
حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية خطوة أولى … وعلى حزب العمال ألا يتوقف عند هذا الحد
، نائبة عن حزب العمال عن دائرة نوتنغهام إيست
ملخص: على الحكومة أن تبحث في سبل تحقيق المساءلة وجبر الضرر والاستثمار في فلسطين، بما يتناسب مع حجم الضرر الذي تسببت فيه المملكة المتحدة.
قبيل توليه منصبه، اعتذر رئيس الوزراء عن الاستجابة الأولية لحزبنا إزاء الأحداث في غزة، قائلا إننا أخطأنا في ذلك. كان محقًا في اعتذاره، لكنه يبدو غير كافٍ على الإطلاق أمام الأدلة الدامغة على جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، وفي ظل التواطؤ البريطاني طويل الأمد.
وقد أعلن وزير الخارجية عن فرض عقوبات تحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة، وهي خطوة طالبتُ بها، إلى جانب أكثر من 140 نائبًا من حزب العمال.
وهذه خطوة مرحّب بها وطال انتظارها، ليس فقط لأنها تفرض ضغوطًا على الحكومة الإسرائيلية، ولا لمجرد أنها ما تفرضه علينا التزاماتنا بموجب القانون الدولي، وإنما أيضًا لأنها إجراء عادل في ضوء الدور الذي أدته المملكة المتحدة في خلق واقع يُحرم فيه الفلسطينيون بصورة منهجية من حقوقهم الأساسية، ويتعرضون فيه لأشد أشكال القمع والعنف على يد إسرائيل.
خطوة أولى
ومع ذلك، لا يمكن أن تكون هذه الخطوة سوى البداية في تصحيح موقف حزب العمال الضعيف تجاه الإبادة الجماعية في غزة، والاحتلال في الضفة الغربية، ورفضه الوقوف في وجه إسرائيل.
وبالنظر إلى تاريخ المملكة المتحدة، فقد آن الأوان أيضًا لتصحيح المظالم التي ألحقَتها الدولة البريطانية بالشعب الفلسطيني.
في السابع من أيلول/سبتمبر من العام الماضي، تقدم 14 فلسطينيًا بعريضة قانونية مكونة من 400 صفحة إلى الحكومة. وقد وثقت العريضة التي أعدها اثنان من أبرز محامي حقوق الإنسان في البلاد ويحملان رتبة مستشار الملك (KC)، بالاستعانة بمؤرخين متخصصين في تلك المرحلة، سبع انتهاكات للقانون الدولي ارتكبتها بريطانيا في فلسطين بين عامي 1917 و1948. وتطالب الحكومة بالاطلاع على الأدلة، والإقرار الصريح بما جرى، والاعتذار عنه تحت قبة البرلمان، وتقديم التعويضات.
غير أنه بعد مرور عام كامل، لم تتلق العريضة أي رد.
وفي آذار/مارس الماضي، كنت واحدة من بين 45 برلمانيًا وجهوا خطابًا إلى رئيس الوزراء السابق يحثونه فيه على تقديم إجابة، إلا أن ذلك الخطاب قوبل هو الآخر بعدم الرد.
وعدت المملكة المتحدة بإقامة وطن قومي في بلد كانت غالبية سكانه من العرب، بعدما كانت قد وعدت هؤلاء السكان أنفسهم بالاستقلال، ثم تولت إدارة الأراضي الفلسطينية على مدى ثلاثة عقود بموجب انتداب لم تكن تملك سلطة قانونية لمواصلة العمل به.
وحُرم الفلسطينيون من أي مشاركة حقيقية في إدارة شؤونهم، وعندما ثاروا بين عامي 1936 و1939، جاء الرد بمزيد من القمع والاستبداد.
حربٌ لم تنتهِ قط
هُدمت قرى، واحتُجز آلاف الأشخاص من دون أي حق في الاستئناف، وتعرض سجناء للتعذيب. وفي البصّة عام 1938، توجد أدلة قوية على أن القوات البريطانية قد قتلت نحو 50 شخصًا من سكان القرية انتقامًا لتفجير قنبلة على جانب الطريق.
