إزالة الصورة من الطباعة

"نسيمة "... بعد وفاة والدها عاشت في حق لا تمتلك منه شيء !

تلفزيون الفجر الجديد- قصة صحفية- بقلم: أسماء قلالوة- دمعةٌ حزن انهمرت على خديها، تتذكر معاناتها التي أحاطت بها، كوردة ذابلة قضت طول عمرها في تأمين حاجات أبنائها، لم تتعدى أحلامها سوى توفير حياة كريمة لهم، وخيوط الأمل لا زالت تراودها كل صباح كخيوط شمس ذهبية تتجدد على فجر من عتمة الليل انبثق، علة يكون مخرجا من دوامة الفقر والمعاناة التي رافقتها منذ بداية زواجها.

"في كل مره كنت اطلب حصتي من  أخوتي، كانوا يتحججوا، إنجبرت أسكت عن حقي؛ خوف إني اخسرهم، ما إلي حدا غيرهم بعد وفاة زوجي".

كلماتٌ لمست شغف قلبي، وتركت في نفسي أثرا وجرحاً كبيرا، قصة مستوحاة من الحقيقة، خطوطها العريضة تنتمي إلى الواقع، وشخصيتها كانت وما زالت أنفاسها تتردد على الأرض، سترويها لنا لكن باسم مستعار، بناء على طلبها.

معاناتها

نسيمة ، امرأة أرملة، تبلغ من العمر 69 عاماً، من قضاء جنين، تسكن في بيت عتيق مكون من 4 غرف صغيرة، بدأت تتكلم عن معاناتها، ببسمة على شفتيها، قالت:" تزوجت وأنا عمري 16 سنة، حياتي أنا  وزوجي كانت صعبة، عشنا أيام قاسية، أيام كانت تمرعلينا ما معنا شيقل! رغم هيك كنت بلسم جروحه ما تذمرت، قررنا نتعب لحتى نوفر على الأقل  حاجات البيت الأساسية".

كفاح وتحدي

عملت نسيمة مع زوجها الكادح البسيط في الأرض، إذ قاما بضمان أرض؛ ليزرعاها طول السنة بالخضروات، تقول" كنا نزرع الفاصوليا والباتنجان والكوسا وغيرها من الخضار، وبعد نضوج المحصول كنت أستيقظ  في الصباح الباكر قبل شروق الشمس؛ لأجمعه وأضعه في ( سحارات) لنقوم ببيعها في المدينة.

شقاءٌ تلو شقاء للبحث عن لقمة العيش، أمضت نسيمة سنوات زواجها الأولى عاملة في الأرض، فلم تكن حياتها شبيهة بحياة نساء قريتها، ولم يكن لديها وقت تجتمع مع  جاراتها ليتداولن الأحاديث، ويتناولن عند الطابون أقراص السبانخ والزعتر الساخن مع كاسة الشاي.

أنجبت نسيمة ولدان وأربع  بنات،عيشتهم ووفرة حاجاتهم من وراء هذا العمل الشريف، فبعرق جبينها وتعبها أصرت على تدرسيهم بأحسن الجامعات.

فعلاً هي أم مثالية، قدوة لأبنائها، ونموذج يحتذى به، امرأة  صامدة لم تنكسر بسهولة أمام عقبات الحياة، بل واجهتا بإرادة وعزيمة كالجبال.

توفي والدها وهي صغيرة، ترك لها ولأخوتها تركة جيدة، كان بإمكانها أن تطلب من إخوتها حصتها ونصيبها من الميراث، به تغير حالة ضيق زوجها، وتنعم بحياة كريمة مع عائلتها، لكنها فضلت ألا تطالبهم؛ بحجة أن حياتها مستورة، ربما تحتاجهُ لعثرات الزمن.

بداية المأساة

في شهر 5 من عام 2015، حل بعائلة نسيمة كارثة فاجعة، هي إصابة زوجها بمرض السرطان، فتفاقمت معاناته يوم بعد يوم، حيث أصبح غير قادر على الحركة والعمل، فما كان بيد نسيمة إلا أن تعمل بجهد اكبر في الأرض، لتتكفل بسداد تكاليف علاج زوجها.

وبعد مدة قصيرة، تتراوح الأسبوعين، تقول نسيمة" تعبت من كثر الشغل، كله وقع على رأسي ما في حد يساعدني، طول اليوم بشتغل وما بنجز شي!".

 قررت أن تلجأ لأخوتها؛ لتطلب حصتها، لتدبر أمورها قليلا، فما كان رد أخوها الكبير" يا أختي إحنا حاسين قديش أنت بتعاني، بس بدري على تقسيم الورثة، ولا وحده من خواتك طلبت، خذي هل 500 شيقل مشي أمورك فيهم، ولما تحتاجي تعالي اطلبي".

لم تناقشه وتعترض على كلامه، أخذت المبلغ بصمت وذهبت لتسد ديونها، فمبلغ مثل هذا ماذا سيغطي ؟!

وبعد ثلاثة أسابيع أعطاها 600 شيقل، ربما فعل ذلك ليسكتها ويجعلها تنسى أن  لها حق .

لم يمض يومين والمبلغ بحوزتها، ففي مساء يوم الخميس، توفي زوجها،  ما كان لها بعد إتمام مراسم الدفن إلا أن تتخذ قرار بطلب ورثتها، لتنفق على نفسها، وتلبي حاجاتها بعد وفاة  معيلها.

" لما وديت ابني البكر عند خاله، يطلب حصتي، رد عليه مش وقت تقسيم الورثة، ولا حدا فينا محتاج، بعد سنتين ...ثلاث بعطيها نصيبها، أنا مش ناسي أمك، أي شي بتحتاجه تيجي تطلبه مني مش رح اقصر معها" تسرد نسيمة.

بعد عناء طويل، ومماطلة وخلق حجج من قبل أخوتها، قررت الأم والأخت نسيمة أن تصبر على الأمر من جديد، لعل الله يفك عسرتها قريبا.

أمل لا ينقطع

لجأت نسيمة الى مركز الشؤون الاجتماعية؛ ليتكفلوا بها، وليغطوا حاجاتها " كل آخر شهر بروح على البلدية، لحتى استلم التموين، ومبلغ بسيط من المال قيمته 900 شيقل"  تقول نسيمة.

تختم حديثها: بعد ما عرفت إن أخي مضطر أن يعمل عملية (قستره) ويحتاج مالا، قررت أن أتنازل له عن حقي في الميراث، ليعمل عمليته وتعود له صحته.

هكذا تمضي نسيمة حياتها الآن، تعتمد على نفقة الشؤون، لم  تعد تريد حصتها من إخوتها، ربما لأنها تعبت من ضغوطات ومر الحياة، هي تدرك جيدا أن هذا نصيها والشرع أجاز بذلك، لكنها لا تريد  أن تخسر إخوتها وتدخل المحاكم بينهم، كل ما تتمناه أن تعيش حياة أسرية سعيدة لا يفرقها مال أو ميراث.