من المدرسة يبدأ التسامح… ومن التسامح يبدأ التغيير
بقلم: د. صالح طلوزي
ليس التسامح كلمةً جميلة نرددها في المناسبات، ولا قيمةً أخلاقية تُكتب على جدران المدارس ثم تُنسى في تفاصيل الحياة اليومية؛ بل هو ثقافة وسلوك وممارسة تبدأ من الطريقة التي نتعامل بها مع الإنسان المختلف عنا في الرأي أو الثقافة أو القدرة أو الخلفية الاجتماعية. ومن هنا، فإن المدرسة تُعدّ من أهم البيئات التي يمكن أن يتشكل فيها وعي الإنسان بالآخر، وأن يتعلم فيها كيف يختلف دون أن يخاصم، وكيف يحاور دون أن يسيء، وكيف ينتصر للحق دون أن يتحول إلى أداة للكراهية.
من المدرسة يبدأ التسامح… ومن التسامح يبدأ التغيير.
فالتسامح من أرقى القيم الإنسانية التي تسهم في بناء علاقات قائمة على الاحترام والمودة والتعايش، وهو لا يعني التنازل عن الحقوق أو قبول الظلم، وإنما يعني القدرة على تجاوز الإساءة، وضبط الانفعال، واحترام الإنسان رغم الاختلاف معه. ولذلك فإن المجتمع الذي يربي أبناءه على التسامح هو مجتمع أكثر قدرة على مواجهة الخلافات بالحوار، وأكثر استعداداً لبناء علاقات اجتماعية متماسكة ومستقرة.
المدرسة… مجتمع مصغر
لم تعد المدرسة في الفكر التربوي الحديث مجرد مؤسسة لنقل المعرفة وتلقين المعلومات، بل أصبحت مجتمعاً مصغراً يتعلم فيه الطالب كيف يعيش مع الآخرين، وكيف يمارس الحوار والتعاون والمسؤولية، وكيف يتعامل مع الاختلاف والنزاع.
ومن منظور علم الاجتماع التربوي، فإن المدرسة تؤدي دوراً أساسياً في عملية التنشئة الاجتماعية؛ فهي لا تنقل المعارف فقط، وإنما تسهم في تشكيل منظومة القيم والاتجاهات والسلوكيات التي يحملها الطالب معه إلى المجتمع. ولهذا فإن تعليم التسامح لا يتحقق بمجرد تعريف الطالب بمفهومه، وإنما من خلال توفير بيئة مدرسية تجعله يمارس هذه القيمة بصورة يومية.
وهنا تبرز أهمية التكامل بين الأسرة والمدرسة وجماعة الأقران والمجتمع؛ لأن شخصية الطفل لا تتشكل داخل الصف وحده، وإنما من خلال شبكة متكاملة من العلاقات والخبرات الاجتماعية.
التسامح بين الفكر الاجتماعي والتربية
نظر عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم إلى التربية باعتبارها عملية اجتماعية تسهم في إعداد الفرد للحياة داخل المجتمع، من خلال إكسابه القيم والقواعد التي تساعد على تحقيق التضامن والتماسك الاجتماعي. ومن هذا المنظور، فإن احترام الآخر وقبول الاختلاف ليسا سلوكاً هامشياً، بل جزء من عملية بناء المجتمع والحفاظ على توازنه.
أما الفيلسوف والمربي جون ديوي فقد ربط التربية بالديمقراطية، ورأى أن المدرسة ينبغي أن تكون مجتمعاً مصغراً يتعلم فيه الطالب المشاركة والحوار والتعاون. فالقيم الديمقراطية لا تُكتسب من الكتب وحدها، وإنما من الممارسة اليومية. ولا يمكن أن نطالب الطالب باحترام الرأي الآخر إذا لم نمنحه فرصة حقيقية للتعبير عن رأيه والاستماع إلى وجهة نظره.
ويقدم المفكر التربوي باولو فريري بعداً نقدياً مهماً، حين يؤكد أهمية الحوار في العملية التعليمية، ويرفض التعليم القائم على التلقين والعلاقة السلطوية التي تجعل المعلم المصدر الوحيد للحقيقة. ومن هنا، فإن التربية على التسامح تتطلب الانتقال من ثقافة “أنا أملك الحقيقة” إلى ثقافة “نبحث عن الحقيقة معاً”.
