في داخلنا المحتلّ حكايا وقصص تعبقُ بروحانيةٍ جماليّة

الإثنين 27 يوليو 2015

في داخلنا المحتلّ حكايا وقصص تعبقُ بروحانيةٍ جماليّة
التفاصيل بالاسفل
تلفزيون الفجر الجديد - تقرير ايمان فقها - تصوير بشرى حصارمة: إنها الحادية عشرة إلا خمس دقائقٍ من يوم الثلاثاء، لقد التقيت به في الطابق الأرضيّ لمدخل كلية القانون والفنون الجميلة والإعلام، كان منهك الوجه، وتعباً كثيراً، حاملاً ذاته إلى الطابق الثالث ليسلّم ما تبقّى من علاماتٍ لرئيس قسمنا، لكن لم يمنعه ذاك مِن السؤال، فقال "هل توجهتِ للبحر في عطلة العيد يا إيمان؟"، سرحتُ بخيالي فتذكرت ذلك الموقف، حتّى فُتِح باب المصعد وتوّجه كلّ منّا إلى مكانه.

كنّا آنذاك في محاضرة "الكتابة للمجلّات"، نستعدّ لعرض تقاريرنا الصحفيّة، لم نعتد على رؤيته إلا ضحوكاً، بشوش الوجه، ومن التفاؤل له الكثير، بدأ يشرح ويشرح حتى وقع بصره على كيس مغلّف.

توّجه صوب مَالِكه فقال "يبدو أنّها بضاعة إسرائيلية، أليس كذلك؟"، فأجابه "نعم"، صكّ على أسنانه، التفَت، أدار ظهره، تنهدّ كثيراً، وبدت علامات الغضب واضحة جليّاً عليه، وذكر "يا للأسف، أشعر وكأنّني عميل صغير إن ابتعتُ منتجاتهم".

تلك الجملة بقيت صامدة في ذهني حتى الآن، لقد نشروا بكلّ سذاجة ما يسمّى ب "التسهيلات"، ف كيف لي أن أطلب إذناً لدخول بلادنا المحتلّة؟، أو أدفع مالاً لأولئك الذين قتلوا أطفالنا، وحرقوا مساجدنا، وهدموا منازلنا!، إنّها لنا، أرضنا، بيتنا، عائلتنا، منزلنا، حكايات أجدادنا، تراثنا، حاضرنا، ومستقبلنا الذي سيعود، سيعود من تحت أقدامكم أيها الصهاينة.

ما زلت أذكر ما حدّثنا إيّاه أستاذنا في محاضرة "الإعلام الإسرائيلي"، كم لتلك الخطّة الحمقاء من ذكاء أن تستلب معالمنا، تغتصب حبيبتنا؟، أدرك تماماً لو علِمَ كلّ منّا بتلك الأفعال عن كثب، أو تعلّم كل طفل فلسطينيّ هذا منذ الصغر، لما جلسنا الآن مكتوفي الأيدي نتجوّل في عالم الإنترنت بحدود ضيّقة.

كيف لوجوهٍ جاءت من أماكن متعدّدة في الخارج أن تقتحم جميلتنا، وتدنّسها ثمّ تطلب منّا إذناً لدخولها؟، إليك أيتها الشقراء الفظّة امسكي ذاتك ومن معك وعودي من المكان الذي جئت منه، إنّه أولى بكم، اتركوا لنا متعة النظر بأروقة يافا، وبحر عكّا، وطبريّا، لقد اشتاقت أنفسنا لتَقبيلِ تلك البقاع، الجلوس فيها، وسرد ما تملّكت نفوسنا به من همومٍ.

تجوّلت في حدود عالم الفيسبوك، فرأيت من الجمال ما يكفي للشعور بالغصّة، وشدّة القهر، إنّها صور لبشرى، لقد حملت عدسة الكاميرا، وتجوّلت داخل طبريّا لتنقل لنا ملامحها، وسلامها بصورٍ عديدة.

ومن زاوية لبحيرة طبريا، جلس يتغزّل بها.. اتركي شالك بين عناق البحر وهيّا بنا، أتذكرين كم من مرّة جلست ترادفين خصال شعرك وتنسجي بين خيال عينيك صورة لطبريّا؟، ها هي يا جميلتي، ها هي يا حبيبتي فكّي عقدة جبينك ودعينا نتراقص بين موجاتها، بين حبيباتها، ولنلتقط صوراً ربّما تكون الأخيرة، ودعِي ثغرك يبتسم كثيراً وكثيراً فأنتِ تمازجين البحر جمالاً، حبّاً، ورفقاً يا صغيرتي، يا رفيقة الروح وشقيقة قلبي المدفون بك، بك أنتِ.

وهناك تحت شجرة مسك يديّ رفيقه حتى بزغ نُور شمسٍ من بين أطرافها، وأخرج ورقةً كتب عليها :سيدوم الأمل بين شقاق أعيننا، هات يديك يا صديقي ودعنا بين طرقات هذا الوطن نمشي قدماً وساعات ساعات، لنحتضن ذكريات الطفولة، أيام المدرسة، وبعضاً منّا في نهايات أيامنا في الجامعة، لا تترك يدي يوماً، شُدّ شدّ عليها دوماً، وإن غبت عنّي فأنا لن ولن أنساك، ستبقى هذه الفسحة بيننا ولنا، أعدك يا صديقي.

وعند ذاك المقعد، تذكّر حبيبته، فجلس يشاطرها وكأنها تجلس بجانبه "وأنا أنسى أنّني كنت هنا، بين طيّات هذا المكان، جلسنا، تحدّثنا، روينا قصصاً، وذات يوم ابتعد كلّ منّا وكأنّنا لا نعرف من نكون !، حسناً من أنا؟ ومن أنت؟، كلانا لا ندري، لكن تلك الكرسي تروي كل شيء، كل شيء".

ويمرّ بي خيالها فلا ولا ولن أنسها، هي حبيبة وأحبهّا وستبقى "فلسطين"، إن مررت من هنا فطيف المكان لن يغيب، سيبقى شعاعاً يلّون جذر كلّ فلسطينيّ ساقاها الحنين لأناملها الأصلية، سيبقى طهوراً حتى تدنّسه أقدام أولئك اللذين قدموا من اللامكان، اللاهويّة، واللالقاء.
ستبقى تنادينا يا بشرى، ستُنادينا ما دمنا أحياء، وإن طال اللقاء، طال وبعد جنباً وجنباً، ستحدّثك عن جدّتي كيف اغرورقت عينيها قبل أن توّدع ذاك الجسر، وهذا البحر، وبيتها العتيق؟، ستحدّثك يا رفيقتي عن وطنٍ يلّوح بيديه ضعيفٌ، وضعيف ولكنه يتلمس بك الكثير، لقد أفاق الآن بصورك، لكنّه ما زال ينتظرنا جميعاً دون تصريح.

نحن وبأيدينا فلسطين مرفوعة الجبين، حاملة أبناءها وملّوحة بشارة القدس من بعيد، جدّتي ذات يوم حدّثتني عن كل هذا، لكنها غادرت يا رفيقتي ولم يتبقّ إلا نحن، إلا أصابعنا، كتاباتنا، هيّا يا صديقتي لنوثّق جمال ورونق بلادنا بكتابات، بأناشيد، وبصور، دعينا نفعل شيئاً ولو كان صغير.