رقصت مع الرجال.. فيديو “فتاة العرضة” بالسعودية يثير جدلا واسعا

قالت الباحثة السعودية، نجاة السعيد، إن المجتمع السعودي أصبح أكثر تقبلا لفكرة الانفتاح وفق “حدود معينة” مشيرة إلى واقعة صعود فتاة إلى المسرح أثناء عرض لا تعدو إلا كونها “خرقا للقواعد”.

وأثارت مشاهد صعود الفتاة التي كانت ترتدي عباءة سوداء إلى خشبة مسرح مهرجان الباحة، جنوب غربي السعودية، الأحد، جدلا كبيرا.

وتضمن المهرجان، الذي يخصص لعرض لمنتجات الزراعية المتنوعة بالمنطقة، بالإضافة إلى الحرف اليدوية والألعاب الشعبية، على هامشه تنظيم فعاليات فنية كان بينها “رقصة العرضة”.

وكان عدد من الرجال بملابسهم البيضاء المحلاة بالأحزمة الجلدية، والسيوف في أياديهم يؤدون الرقصة السعودية الشهيرة على المسرح، قبل أن يحدث ما لم يكن في الحسبان.

وفجأة صعدت فتاة، ترتدي زيا أسود اللون، وتغطي وجهها ما عدا العينين، إلى المسرح لتشرع في أداء الرقصة مع الرجال، ولكن لثوان معدودة قبل أن يتم إجبارها على النزول.

المشهد الذي التقطته كاميرات من أكثر من زاوية، أثار جدلا كبيرا على مواقع التواصل، فيما تصدر هاشتاغ “كفوارجالالباحة”، كترحيب لما فعله رجال الفرقة الذين طلبوا من الفتاة مغادرة المسرح، على قائمة الترند في السعودية.

وتباينت التعليقات على المشهد اللافت بين مؤيد ومعارض، أو حتى ساخر، إذ رأى البعض فعلة الفتاة بمثابة “إساءة لا تليق”، أو باعتبارها سلوكا لا يتفق مع الثقافة السائدة التي تقصر أداء ذلك النوع من الرقص الشعبي على الرجال.
أما آخرون، فاعتبروا أن مشاركة الفتاة عادية، لولا أنها صعدت على المسرح من دون استئذان، دون أن تكون مشاركة أصلا في الفقرة، ما أدى إلى إجبارها على النزول، وهو مصير كان سيلقاه أي رجل يتصرف بشكل مماثل.

من جانبه، نقل موقع “أخبار 24” السعودي عن رئيس لجنة الثقافة والفنون بمحافظة القرى، بدر الزهراني، قوله إنه تم إنزال الفتاة من المسرح على الفور بعدما صعدت فجأة، مثلما جرى منع الجميع من الصعود إلى المسرح “التزاما بالإجراءات الاحترازية المتبعة لمواجهة فيروس كورونا”.

أما موقع “سبق” فنقل عن حامل السيف الذي أظهرته الكاميرات يطالب الفتاة بالنزول قوله إنه “تفاجأ” هو والآخرون بصعود الفتاة بينهم، وعند مشاهدته لها طلب منها النزول من على المسرح، إلا أنها طلبت منه إعطاءها السيف، وحاولت الوصول إليه إلا أنه رفض، وأبعد السيف عن يدها، مطالباً إياها بالنزول عن المسرح.

وتعد رقصة العرضة من التراث السعودي الشهير وقد أدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث غير المادي.

واعتبرت الباحثة السعودية في مجال حقوق المرأة والتعليم، نجاة السعيد، في تصريح لموقع الحرة ما قامت به الفتاة هو بمثابة “مخالفة” للقواعد المعمول بها، مذكرة بما قامت به امرأة فرنسية خلال عرض أزياء في باريس عندما صعدت إلى المسرح أثناء العرض فتم على الفور إنزالها.

وتقول السعيد إن “العرضة” هي رقصة سعودية مخصصة للرجال، لذلك كانت مشاركة الفتاة يعد أمرا غريبا، ورغم ذلك، فهي ترى أن السبب الأساسي لإنزالها هو “خرقها للقواعد” وليس لأن الرقصة مخصصة للرجال.

ومنذ ظهور الأمير السعودي، محمد بن سلمان، على الساحة السعودية وتوليه ولاية العهد، اتخذت السعودية، في عهده، العديد من الخطوات الانفتاحية.

