال معظم عصر الطائرات المسيرة القصير، كان ينظر إلى هذه الطائرات على أنها عنصر مساعد، كانت تراقب مسرح العمليات، وتستطلع، وربما تنطلق لتضرب هدفا واحدا ذا قيمة عالية، لكن في يد طهران، وقبلها الأوكرانيون والروس، أصبحت المسيرة الانتحارية الرخيصة أحادية الاتجاه سلاحا رئيسيا للاستنزاف.
أنتجت إيران مسيرة “شاهد-136” بكميات كبيرة، وهي الذخيرة بعيدة المدى نفسها التي زودت بها روسيا لحربها في أوكرانيا، وتعلمت إطلاقها في أسراب تصل بالتزامن مع وابل الصواريخ، ويكمن جوهر استخدام أسراب الطائرات المسيرة في الحسابات البسيطة التي تتضمن علامات مثل “زائد” و”ناقص”، تلك التي تعلمناها في المدارس صغارا، لا في الدقة، فحتى لو تمكن المدافعون من اعتراض معظمها، فإنهم يدفعون ثمنا باهظا للاعتراض يفوق بكثير ما دفعه المهاجم مقابل التهديد.
لا توجد حصيلة رسمية كاملة لكل صاروخ اعتراضي أُطلق ضد المسيرات الإيرانية، لكن تقديرات المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي (JINSA) لحرب الاثني عشر يوما، تشير إلى أن الدفاع عن إسرائيل ضد الصواريخ الباليستية استهلك تقريبا 21 صاروخا من طراز “آرو-2” و80 صاروخا من طراز “آرو-3″، و92 صاروخا من طراز ثاد، أي إننا نتحدث عن نحو 193 صاروخا اعتراضيا عالي الكلفة للدفاع عن إسرائيل وحدها خلال حرب أقصر بكثير من الحرب الحالية.
وماليا، قدر المعهد تكلفة الاعتراضات الأمريكية والإسرائيلية مجتمعة بنحو 1.48 إلى 1.58 مليار دولار، منها تقريبا 202 إلى 303 مليون دولار لاستهلاك إسرائيل من صواريخ “آرو”، ونحو 1.279 مليار دولار لاعتراضات أمريكية، معظمها من صواريخ “ثاد”.
ويصف محللون غربيون ذلك بأنه تحول جذري في اقتصاديات الحرب، وخلصت دراسة من مركز تحليل السياسة الأوروبية (CEPA) إلى أن انتشار الأنظمة المستقلة منخفضة التكلفة والقابلة للتوسع قد غير بشكل جذري اقتصاديات الحرب، حتى بالنسبة لأقوى الجيوش في العالم، لأن إطلاق مسيرات رخيصة الثمن على نطاق واسع يجبر على الرد بطائرات وصواريخ اعتراضية باهظة الثمن، وهو تبادل لا يمكن تحمله على المدى الطويل.
إلا أن ما سبق لم يكن إلا جزءا واحدا من الإستراتيجية الإيرانية، أما الجزء المكمل فيتعلق بالصواريخ الباليستية. لسنوات، عوملت هذه الصواريخ كأدوات للردع العسكري فقط، أكثر منها قطع عسكرية لحرب فعلية، بسبب ضعف دقتها، لكن الحرب الإيرانية أنهت هذا الاعتقاد، فبينما اقتصرت الأزمات السابقة على عمليات إطلاق رمزية، أطلقت إيران أكثر من 500 صاروخ باليستي على إسرائيل خلال حرب الأيام الاثني عشر، وفي عام 2026، شنت قصفا متواصلا أكثر غزارة كان بمثابة مكافئ للمدفعية المكثفة، المستخدمة لإغراق منطقة ما وإضعاف دفاعاتها.
خلصت تقييمات مستقلة إلى أن الصورة النمطية القديمة عن عدم دقة الصواريخ الإيرانية لم تعد صحيحة، فخلال الفترة من 2024 إلى 2026، تغيرت الصورة جذريا مع تحسن التوجيه، وبدأت بعض الرؤوس الحربية تصيب أهدافها بفعالية مدمرة حتى ضد أقوى الدفاعات الجوية على الإطلاق.
