
خطر يتجاوز القلب والوزن.. الوجبات السريعة قد تضر الدماغ مباشرة
قد تبدو رقائق البطاطس أو المعكرونة سريعة التحضير أو قطعة حلوى مجرد خيارات سريعة لإسكات الجوع، إلا أن الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة قد يحمل آثاراً تتجاوز زيادة الوزن وصحة القلب لتصل إلى الدماغ أيضاً.
إذ أشارت أبحاث حديثة إلى أن الأشخاص الذين يعتمدون بصورة أكبر على هذه الأطعمة قد يكونون أكثر عرضة لتغيرات في الدماغ ترتبط بمخاطر السكتة الدماغية والخرف والتدهور المعرفي.
وبحسب تقرير نشره موقع CBC الكندي، فإن كثيراً من الأطعمة التي يجدها المستهلكون يومياً في الثلاجات وخزائن المطابخ، من بسكويت رقائق الشوكولاتة والمعكرونة سريعة التحضير إلى رقائق البطاطس والوجبات الجاهزة، تندرج ضمن خيارات غذائية يدرك كثيرون أنها ليست الأكثر صحة.
نحو نصف السعرات من أطعمة فائقة المعالجة
لا تقتصر المسألة على بعض “الملذات المذنبة”. فوفقاً لهيئة الإحصاء الكندية، يأتي في المتوسط نحو 45.7% من السعرات الحرارية التي يستهلكها الكنديون من الأطعمة فائقة المعالجة، وهي فئة واسعة تمتد من بعض حبوب الإفطار إلى الوجبات المجمدة.
وعلى مدى سنوات، ربطت أبحاث بين الإفراط في تناول هذه الأطعمة ومشكلات صحية عدة، من زيادة الوزن إلى أمراض القلب والأوعية الدموية، فضلاً عن ارتباطها ببعض أنواع السرطان.
لكن دراسة حديثة أعدها باحثون من جامعة ماكماستر ونُشرت في دورية JAMA Network Open، سلطت الضوء على جانب آخر من تأثيراتها المحتملة، يتعلق بصحة الدماغ.

وخلص الباحثون إلى أن الأشخاص الذين يستهلكون كميات أكبر من الأطعمة فائقة المعالجة قد يكونون أكثر عرضة لتغيرات في الدماغ يمكن أن تشكل مؤشرات مبكرة مرتبطة بالسكتة الدماغية والخرف والتدهور المعرفي.
كما أشار راسل دي سوزا، أحد المشاركين في الدراسة والأستاذ المشارك في كلية “ماري هيرسينك” للصحة العالمية والطب الاجتماعي بجامعة ماكماستر، إلى أن الكثيرين قد لا يدركون هذه الأضرار المحتملة. ورأى أن النتائج قد تشجع الأشخاص على تعديل عاداتهم الغذائية في وقت مبكر، قبل مواجهة عواقب أكثر خطورة في مراحل لاحقة من الحياة.
أكثر من 8700 شخص تحت المجهر
درس دي سوزا وزميلته الدكتورة سونيا أناند، المتخصصة في طب الأوعية الدموية، الأنظمة الغذائية وصور الرنين المغناطيسي للدماغ لأكثر من 8700 بالغ كندي، بلغ متوسط أعمارهم نحو 58 عاماً.
كما قسّم الباحثون المشاركين إلى 4 مجموعات وفقاً لمعدلات استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة، من الأقل إلى الأكثر استهلاكاً.
وكان أفراد المجموعة الأعلى استهلاكاً يحصلون على نحو 45% من سعراتهم الحرارية من هذه الأغذية، بما يعادل 16 حصة يومياً، استناداً إلى استبيان غذائي شمل ما بين 150 و170 صنفاً تناولها المشاركون خلال العام السابق.
في المقابل، حصل أفراد المجموعة الأقل استهلاكاً على نحو 15% فقط من سعراتهم اليومية من الأطعمة فائقة المعالجة، بما يعادل 3 حصص يومياً.
دهون تعمل مثل “الفرن”
أظهرت تحليلات الباحثين أن النظام الغذائي الغني بالأطعمة فائقة المعالجة ارتبط بزيادة دهون الجسم، بما فيها الدهون الحشوية التي تتراكم في أعماق الجسم وحول الأعضاء الداخلية.
كما أوضحت أناند، أن الأنسجة الدهنية الموجودة في غير مواضعها الطبيعية يمكن أن تعمل أشبه بـ”فرن” يطلق كميات كبيرة من البروتينات المسببة للالتهابات، والتي قد تؤثر بدورها على الدماغ.