وفي عام 2018، منحت السعودية المرأة، لأول مرة في تاريخ المملكة، الحق في الحصول على رخصة لقيادة السيارة، كما سُمح للنساء بحضور مباريات كرة القدم، وتم تقليص صلاحيات “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

وأصبح في عهده المواطن السعودي قادرا على حضور الحفلات الموسيقية بعد توقفها في العاصمة الرياض لأكثر من عقد، إضافة لإعادة افتتاح دور السينما بعد عقود من إغلاقها، وتم إنشاء هيئة الترفيه، التي تولت إقامة الحفلات الموسيقية لأشهر فناني العالم وعروض الأزياء.

وترى السعيد، وهي خبيرة في الإعلام والتنمية البشرية، أن المجتمع السعودي، الذي يعتبر من أكثر المجتمعات الخليجية محافظة، “يحتاج إلى وقت طويل لتقبل فكرة انفتاح المرأة خاصة أن الانفتاح في السعودية أمر مستجد”.

وتؤكد أن السلطة لا تمارس “الضغط” على المرأة الذي يمارسه الأهالي “فهم على سبيل المثال يتدخلون فيما ترتديه، ولو خرجت في الشارع من دون ارتداء غطاء الرأس ربما تتعرض للمضايقة من الأهل وليس من السلطة، وحتى بعض النساء أنفسهن يمارسن ضغط كبيرا على النساء الأخريات”.

وتقول السعيد إن المجتمعات العربية عموما والمجتمع السعودي خصوصا تحتاج “إلى وقت طويل لتغيير العقلية وبعض العادات والتقاليد”.

وتشير إلى أنه رغم ذلك فالمجتمع السعودي أكثر تقبلا للانفتاح من مجتمعات خليجية أخرى لكن “بحدود معينة” فهو يسمح بالاختلاط في الأماكن العامة، مثل النوادي والمقاهي والمطاعم، لكنه لايزال غير متقبل لفكرة “الرقص المختلط”.

“حتى الآن لا يتقبل المجتمع فكرة الرقص المختلط في حفلات الزفاف. الأهالي يرفضون الملابس القصيرة في هذه الحفلات فما بالك بالرقص؟”، تضيف الباحثة.

وتشيد السعيد بـ”الانجازات الكبيرة” التي حققتها المرأة السعودية خلال السنوات القليلة الماضية، وأهمها تمكين المرأة في جميع المجالات، وتقول إن الفتيات أصبحت “أكثر ثقة واستقلالا وقوة واعتمادا على أنفسهن، بينما في الماضي كن أكثر خجلا، واعتمادا على الآخرين”.

وتقول: “هناك فارق كبير بين الأجيال القديمة والجديدة. الأجيال الجديدة من النساء مستقلة جدا وقوية وتستطيع أن تتكلم بشجاعة أمام أهلها. ولا تعتبر الزواج هو نهاية حياتها، ويمكن أن تسافر للعمل في مدينة أخرى، بمباركة أهلها، وهذا الأمر ما كان ليحدث الماضي. هذا ‘انقلاب’ في المجتمع. هذا تغيير كبير”.

أما عن التعليقات السلبية التي لاتزال موجودة على مواقع التواصل الاجتماعي، فتشير السعيد إلى أنه رغم الانفتاح الكبير بعد تولي العهد، لا تزال بعض الفئات تراه سلبيا “وترى انفتاح المرأة بمثابة فقدان لأنوثتها”.

وتنبه أيضا إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار المناطق والمستوى التعليم والثقافي للأفراد الذين يرددون التعليقات السلبية حول المرأة.

وتقول: “بعض المناطق منفتحة وبعض منغلقة، هناك تنوع ثقافي كبير في السعودية لا يوجد في العديد من الدول. الثقافة المجمعية في جدة، مثلا، تختلف كليا عن الرياض، والرياض تختلف عن المنطقة الشرقية وهكذا”، مشيرة إلى أن “الفئات الأكثر ثراء الذي تعرضوا للثقافة الغربية وتلقوا تعليما غربيا لم يتأثروا بالانغلاق، لأنهم عاشوا حياة غربية وتعلموا بعيدا عن النظام، لذلك كان التغيير بالنسبة لهم عاديا وتحصيلاً حاصل”،

وتنوه إلى أن الكثير من الأفكار على مواقع التواصل الاجتماعي تصدر من كبار السن، مضيفة أن “الشباب بشكل عام في السعودية يدعمون الانفتاح أكثر من كبار لسن وثمار ذلك سنجنيها بعد عدة سنوات من الآن”.

مقالات ذات صلة