هذا التحول يذكرنا بالمنطق الذي شكل الفكر الإيراني منذ ثمانينيات القرن الماضي. فقد رسخت صدمة “حرب المدن” العراقية الإيرانية، حين أمطرت الصواريخ العراقية المراكز الحضرية الإيرانية، مكانة الصواريخ الباليستية كركيزة أساسية في العقيدة الإيرانية وكوسيلة لدولة ذات قوة جوية ضعيفة للوصول إلى عمق أراضي الخصوم دون الحاجة إلى طائرات، لكن ما تغير هو أن الصواريخ أصبحت متطورة وكثيفة بما يكفي لتستخدم كسلاح دقيق في الحملة العسكرية لا مجرد ردع.
وإلى جانب المسيرات والصواريخ الباليستية، تستخدم إيران الصواريخ الفرط صوتية، وصواريخ كروز، لتحقيق عدة أهداف، الأول هو إغراق الدفاعات الجوية بأكبر عدد ممكن من المقذوفات، والثاني هو تشتيت الدفاعات الجوية بحسب طبيعة القطعة المهاجمة، حيث تتطلب المسيرات من أدوات الدفاع الجوي أسلوبا يختلف عن الصواريخ الباليستية، يختلف بدوره عن الصواريخ الفرط صوتية.
يتفق ذلك مع ما جاء في مقال نُشر عام 1994 -وهو وقت جرت فيه الكثير من التطورات في ترسانة إيران العسكرية-، لأستاذ الفيزياء النووية بيتر زيمرمان، أكد خلاله أن دولا مثل إيران لا تحتاج إلى “ميدالية ذهبية” من ناحية التكنولوجيا العسكرية لتكون فعالة وجاهزة للمواجهة، ولكن في كثير من الأحيان، تكون “الميدالية البرونزية” أكثر من كافية. ما يقصده زيمرمان هو أنه يمكن تكييف التقنية العسكرية بشكل يجعل الأسلحة الأقل دقة أكثر فاعلية.
حرب الدفاع الجوي
منذ بداية الحرب الماضية (منتصف 2025)، كان واضحا أن إيران لم تكن عارية تماما من الدفاعات الجوية، فقد ذكرت رويترز أن الدفاعات الجوية في طهران فُعلت لاعتراض ضربات إسرائيلية جديدة بعد يوم من بدء الهجوم، وفي الحرب الحالية، تحدثت طهران عن إسقاط وإصابة طائرات أمريكية، وأكدت الولايات المتحدة بعض هذه الإصابات بالفعل.
لذلك يصعب وصف الأداء الإيراني بأنه انهيار كامل كما حاولت الرواية الأمريكية الإسرائيلية الترويج في بداية الحرب، لكنه أيضا لا يصل إلى مرحلة النجاح الدفاعي بالمعنى الإستراتيجي، فالاختبار الحقيقي للدفاع الجوي ليس أن يطلق النار، بل أن يمنع الخصم من تحويل السماء إلى طريق مفتوح نحو مراكز القرار والبنية التحتية الحساسة، إسرائيل وأمريكا تمكنتا بالفعل من السيطرة على السماء الإيرانية، خاصة وأن القوات الجوية الإيرانية تعاني ضعفا بالغا، لكن ذلك لم يمر من دون خسائر.
تمثلت الضربة الأكثر إيلاما لإيران في أن إسرائيل هاجمت عشرات الرادارات ومنصات صواريخ أرض-جو، لكن طهران في المقابل وزعت منصات إطلاق الصواريخ على مساحة واسعة، ما صعب مهمات القوات الجوية الإسرائيلية، وأبقى الصواريخ الإيرانية فعالة حتى آخر لحظة، ولو بمعدلات أقل، لكن الدقة -سالفة الذكر- عوضت بعضا من المشكلة.
وكانت إيران قد بنت دفاعها الجوي عبر خليط من أنظمة روسية مثل “إس- 200” و”إس-300″، وأنظمة محلية مثل “باور-373″ و”خرداد” و”رعد” و”صياد”. لكن يبدو أنها ركزت بشكل أكبر على المشروع الصاروخي كأداة ردع قوية، فيما بقيت قدرات الدفاعات الجوية أقل من المطلوب لمواجهة التهديدات الشبحية، بالطبع جزء من السبب في ذلك يتعلق بالقيود والعقوبات الغربية.