وبحسب أستاذة الطب وعلم الأوبئة في جامعة ماكماستر، بينت صور الرنين المغناطيسي لدى المجموعة الأكثر عرضة للمخاطر تغيرات تشبه ما يُعرف بـ”السكتات الدماغية الصامتة”، وهي سكتات لا تصاحبها أعراض واضحة، لكنها تؤدي إلى تلف أنسجة الدماغ.
أضرار قد تتراكم مع مرور الوقت
من جانبه، كشف الدكتور مايكل هيل، طبيب الأعصاب والأستاذ في جامعة كالغاري الذي لم يشارك في الدراسة، أن هذه الأضرار يمكن أن تتراكم بمرور الوقت، ما قد يرفع احتمالات الإصابة بمشكلات عصبية لاحقاً، من بينها الخرف الوعائي.
وقال: “كلما تراكمت هذه الأضرار، زادت احتمالية الإصابة بمشكلات عصبية في مراحل لاحقة من العمر، وأكثرها شيوعاً هو الخرف الوعائي”.
ورغم أن بعض الأضرار المرتبطة بنظام غذائي غني بالأطعمة فائقة المعالجة قد لا يكون قابلاً للعكس، رأى هيل أن تعديل النظام الغذائي يمكن أن يساعد في الحد من تفاقمها.
ليست كل الأطعمة المصنّعة متشابهة
مع ذلك، شدد الباحثون على ضرورة التمييز بين الأطعمة “المصنعة” و”فائقة المعالجة”، إذ لا تعني عملية التصنيع في حد ذاتها أن الغذاء غير صحي.
فبحسب دي سوزا، يعد قدر معين من المعالجة ضرورياً للحفاظ على سلامة الأغذية وإطالة فترة صلاحيتها. لذلك تختلف علبة من الفاصوليا أو كيس من الخضراوات المجمدة أو عبوة من الزبادي عن وجبة سريعة أو حبوب إفطار غنية بالسكر.
ما الأطعمة “فائقة المعالجة”؟
حسب نظام “نوفا” لتصنيف الأغذية، تُعتبر الأطعمة فائقة المعالجة منتجات مصنوعة كلياً أو بدرجة كبيرة من مواد مستخلصة من مصادر نباتية أو حيوانية، مع إضافة مكونات مثل السكر والملح والدهون والزيوت والمواد الحافظة والمثبتات والأصباغ والنكهات الاصطناعية.
وغالباً ما تكون هذه المنتجات فقيرة بالألياف والفيتامينات والمعادن التي يحتاج إليها الجسم.
كما أشار هيل إلى أن تناول قطعة من الشوكولاتة من حين إلى آخر لا يعني بالضرورة حدوث ضرر، لكن المشكلة تكمن في الاعتماد المنتظم على الأطعمة فائقة المعالجة.

فيما نصح، عند الرغبة في تناول أطعمة حلوة أو مالحة، بإعدادها في المنزل قدر الإمكان باستخدام مكونات كاملة أو خضعت لأقل قدر من المعالجة، ملخصاً النصيحة بعبارة: “تناول الأطعمة التي تفسد بمرور الوقت، وتجنب تلك التي لا تفسد”.
الغذاء الصحي ليس متاحاً للجميع
لا تحمل أناند المستهلك وحده مسؤولية خياراته الغذائية، إذ لفتت إلى أن كثيرين لا يملكون الوقت أو الإمكانات المالية اللازمة لإعداد طعام عالي الجودة.
ورأت أن القضية تتضمن جانباً هيكلياً يستدعي تدخل الحكومات للحد من انتشار الأطعمة فائقة المعالجة، وفي الوقت نفسه جعل الخيارات الصحية أكثر توافراً وبأسعار يمكن تحملها.
كما شددت على أهمية تعزيز الوعي الصحي حتى يصبح المستهلكون أكثر إدراكاً للتداعيات المحتملة للإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة.