المنهج الخفي… حين تتحدث المدرسة بسلوكها
من أهم المفاهيم في علم الاجتماع التربوي مفهوم المنهج الخفي، وهو يشير إلى مجموعة القيم والرسائل التي يتعلمها الطالب من خلال الممارسات اليومية داخل المدرسة، حتى وإن لم تكن مكتوبة في المنهاج الدراسي.
فإذا كان الكتاب المدرسي يقول للطالب: “احترم الآخر”، بينما يشاهد الطالب معلماً يسخر من إجابة زميله، فإن السلوك الذي يراه أمامه قد يكون أكثر تأثيراً من النص الذي يقرأه.
وإذا تحدثت المدرسة عن الديمقراطية، لكنها لا تسمح للطالب بالتعبير عن رأيه، فإن الرسالة غير المعلنة تصبح أن الطاعة أهم من الحوار.
لذلك فإن التسامح الحقيقي يبدأ من الممارسة اليومية: من طريقة تعامل المعلم مع خطأ الطالب، ومن عدالة توزيع فرص المشاركة، ومن أساليب معالجة السلوكيات غير المقبولة، ومن طريقة إدارة الخلافات، ومن احترام الطالب وكرامته داخل المدرسة.
فالمدرسة لا تعلّم أبناءنا من خلال ما تقوله فقط، بل من خلال ما تفعله أمامهم كل يوم.
الأسرة والمدرسة وجماعة الأقران… مسؤولية مشتركة
لا تستطيع المدرسة وحدها أن تبني شخصية متسامحة إذا كانت الرسائل التي يتلقاها الطفل في محيطه الاجتماعي تتناقض مع ما يتعلمه في المدرسة.
فالأسرة هي البداية. فالطفل يتعلم من خلال ملاحظة سلوك والديه؛ فإذا رأى الحوار والاحترام والقدرة على الاعتذار وقبول الاختلاف، أصبحت هذه السلوكيات جزءاً من شخصيته.
أما المدرسة فهي المجال الذي ينتقل فيه الطفل من عالم الأسرة المحدود إلى عالم اجتماعي أكثر تنوعاً، فيتعلم من خلاله أن الناس ليسوا متشابهين، وأن الاختلاف أمر طبيعي، وأن الخلاف يمكن أن يُدار بالحوار لا بالعنف.
وتأتي جماعة الأقران لتوفر للطالب فرصة حقيقية لممارسة التسامح. فمن خلال الصداقة واللعب والعمل الجماعي يتعلم التعاون والتفاوض والاعتذار وفهم مشاعر الآخرين. لكن هذه الجماعة قد تتحول، في المقابل، إلى مصدر للتنمر والإقصاء، وهنا تبرز مسؤولية المدرسة في تحويل العلاقات بين الطلبة إلى مساحة للتعاون والاحترام لا للتمييز والإيذاء.
المعلم… من سلطة إلى قدوة
يبقى المعلم أحد أهم المفاتيح لتحويل التسامح من شعار إلى ممارسة.
فالطالب لا يتعلم من كلام معلمه فقط، وإنما يتعلم من طريقة تعامله معه. والمعلم المتسامح لا يخشى سؤال الطالب، ولا يعتبر الاختلاف معه تهديداً لمكانته، بل يحول الاختلاف إلى فرصة للتعلم.
فإذا قال طالب: “أعتقد أن هذه المعلومة غير دقيقة”، فإن المعلم يستطيع أن يحول الموقف إلى تجربة تعليمية بالقول: “ملاحظة مهمة، دعنا نتحقق من المصدر معاً.”
في مثل هذه اللحظة، يتعلم الطالب درساً يتجاوز المعلومة نفسها؛ يتعلم أن الاعتراف بعدم المعرفة ليس ضعفاً، وأن البحث عن الحقيقة مسؤولية مشتركة، وأن احترام السؤال لا يقل أهمية عن معرفة الإجابة.
والهيبة الحقيقية للمعلم لا تُبنى على الخوف، وإنما على المصداقية والعدل والكفاءة والتواضع واحترام الإنسان.
كما ينبغي أن يتعلم الطالب الفرق بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها. فإذا اختلف طالب مع زميله، يمكن للمعلم أن يقول: “من حقك أن تختلف مع الفكرة، لكن ليس من حقك أن تسيء إلى صاحبها.”
وهكذا يتحول الموقف اليومي إلى درس تربوي حي في التسامح واحترام الآخر.