لكن بشكل عام، أظهرت هذه الحرب أن الدفاع الجوي أساس لا غنى عنه لأي قوة عسكرية حاليا، وفي أي معركة، لأنه حتى في سياق أنظمة دفاع جوي إسرائيلية متقدمة، فإن الضربات الإيرانية المنسقة نجحت بشكل لافت، ويعد ما حصل في إيران، امتدادا لمشكلة الدفاع الجوي التي ظهرت في أوكرانيا، وتأثير الهجمات الحوثية في البحر الأحمر، فكلها أظهرت أن الطلب على الدفاع الجوي والصاروخي صار أكبر من قدرة المصانع والمخازن على التعويض.
وقد نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية في يونيو/حزيران الحالي تقريرا عن نقص عالمي في صواريخ باتريوت الاعتراضية، مشيرة إلى أن تزامن الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط خلق “نافذة ضعف” للدول المعتمدة على هذه الأنظمة، وأن معدل إنتاج بعض الصواريخ الاعتراضية لا يواكب الاستهلاك في الحروب الطويلة.
لذلك، لم تعد المشكلة خاصة بإيران وحدها، فالكثير من الدول اليوم تواجه طيفا واسعا من التهديدات، من مسيرات رخيصة، إلى ذخائر جوالة، إلى صواريخ كروز، إلى صواريخ باليستية، إلى طائرات شبحية، إلى حرب إلكترونية متطورة، إلى هجمات سيبرانية، وهذه التهديدات لا تنهزم كلها بمنظومة واحدة غالية الثمن. لذا، يتجه العالم حاليا إلى منظومات دفاع جوي عبارة عن شبكات متواصلة، مع دفاع متعدد الطبقات يبدأ من الإنذار المبكر والرصد السلبي، مرورا بالحرب الإلكترونية والتشويش والخداع، ثم المدافع والليزر والمسيرات الاعتراضية والأنظمة القصيرة، وصولا إلى صواريخ متوسطة وبعيدة المدى ضد الطائرات والصواريخ الباليستية.
وسيكون على أي دولة أخرى تواجه هذه الأخطار الجديدة، إن أرادت سد الثغرة، أن تفكر في الدفاع الجوي بوصفه منظومة دولة كاملة لا منظومة جيش فقط، من حماية الرادارات، وتعدد مراكز القيادة، وتوزيع البطاريات، وتمويه المنصات، وبناء طبقات قصيرة المدى ضد المسيرات والذخائر الجوالة، وإنتاج ذخائر اعتراضية رخيصة بكميات كبيرة، وتقوية الحرب الإلكترونية، وتحسين القدرة على إعادة تشغيل الشبكة بعد الضربة الأولى.
حرب المخزونات
في النهاية، تقول حرب إيران الأخيرة إن الدفاع الجوي بات شرطا لوجود القوة العسكرية نفسها لا مجرد سلاح مساعد، كما أن “مجرد وجوده” لم يعد كافيا، حيث تظهر مشكلة أخرى هي أنه “مورد استهلاكي” يتطلب إمدادا مستمرا بالذخائر، ومن ثم يتغير السؤال العسكري الحاسم من الحديث عن السلاح الأقوى فقط، إلى التركيز على المخزون الأكبر من المقذوفات والصواريخ الاعتراضية.
تظهر “حرب المخازن” تلك في كل شيء، فقد بنت إيران إستراتيجيتها حول سعة مخازن الذخيرة، بحيث يمكن ضمان وجود كمية كافية من الصواريخ لإغراق الدفاعات الإسرائيلية، لفترة طويلة من الزمن، ولو تأملت قليلا لوجدت أن المحاولات الحالية للوصول إلى اتفاق نهائي كانت في جانب منها بسبب أن إسرائيل لم تتمكن بالكامل من تحييد عمق المخازن الإيرانية، فقد استمرت في الإطلاق لآخر لحظة، لكن بالطبع مع تراجع ملحوظ.
