مزايا المونديال

سواء كانت  اسبانيا، ام هولندا – فان مونديال 2010 قد انتصر، انتصارا مقنعا، كما يقولون في الرياضة، وعلى نحو عظيم. صحيح أن الحديث يدور عن كرة قدم، فقط كرة قدم، ولكن الدروس أوسع بكثير، تعانق العالم.

اختيار جنوب افريقيا لاستضافة مباريات كأس العالم في كرة القدم ترافق منذ البداية بمخاوف عظيمة. المتشائمون على انواعهم حذروا من أن الدولة الافريقية المستيقظة، ذات النظام الجديد، لن تصمد تحت العبء. فقد هددوا بان المنشآت لن تبنى في الوقت المناسب، وبناؤها لن ينفذ جيدا، تنظيم المباريات سيكون فاشلا، وفوق كل شيء – الجريمة والعنف اللذين استشرا في الدولة سيمسان بالضيوف الكثيرين الذين سيصلون الى المباريات.
شيء من كل هذا لم يحصل. ثلاثة ملايين مشاهد في الملاعب استمتعوا بمونديال رائع، ملون وصاخب، ولكن منظم جيدا. في الملاعب لم تقع أي حالات عنف، وخارجها ايضا شعر معظم سياح الرياضة بامان شخصي كامل.
بفضل جنوب افريقيا، الدولة الافريقية الاولى التي نظمت مشروعا بهذا القدر من الاتساع، كان بوسع كل القارة أن ترفع رأسها افتخارا، ربما لاول مرة في تاريخها. بفضل هذا المونديال اثبتت افريقيا السوداء – المقهورة، الفقيرة والنازفة بين كل القارات – بان هي ايضا  توجد أخيرا على خريطة العالم. ينبغي الامل إذن ان يصل شطبها المخجل من كل شأن عالمي تقريبا الى منتهاه مع هذا المونديال الممتاز.
أثبت المونديال ايضا، وان لم يكن للمرة الاولى، ولكن هذه المرة بقوة اكبر، بان الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص هي ساحات فريدة من نوعها: هنا فقط يمكن لغانا ان تنتصر على الولايات المتحدة، صربيا على المانيا، سلوفانيا على ايطاليا والجزائر يمكنها أن تنهي بالتعادل مع بريطانيا. اين يوجد، فضلا عن ملعب كرة القدم، ما يمكن ابناء المهاجرين بالتميز في دولتهم الجديدة؟ صحيح أنه وصل الى  النهائيات دولتان اوروبيتان راسختان، ولكن وصلت الى مرحلة منتصف النهائيات دولة صغيرة العدد من السكان مثل اورغواي، يندرج انتاجها المحلي الخام في المكان الـ 98 في العالم، مما يثير الاحترام. هذا ما كان يمكن له ان يحصل الا في كرة القدم.
مئات ملايين بين البشر شاهدوا المباريات في ذات الوقت في كل ارجاء العالم؛ لا يوجد موضوع عالمي موحد مثل كرة القدم. الاباء والامهات وابناؤهم معا، الاغنياء والفقراء، القوميات، الاديان، الاجناس والاعراق المختلفة، كلهم في ذات الوقت امام شاشات التلفزيون في كل ارجاء الكرة الارضية. عالم جزء كبير من سكانه يشاهدون ذات الشيء في ذات الزمن يتخذ ولو للحظة صورة عالم اقل خطورة وأكثر وعدا. كما أن حقيقة ان القومية لم تصبح عنيفة وفظة في اثناء المباريات وبعدها تبث الامل.

الروح الرياضية ألمت بالجميع، دون استثناء، بالمنتصرين وبالخاسرين على حد سواء. ليس فقط جنوب افريقيا فرحت مثلما فرحت فقط لمرة واحدة في تاريخها، مع سقوط نظام الابرتهايد الوحشي، العالم كله فرح. وليس صدفة ان كتب الكاتب الامريكي رودجر كوهين في صحيفة ‘نيويورك تايمز’: ‘كان هذا كأس العالم الساحر الاول’. لعل السياسيون في العالم، ممن حضر بعضهم مباريات منتخباتهم، يتعلمون من المونديال انه يمكن ايضا خلاف ذلك.