أنسنة البيئة المدرسية
لكي تصبح المدرسة بيئة حاضنة للتسامح، لا بد أن تنتقل من نموذج يقوم على الأوامر والخوف إلى نموذج يقوم على المشاركة والحوار والاحترام.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال إشراك الطلبة في وضع بعض القواعد الصفية، وتوفير مساحات آمنة للحوار، وتفعيل مجالس الطلبة، وتشجيع العمل الجماعي، واستخدام الوساطة في حل النزاعات، وتحويل الخلافات من مشكلات تستوجب العقاب فقط إلى فرص للتعلم والإصلاح.
فعندما يشارك الطالب في صياغة القواعد، يدرك أن النظام ليس أداة للقمع، وإنما اتفاق يحمي حقوق الجميع. وعندما يشارك في حل نزاع بين زملائه، فإنه يتعلم عملياً معنى الحوار والتفاوض والمصالحة وتحمل المسؤولية.
أبرز معوقات التسامح في مدارسنا
رغم أهمية التسامح، ما زالت هناك مجموعة من التحديات التي قد تعيق تحويله إلى ثقافة مدرسية راسخة، ومن أبرزها:
- سيطرة بعض أنماط التعليم التلقيني وضعف الحوار.
- الخوف من الاختلاف أو من فقدان المعلم لهيبته عند الاعتراف بالخطأ.
- الفجوة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية.
- الإفراط في العقاب على حساب الحوار والإصلاح.
- انتشار بعض أشكال التنمر والإقصاء بين الطلبة.
- ضعف مشاركة الطلبة في القرارات التي تمس حياتهم المدرسية.
- التعامل مع التسامح باعتباره شعاراً موسمياً بدلاً من كونه ممارسة يومية.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليست المشكلة في غياب كلمة “التسامح” عن المناهج، وإنما في غياب الثقافة المدرسية التي تجعل الطالب يعيش التسامح فعلياً.
نحو مدرسة المستقبل مدرسة المستقبل ليست المدرسة التي يخرج منها الطالب حاملاً أكبر قدر من المعلومات فقط، وإنما المدرسة التي يخرج منها وهو أكثر قدرة على فهم نفسه والآخرين، وأكثر احتراماً للاختلاف، وأكثر قدرة على الحوار وحل المشكلات. ولذلك فإن التربية على التسامح ينبغي أن تتجسد في التعلم التعاوني، والمشروعات الجماعية، والحوار المفتوح، والوساطة بين الأقران، والمجالس الطلابية الفاعلة، وبرامج مكافحة التنمر، وتدريب المعلمين على إدارة الاختلاف والنزاعات، وبناء بيئة مدرسية يشعر فيها كل طالب بأنه محترم ومسموع وآمن. فالغاية ليست أن يحفظ الطالب تعريف التسامح، وإنما أن يمارسه عندما يختلف مع زميله، وأن يحترم من يختلف عنه، وأن يتقبل النقد، وأن يعترف بخطئه، وأن يبحث عن الحلول السلمية للنزاعات.
خاتمة: مدرسة تُمارس التسامح قبل أن تُعلّمه إن التسامح في المدرسة لا يبدأ من الكتاب المدرسي ولا ينتهي عند الامتحان؛ بل يبدأ من العلاقة الإنسانية التي يعيشها الطالب كل يوم. فالطالب الذي يُسمح له بالاختلاف يتعلم احترام المختلف، والذي يرى معلمه يعترف بخطئه يتعلم أن الاعتراف بالخطأ قوة، والذي يشعر بالعدالة يتعلم أن يعامل الآخرين بعدالة، والذي يعيش في بيئة مدرسية آمنة يتعلم أن الحوار أكثر قوة من العنف. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نُعلّم أبناءنا التسامح؟ بل السؤال الأعمق هو: كيف نبني مدرسة تجعل التسامح أسلوب حياة؟ فحين تصبح المدرسة نموذجاً مصغراً للمجتمع الذي نريده، وحين يتحول الاحترام من شعار إلى ممارسة، والحوار من درس إلى ثقافة، والاختلاف من مصدر للصراع إلى فرصة للتعلم، نكون قد بدأنا بالفعل في صناعة جيل أكثر وعياً وإنسانية وقدرة على بناء مجتمع متماسك. ومن المدرسة يبدأ التسامح… ومن التسامح يبدأ التغيير.