الواقع أن قوات الدفاع الجوي تحديدا تواجه أزمة إعادة تزويد خاصة بها، حيث من المقرر أن تتسلم الولايات المتحدة 172 صاروخا من صواريخ باتريوت فقط في السنة المالية 2026، بينما أطلقت أكثر من 1000 صاروخ في الحرب مع إيران، وتشير التوقعات إلى أن بعض مخزونات هذه الصواريخ لن يُعاد بناؤها حتى عام 2029 تقريبا.
حاول البنتاغون الضغط على المقاولين لزيادة الإنتاج بشكل كبير، فرفع الإنتاج السنوي المخطط له لمنظومة ثاد من 96 إلى 400 صاروخ اعتراضي، ومنظومة باتريوت باك-3 من 600 إلى 2000 صاروخ، بعد إدراك أن الحرب القادمة، ربما لن تكون قصيرة وحاسمة كما ظن جنرالات الحرب في أمريكا دائما بل طويلة ومريرة، كما أثبتت حرب إيران.
لقد تسببت الحرب في انهيار الاعتقاد بإمكانية كسب الحرب الحديثة بسرعة عبر “ضربة قاضية” تدمر هياكل الخصم وشبكاته القيادية في الساعات الأولى. في هذا السياق، فإن القوى التي ستواجه الولايات المتحدة مستقبلا لربما تتعلم من “الدفاع الفسيفسائي اللامركزي”، وهي إستراتيجية طورها قادة التخطيط الإيرانيون بعد مشاهدة الولايات المتحدة وهي تطيح بالجيوش المركزية في أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003، حيث أدى تدمير القيادة الهرمية إلى انهيار سريع للدولة.
في هذا السياق، كان رد إيران هو رفض وجود نظام مركزي واحد يمكن تدميره، فأعادت تنظيم قواتها في 31 قيادة إقليمية مستقلة، كل منها بمثابة جيش مصغر يمتلك مخزوناته الخاصة من الأسلحة والاستخبارات والإمدادات، ومخول بالتخطيط والقتال دون الرجوع للقيادة، بل وكان هناك بروتوكول رسمي للخلافة في حال أي مقتل قائد، حيث يتولى خليفته المعين القيادة تلقائيا، مع وجود قائمة أوامر جاهزة.
اختبرت حرب 2026 هذا التصميم تحت أقصى الضغوط، فعندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب باغتيال كبار القادة الإيرانيين، كان الرهان على انهيار النظام، لكن كما لاحظ المحللون، أمضت طهران عقدين من الزمن في بناء إطار عمل لمواجهة هذا السيناريو تحديدا، فانتشرت القيادة عبر مستويات متعددة، وتم وضع خطط احتياطية لتعيين الخلفاء، واستمرت القوات الصاروخية الإيرانية في إطلاق النار.
كانت العواقب الإستراتيجية وخيمة، حيث تحول الصراع، من ضربات افتتاحية حاسمة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، ما مكن إيران من المناورة سياسيا بقوة، خاصة وأنها أعادت إلى العالم العسكري مفهوما قديما هو حصار المضائق، والذي أثبت أنه أكثر فاعلية من أي وقت مضى في ظل اقتصاد معولم، حيث كانت الأداة هي مضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية.
الحصار يعود إلى قلب الحرب
في 4 مارس/آذار 2026، أعلنت القوات الإيرانية إغلاق مضيق هرمز، ودعمت هذا الإعلان بشن هجمات على السفن التي تحاول العبور وتهديدات بزرع ألغام بحرية، لكن ما جعل هذه الخطوة فعالة للغاية، كما لاحظ مركز ستيمسون المختص بقضايا الأمن الدولي والسياسات الدفاعية، هو أن إيران لم تكن بحاجة إلى إغلاق الممر المائي فعليا، بل كان يكفيها جعله غير صالح للاستخدام التجاري، وأمام مخاطر الطائرات المسيّرة والصواريخ، والتشويش الإلكتروني، والازدحام، وارتفاع تكاليف التأمين، توقف العديد من مالكي السفن عن الإبحار، دون أن تغلق طهران المضيق بشكل فعلي.
