
خبراء إسرائيليون: الاتفاق قد يمنح إيران شهرين للوصول إلى السلاح النووي
تتصاعد في إسرائيل تحذيرات صادرة عن خبراء ومسؤولين سابقين وحاليين معنيين بمتابعة البرنامج النووي الإيراني، في أعقاب الإعلان عن اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف من أن تتحول مهلة الستين يوما المخصصة للمفاوضات إلى فرصة تتيح لطهران تعزيز برنامجها النووي بدلا من تقييده.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، اليوم الثلاثاء، فإن القلق لا يتركز داخل الأوساط السياسية فحسب، بل يمتد إلى دوائر علمية واستخبارية وأمنية متخصصة أمضى أفرادها سنوات طويلة في متابعة المشروع النووي الإيراني وتطوراته التقنية والعملياتية.
وأفاد التقرير بأن عددا من هؤلاء الخبراء ينظرون بقلق بالغ إلى التفاهمات المعلنة، معتبرين أن النقاش الدائر حول وقف إطلاق النار أو استئناف المفاوضات يتجاهل، في نظرهم، القضية الأساسية المتمثلة في مصير مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب.
“أين اليورانيوم المخصب؟”
وبحسب التقرير، فإن السؤال المركزي الذي يشغل الخبراء الإسرائيليين حاليا لا يتعلق بمستقبل المفاوضات أو شكل الاتفاق النهائي، وإنما بمكان وجود المواد المخصبة والرقابة المفروضة عليها خلال الفترة المقبلة.
ويشير التقرير إلى أن تقديرات غربية وإسرائيلية تفيد بأن إيران تمتلك حاليا مخزونا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وآخر بنسبة 20%، إضافة إلى كميات أخرى منخفضة التخصيب.
وبحسب هذه التقديرات، فإن الكميات الموجودة حاليا قد تكون كافية، بعد استكمال عمليات تخصيب إضافية، لإنتاج مواد انشطارية تكفي لعدد من القنابل النووية.
ويرى الخبراء الذين تحدثوا للصحيفة أن التركيز على منشآت التخصيب وحدها لا يكفي، لأن المادة المخصبة نفسها تمثل العنصر الأكثر حسما في أي مسار محتمل نحو إنتاج سلاح نووي.
ويشير التقرير إلى أن الانتقال من نسبة تخصيب تبلغ 60% إلى مستويات أعلى لا يمثل، من الناحية التقنية، الجزء الأصعب من العملية، الأمر الذي يجعل امتلاك هذا المخزون مصدر القلق الأكبر داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
مخاوف من استغلال مهلة التفاوض
ويحذر خبراء تحدثوا للصحيفة من أن فترة الستين يوما المقررة للمفاوضات قد تمنح إيران وقتا إضافيا لإعادة ترتيب قدراتها النووية أو نقل مواد ومعدات إلى مواقع سرية يصعب الوصول إليها أو مراقبتها.
وبحسب التقرير، فإن القلق يزداد في ظل غياب ترتيبات معلنة بشأن الرقابة الفورية على مخزون اليورانيوم المخصب، أو بشأن آليات التحقق التي سترافق المفاوضات.
ويرى بعض الخبراء أن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس الاتفاق بحد ذاته، وإنما ما قد يجري خلال فترة التفاوض إذا لم تُفرض رقابة مشددة وفعالة على المواد والقدرات النووية الإيرانية.
انتقادات لأولويات الحرب
وأشار التقرير إلى انتقادات حادة لطريقة إدارة الحرب والأهداف التي رُكز عليها خلالها.
ونقل عن نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق والمسؤول سابقا عن متابعة الملف النووي الإيراني، رافي ميرون، قوله إن الأولوية كان ينبغي أن تُمنح منذ البداية لمعالجة مخزون اليورانيوم المخصب، وليس الاكتفاء باستهداف منشآت أو شخصيات مرتبطة بالمشروع النووي.