وكان وزير المستعمرات البريطاني نفسه قد أقرّ سرًا أمام مجلس الوزراء بأن الشرطة ارتكبت فظائع، وأخفى ذلك عن مجلس العموم.
وعندما انسحبت المملكة المتحدة عام 1948، تركت وراءها حربًا ساعدت في تمهيد الطريق لها، ونحو 750 ألف فلسطيني جُرّدوا من منازلهم. ولم تنتهِ هذه المأساة بانتهاء الانتداب. فالأشخاص الذين طُردوا آنذاك هم أجداد اللاجئين الذين يعيشون اليوم في مخيمات لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة.
كما أن الأساليب التي طوّرتها بريطانيا وأتقنت استخدامها في فلسطين، من هدم المنازل والمداهمات العقابية والاحتجاز من دون محاكمة والإفلات من العقاب، لا تزال تُستخدم اليوم في الضفة الغربية المحتلة، حيث تسجّل الأمم المتحدة أعلى مستوى على الإطلاق من العنف الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون.
أما منيب المصري، الموقّع الرئيسي على العريضة، فهو اليوم في التسعينيات من عمره. وقد شهد، عندما كان طفلًا صغيرًا في نابلس، ما رافق عمليات التفتيش التي كانت تنفذها قوات الاحتلال من مضايقات وأعمال عنف، وعندما بلغ الثالثة عشرة، أُصيب برصاصة في ساقه أطلقها جنود بريطانيون خلال مظاهرة.
وقد انتظر هو، إلى جانب مقدّمي العريضة الثلاثة عشر الآخرين، عامًا كاملًا للحصول على رد من الحكومة البريطانية على رسالتهم، مما زاد من وطأة المعاناة التي تكبدوها على يد الدولة البريطانية.
اعتذار لا بد منه
في مارس/آذار 2025، أقرّ وزير في وزارة الخارجية البريطانية بمأساة مقتل 24 رجلًا على يد القوات البريطانية في باتانغ كالي في ماليزيا عام 1948، وأقرّ أيضًا بأن الروايات الرسمية التي صورت الضحايا على أنهم من مؤيدي التمرد كانت غير صحيحة، وأنها فاقمت معاناة عائلاتهم.
وكان داني فريدمان (يحمل رتبة مستشار الملك KC)، وجون هالفورد، اللذان مثّلا عائلات الضحايا في تلك القضية، يمثّلان اليوم مقدّمي العريضة الفلسطينيين.
وقد وقعت أحداث باتانغ كالي في ظل حكومة عمالية، وجاءت المساءلة عنها أيضًا في عهد حكومة عمالية. أما فلسطين، فتظل الحلقة الغائبة في هذه المحاسبة، وهي فجوة مرتبطة بحزب العمال تحديدًا، لأن حكومة عمالية هي التي أحالت القضية إلى الأمم المتحدة عام 1947، ثم انسحبت وتركت وراءها ما ترتب على ذلك.
وسيحضر أعضاء حزب العمال مؤتمر الحزب الشهر المقبل وهم يتوقعون من الحكومة أن تتولى زمام المبادرة في هذه القضية، لا أن تتحرك فقط تحت الضغط.
ولا يتعلق الأمر فقط بما أخطأ فيه حزبنا خلال السنوات الأخيرة، وإنما أيضًا بما أخطأ فيه مرارًا على امتداد تاريخه، وبالتداعيات المدمرة التي لا يزال الفلسطينيون يواجهونها نتيجة لهذه القرارات.
ولهذا السبب، لا بد من اعتذار شامل يشمل ما ارتكبته الحكومات البريطانية المتعاقبة من انتهاكات بحق الشعب الفلسطيني.
لكن الاعتذار لا بد أن يقترن بالفعل؛ فعلى الحكومة أن تبحث في كيفية تحقيق المساءلة، وجبر الضرر، والاستثمار في فلسطين، بما يتناسب مع حجم الضرر الذي تسببت فيه المملكة المتحدة. حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية خطوة أولى، لكن لا ينبغي أن نتوقف عند هذا الحد؛ فما زال أمامنا طريق طويل لمعالجة تواطؤ المملكة المتحدة المتجذّر في قمع الشعب الفلسطيني.