هذا التحول مهم لأنه يغير تعريف الحصار البحري، فالحصار الكلاسيكي كان يتطلب سفنا حربية تمنع الدخول والخروج، أما الحصار الحديث فيمكن أن يكون مزيجا من التهديد، والتشويش، والطائرات المسيرة، والصواريخ الساحلية، والألغام المحتملة، وارتفاع التأمين، وتعطيل نظام الملاحة، ومن ثم يتسبب كل ذلك في “غياب اليقين”، فيتحول المضيق إلى ساحة حرب حتى من دون معركة بحرية حاسمة.
كانت الصدمة الاقتصادية فورية وعالمية، حيث ارتفع سعر خام برنت بنحو 10% بعد الضربات الأولية، وتجاوز في نهاية المطاف 120 دولارا للبرميل، حيث ساهم إغلاق مضيق هرمز في حدوث ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط.
وقد انخفض الإنتاج النفطي من دول المنطقة بنحو 10 ملايين برميل يوميا في غضون أسابيع، وأُعلنت حالة القوة القاهرة على الصادرات، وحذرت نماذج الاحتياطي الفيدرالي من أن إغلاقا مطولا يمكن أن يؤدي إلى انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو ثلاث نقاط مئوية. وتوقع خبراء اقتصاديون في بلومبيرغ أنه إذا ارتفعت الأسعار إلى 170 دولارا، فستكون النتيجة صدمة ركود تضخمي قادرة على إعادة تشكيل سياسات البنوك المركزية ونتائج الانتخابات حول العالم.
هنا ظهرت الفكرة جلية، فقوة إقليمية واحدة، تهدد ممرا مائيا واحدا، تمكنت من التأثير على جيوب المستهلكين وحسابات الحكومات في جميع القارات، محولة الترابط الاقتصادي نفسه إلى سلاح، ومن ثم فإن الدرس الأعمق لم يكن متعلقا بمضيق هرمز وحده، بل بفكرة المضايق ذاتها، والتي تعني، في الفهم العسكري، مساحة ضغط مركزة، مكان تضطر فيه السفن إلى المرور عبر مسارات محدودة، وتصبح فيه الحركة قابلة للرصد والتهديد والتعطيل.
كانت هذه الفكرة حاضرة في التاريخ القديم، من الدردنيل والبوسفور إلى جبل طارق وقناة السويس وباب المندب، لكنها اكتسبت في الحروب الحديثة معنى أكثر خطورة، لأن السفينة التي كانت تحمل بضائع محلية أو إقليمية صارت اليوم جزءا من سلسلة توريد عالمية، ولأن تأخر شحنة واحدة قد يعطل تجارة كاملة، ويرفع أسعار الوقود والغذاء في دول لا علاقة مباشرة لها بساحة الحرب.
من هنا تأتي أهمية النظر إلى مضيق تايوان بوصفه النسخة الأكثر خطورة من معادلة هرمز، لأنه يقع عند نقطة التقاء الاقتصاد الرقمي العالمي بالقوة العسكرية الصينية والأمن الأمريكي والياباني. في حالة تايوان، يبدو الحصار أكثر تعقيدا من نموذج هرمز، فالصين قد لا تحتاج، نظريا، إلى غزو الجزيرة مباشرة كي تخنقها.
بدلا من ذلك، يمكنها أن تستخدم تدريبات عسكرية واسعة حولها، ومناطق حظر مؤقتة، وتفتيشا بحريا باسم إنفاذ القانون، وسفن خفر سواحل، وميليشيات بحرية مدنية، وصواريخ مضادة للسفن، وطائرات ومسيّرات، وحربا إلكترونية، لإرباك حركة السفن والطائرات من دون إنجرار واضح وفوري إلى حرب شاملة، هذه هي خطورة “المنطقة الرمادية” حيث يتحول الحصار إلى عملية تدريجية قابلة للإنكار، تبدأ كتدريب أو تفتيش أو أزمة ملاحية، ثم تخلق واقعا اقتصاديا خانقا.
