بين حاجز ومعبر ومخصوم... نفحاتُ وطن أردى حبيبته مكلومةً

الإثنين 29 يونيو 2015

بين حاجز ومعبر ومخصوم... نفحاتُ وطن أردى حبيبته مكلومةً
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد - تقرير وتصوير ايمان فقها: لم أدرك كيف مضى وقت الانتظار، لقد بتّ أرى الوقت سلحفاةً من بطئه، وكأنه يرديني طفلةّ صغيرة لم تنم ليلة العيد خوفاً من ضياعه عليها، يا كم من مرّة حلمت أن أقدّس أرضك، أقبّل بقاعك، وأدوس ثراك متضرّعة لله حبّاً، وأملاً بتحقيق أمنياتٍ باغتت القلب ولم تُنل.

من بعد صلاة الفجر، حملنا ذواتنا، واتجهنا من بلدة عنبتا صوب البلدة المقدّسة منتظرين وقت وصول الحافلة التي ستقلّنا، كم لعبق نسمات الهواء التي تتخلّل أن تعيدنا أطفالاً صغار يحلمون بالأمل، بالحب، بالتفاؤل، وبلعبة صغيرةٍ ممزوجة برداء أحمر نقش عليه "أنت الجمال وغيرك هباء"، سبع دقائق كحلّت أعيننا مشاهد الحافلات التي وصلت حتّى مغادرتنا 17 حافلةّ.

وبدأ مسيرنا مكلّلاً بنفحات صباحيّة من مدينتيّ نابلس، ورام الله، وصولاً لذلك المعبر المشؤوم، الذي يصف جلّ الإهانة، والذل، والاكتظاظ، كم من القهر الذي يصعب تخيّله وأنت بين طيّات وطنك تنتظر إذناً من تلك الوجوه التي تشاهد من خلالها كمية حقد لامتناهية، ممزوجة ببغضاء ترديك إنساناً لو بمقدورك إزالتها عن باطن الأرض لفعلت دون تردّد، إنه ذاك المعبر الذي يجيشّ عواطفك نحو السلبية، والقهر...معبر قلنديا.

دقائق كثيرة من الانتظار تمازجت بكثير من الازدحام هنا وهناك، صوت صراخ يعلو، وعجوز كبيرة على كرسيّ متحرك، تجاعيدُها تحاكي قصص وطن مكلومٍ ومكلوم،  تردّد "حسبي الله فيكم، حرمتونا نشوف أرضنا، ودخلتونا بذلّ، يفرجينا فيكم يوم"، لنصلَ بعد عناء إلى تلك الحافلة التي ستقلّنا لعطر باحات المسجد الأقصى المبارك.

إن اتجهت أولّ مرة لزيارة تلك البقاع المقدسة، لن أصف لك مدى ذاك الشعور الذي يسيطر عليك، فأنت ها هنا بين رقعة من الجنة، رائحة من هنا هناك، وصوت من بعيد يدعو خفية "يا ربّي يسر لي أمري، وارزقني الخير، قادر يا كريم".

في القدس كعكٌ تفوح رائحته من كلّ زاوية، في القدس زقاق تعود بك إلى ذاك الزمن القديم، في القدس طفلٌ في السادسة من عمره يحمل بين طيّات يديه مصحفاً، ويتجول! بين شوارعه القديمة مردّداً (يا رب اشف أمي ورجعلي اياها)، في القدس زوجان تحابّا في الله، فعقدا قرانهما على أطهر ساحات الوطن راجين الله بعمر مديد سويّاً، في القدس يدين من كلّ ناحية تدعو الله برزق كريم، في القدس امرأة تصرخ بكل ما فيها "اغتصبوني أمام أعينكم، وها أنتم مكتوفي الأيدي، أرجوكم اسعفوا ما تبقى منّي"، في القدس من في القدس إلا أنت.

وفي القدس طفلة صغيرة تتجول بين ثراه، ملاكٌ أبيض  يجاري القمر جمالاً، وعلى الناحية الأخرى طفل يرتدي زيّ حجّاج صغير جاء يقبّل تراب الأقصى بحنيّة، ويدفع من براءته الكثير.

ها أنا بين يديها، حوريّة من الجنة تمثلّت أمامي، لم تستطع الصور أن تحاكي الجمال، فالرضوخ بين جنباتها مكنون آخر من الجمال، من الروحانيّة، من قطرات ندى لامسات صباحاً عُنق زهرة أقحوان أرجوانيّة.

وبدأت استعداداً للصلاة بين كنفاتها، وما أن وطأ رأسي ترابها حتى شعرت بإحساس مغاير، وكأنّ ثقلاً من الهمّ أزيل تماماً، وبُدّل بكمية من الطاقة الإيجابية التي لن تخطر على بالك يوماً إلا وأنت هناك، ترابك أيها الأقصى دواء لكل عليل، وشفاء لكل مريض، وراحة لكل عليل، وحبّ لكل فقيد، وفرج لكل مهموم.

"الّلهم أزل عن قلوبنا الحقد، الغل، الحسد، يا ربّ وأنعم علينا بالصحة والعافية، وحرّر قيد أسرانا، وحرّرنا من الانقسام، يا الله واغفر لنا خطايانا، وذنوبنا، واغفر لنا يا رب"، هي بعض ممّا تناول الإمام في خطبة الجمعة.

وحان وقت فراقك يا غالية، كل شيء يدفع بي إلى البقاء، ليت لدي حجرة صغيرة بين طيّاتك، كم تمنيّت مجالستك والحديث معك، الإفطار بحذوك، والنوم طويلاً طويلاً على ثراك، آه لعدوّ غشيم سرقك منّا، وأردانا جانباً بذلّ أسود، ليتني بين أحضانك يوماً وكلّ يوم.

وودّعتها حزينة القلب، وكان يخيّل لي أنّ ما جرى في بداية الرحلة لن يعاود مرّة أخرى، لكن هو الحال ذاته، لقد مررنا بكتلة من المعابر والحواجز حتى وصلنا بلدة عنبتا وصوت آذان المغرب يصدح بين أركان كل زاوية.