وبحسب ميرون، فإن الضربة التي وُجهت للمنشآت النووية لا تلغي الخطر إذا بقيت المواد المخصبة نفسها تحت السيطرة الإيرانية. ويشير التقرير إلى أن بعض الخبراء يقارنون ذلك باستهداف منشأة إنتاج بعد خروج المنتج منها بالفعل، معتبرين أن القيمة الإستراتيجية للعمليات العسكرية تتراجع إذا لم تشمل العنصر الذي يمثل جوهر التهديد.
تحذيرات من ضعف الرقابة الدولية
وأشار التقرير إلى أن جزءا من المخاوف الإسرائيلية يرتبط بتراجع مستوى الرقابة الدولية على بعض جوانب البرنامج النووي الإيراني خلال السنوات الأخيرة. وقال إن توقف أجزاء من منظومة المراقبة والمتابعة منذ عام 2021 يجعل من الصعب تحديد حجم المعدات والقدرات التي قد تكون إيران احتفظت بها خارج نطاق الرقابة.
كما أشار التقرير إلى تصريحات سابقة للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، قال فيها إن إيران ما تزال تمتلك المعرفة التقنية والقدرات اللازمة لإعادة بناء أجزاء من برنامجها النووي. ويرى الخبراء أن المعرفة والخبرة المتراكمة داخل إيران تمثل بحد ذاتها عاملا لا يمكن تدميره بالعمليات العسكرية.
سيناريو المواقع السرية
ويشير التقرير إلى مخاوف من احتمال نقل مواد أو معدات إلى مواقع سرية خلال فترة المفاوضات. وبحسب التقرير، فإن الحديث يدور عن إمكانية توزيع القدرات النووية على منشآت أصغر وأكثر صعوبة في الرصد والاستهداف مقارنة بالمنشآت الكبرى المعروفة.
كما أشار إلى تقارير تحدثت عن أعمال إيرانية لإغلاق أو عزل بعض المواقع المرتبطة بتخزين المواد المخصبة، وهي معطيات يرى خبراء أنها قد تعقد مستقبلا أي محاولة للتحقق من مصير هذه المواد أو إخراجها من إيران.
“نموذج كوريا الشمالية”
ويرى بعض الخبراء الإسرائيليين، بحسب التقرير، أن السيناريو الأكثر إثارة للقلق يتمثل في تكرار تجربة شبيهة بالنموذج الكوري الشمالي.
ويحذر هؤلاء من أن تؤدي المفاوضات الطويلة والتفاهمات المرحلية إلى منح إيران الوقت اللازم لتعزيز قدراتها تدريجيا مع الاحتفاظ بخيار التحول إلى دولة نووية في المستقبل.
ويعتبر هؤلاء أن الضربات التي تعرضت لها إيران قد تدفع بعض دوائر صنع القرار فيها إلى تعزيز القناعة بأن امتلاك سلاح نووي يمثل ضمانة لبقاء النظام وردع خصومه.
انتقادات لنتنياهو
كما يتضمن التقرير انتقادات مباشرة لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي بنى جزءا كبيرا من خطابه السياسي خلال العقود الماضية على التحذير من البرنامج النووي الإيراني.
ويشير التقرير إلى أن نتنياهو كان من أبرز من حذروا في السابق من خطورة الوصول إلى مرحلة يصبح فيها منع إيران من امتلاك السلاح النووي أمرا أكثر صعوبة.
لكن الخبراء الذين تحدثوا للصحيفة اعتبروا أن الخطاب الرسمي الإسرائيلي الحالي، الذي يركز على نجاح الحرب وتحقيق أهدافها، لا ينسجم بالكامل مع المعطيات المتعلقة بمصير اليورانيوم المخصب ومستوى الرقابة على البرنامج النووي الإيراني.
سؤال واحد يطغى على كل شيء
ويخلص التقرير إلى أن الجدل الدائر داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا يتمحور حاليا حول الصياغات السياسية للاتفاق أو العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، بل حول سؤال واحد يتكرر باستمرار بين الخبراء: أين يوجد اليورانيوم المخصب، وما هي الضمانات التي تمنع استخدامه خلال فترة التفاوض؟
وبحسب التقرير، فإن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت مهلة الستين يوما ستقود إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني، أم أنها ستتحول إلى نافذة تمنح طهران فرصة إضافية للاقتراب من السلاح النووي.