وقد ظهرت ملامح هذا السيناريو في المناورات الصينية حول تايوان خلال الأعوام الأخيرة، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، قالت رويترز إن تدريبات صينية تضمنت محاكاة إغلاق موانئ ومناطق رئيسية حول تايوان، فيما تحدثت تقارير لاحقة عن استعدادات تايوانية لخطط غذائية في زمن الحرب تحسبا لحصار صيني، وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، نشرت “الغارديان” تقريرا عن مناورات صينية بالذخيرة الحية حول تايوان حاكت حصار موانئ كبرى، مع مشاركة البحرية وسلاح الجو والقوة الصاروخية وخفر السواحل.
هنا ربما يلتقي درس هرمز مع درس تايوان، ليتعلم الجنرالات العسكريون حول العالم، مرة أخرى، أن العولمة فعلت كل شيء، لكنها لم تلغِ الجغرافيا، بل جعلتها أكثر حساسية.
المدن ساحة للحرب
ولعل أبرز موجات التغيير، التي تسببت بها الحرب الإيرانية، هو انهيار أقدم منطق مكاني للحرب، وهو التمييز بين الجبهة، حيث يقاتل الجنود، وخط المؤخرة، حيث يعيش المجتمع ويدعم المجهود الحربي. يمكن أن نرى ذلك بوضوح في قوائم الأهداف ففي جميع أنحاء ساحة القتال، استهدف المتحاربون محطات توليد الطاقة، ومصافي النفط، وحقول الغاز، والموانئ، والمطارات، والمستشفيات، ومراكز الاتصالات، والمساكن المدنية.
حتى عمليات الاغتيال نفسها، والتي أقدمت عليها إسرائيل وأمريكا في بداية الحرب، وتداوم عليها إسرائيل من فترة ليست بقصيرة، تخرج عن نطاق الحرب “الحديثة” بمفاهيمها التقليدية، فالعالِم، أو المهندس أو خبير الذكاء الاصطناعي أو مصمم الرادارات لم يعد بالضرورة بعيدا عن ميدان القتال، حتى لو كان يعمل في جامعة أو مختبر أو شركة مدنية. ومع توسع الاعتماد على العلوم المتقدمة في إنتاج الصواريخ، والدفاعات الجوية، والمسيرات، والخوارزميات، وأنظمة التشويش، يصبح العقل البشري نفسه جزءا من البنية العسكرية.
ولا تقف المسألة عند حدود الاغتيال، فكل بنية مدنية ذات وظيفة مزدوجة أصبحت مرشحة لأن تتحول إلى هدف أو أداة ضغط. شبكة الكهرباء، مثلا، ليست مجرد أنوار للبيوت، بل هي ما يشغل المستشفيات، ومحطات المياه، والاتصالات، والمصانع، وأنظمة الدفاع المدني، والثلاجات التي تحفظ الغذاء والدواء.
لقد كشفت الحرب أن المدن نفسها لم تعد خارج الحساب العسكري، فالمدينة الحديثة كائن هش، يعيش على تدفق دائم، سواء تدفق الكهرباء من الشبكة، أو الماء من المحطات، أو الغذاء من الشاحنات، أو الاتصالات من أبراج وشبكات رقمية، لا تمتلك المدن الكبرى مخزونا طويلا من القدرة على البقاء إذا انقطعت هذه التدفقات، وحين تصبح البنية المدنية جزءا من بنك الأهداف، يتحول المدنيون إلى مركز الضغط نفسه.
لهذا السبب، ربما تكون إحدى النتائج الكبرى للحرب الإيرانية هي صعود مفهوم “الدفاع المدني الإستراتيجي”، حيث لم يعد الدفاع عن الدولة يعني شراء مقاتلات ودبابات وصواريخ فقط، بل حماية شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والمستشفيات والموانئ، وبناء بدائل احتياطية قادرة على العمل بعد الضربة الأولى. في هذا السياق ستحتاج الدول إلى شبكات كهرباء لا مركزية، ومحطات مياه احتياطية، ومخزون وقود وغذاء ودواء وافر، وملاجئ حقيقية، وخطط إخلاء، وقدرات إصلاح سريعة، واتصالات بديلة لا تنهار عند قطع الإنترنت أو ضرب الأبراج.
المصدر: الجزيرة







