الآسكيّون تمازجوا ما بين استيطان عنفوان الأسئلة والتحليل النفسيّ

الإثنين 07 سبتمبر 2015

الآسكيّون تمازجوا ما بين استيطان عنفوان الأسئلة والتحليل النفسيّ
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد - إيمان فقها: منهكةٌ من شدة التعب، وجسمي قد هدّه الكلأ، أظنّ نفسي في الأربعينيّات، إنّه الدوام الصيفيّ، بخطوات مثقلةٍ ها أنا على عتبات منزلنا، حوض الورود الحمراء جافٌّ يبدو أنّ والدتي نسيت أن ترويه ليَنبت من جديد، ليخرج من بين أغصانه ذاك العطر الفوّاح الذي يملأ المكان حبّاً، وأملاً، ويشقّ من بين نفحاته طريقاً من التفاؤل.

إنّها الرابعة مساءً وبضع دقائق، وضعت كتبي، وهاتفي النقّال بعيداً محاولةً استراق بعضٍ من لحظات الرّاحة، هنيهة وبدأ هاتفي بإعطاء رنّات معبّراً عن وصول إشعارات ربّما فيسبوكيّة، أو آسكية، أو انستجرامية، أو حتّى سنابيّة، لكن السبيل للوصول إلى هاتفي من شدّة الإنهاك مستحيل.

تجاهلتُ الأمر بدايةً، لكن صوت تلك الرنّات لم يغِب، بل وازداد حيناً وحيناً، تركت كلّ ما بِحَوزتي، وعدتُ لأتنقّل بين ذاك العالم الواسع الضيّق، المحدود واللامحدود، المُتعِب المُفرِح، لحظات تجوال حتى وصلت، لم يكن الموضوع غريباً، أو أنّني قد تفاجأت ممّا شاهدت، فقد اعتدتُ على هذا، لكن الغرابة أن تجد مثل هكذا سلوكيّات من أشخاص لم يجلسوا معك يوماً، ولم يحدّثوك عن قربٍ، أيفعل النجاح هذا كلّه؟.

لم يكن سؤالاً، إنها حزمة من الأسئلة ذات المستوى الدنيء، لو أيقن مُرسِلها سُخف ما صنعه لطأطأ رأسه نزولاً، ونزولاً، لأدرك أنّ عقله يحتاج للإرشاد النفسيّ، لتعلّم يوماً أن الغيرة تصنع منّا المستحيل لإنجازه، لا تدفعنا لأنّ نخبئ أنفسنا تحت رداءٍ مجهول لنصل بغايتنا ونطبّقها من خلال موقع إلكترونيّ يسمّى ب "الآسك أف أم".   

الحادثة بدأت عندما عرض أستاذ تحقيقاً قد قدّمته لمساقٍ جامعيّ كمثالٍ، لم يدرك أنّ هذه الخطوة ستدفع البعض للتهجمّ مرفقين كلامهم بمصطلحاتٍ باليةٍ سوقيّة، لم تكن هذه البداية، فما سبقها أكثر بكثير، وسؤال يدور ببالي "ماذا لو أحبّ بعضنا الخير لنفسه، لماذا ننزعج عندما يمدح الإنسان الذي تعب ليصل؟، كيف لنا أن نتصدّى للطموح محاوِلين تثبيط هزيمته؟، أم أنّنا نجهل كمّ الصعوبات التي يستغرقها غيرنا كي يصبح ما أراد يوماً ما.

"إنّك جميلة اليوم، حدّثيني ما سبب ذلك؟، لقد رأيتك تحدّثين شخصاً أمام مبنى الكلية ظهراً، كيف تدّعين الأخلاق؟، إنّ الأزرق لون رائع لازمي ارتداءه، من هو حبيبك؟، صفحتك رائعة جداً، أتمنى لقاءك في الواقع، (ما أحلاك، جنتل وأمور)"، وغيرها من العبارات التي تدّق واحَة آسكيّة شقّت طرقاً بعضهم وصفها بالتجربة الجميلة والمفيدة، وآخرون شعروا بالندم لدخول ذاك الموقع الذي لم يعد عليهم بأدنى فائدة.

الآسك إف إم بحسب موقع الوكيبيديا فهوموقع تواصل اجتماعي خاص بالأسئلة، تأسس 16 يونيو من عام 2010م، كمُنافس لموقعSpring.me  لكن غطّت شهرته على هذا الموقع.
 
حيث بإمكان المستخدم إنشاء صفحة من خلاله لإرسال الأسئلة للعديد من المستخدمين و يمكن للمستخدم أيضًا استقبال الأسئلة من الأصدقاء، أو من شخص مجهول على حسب الخيارات التي قام باختيارها، متوفر باللغة العربيّة، وعدّة لغات

بدأت الطالبة ريناد جيطان من كلية الإعلام، وابنة مدينة نابلس سرد قصّتها لحظة دخولها ذاك الموقع قائلة "فكّرت بدخول الآسك منذ حوالي سنتين، وتجربته كأيّ موقع تواصل اجتماعيّ، وكنت آنذاك في مرحلة الثانويّة العامّة، و كان دارجاً كثيراً".

تصف جيطان مستخدميّ الآسك، بعضهم يطغى أسلوب الفلسفة عليهم، وآخرون فضوليّون، وأيضاً هناك ثلّة ليست بالقليلة "أبراج مراقبة"، وبعضهم تشعر أنّه ليس قادر على مواجهتك واقعيّاً، فيستخدم المجهول لإرسال أسئلة، وبعضهم كالأقنعة تخفي الاستعارة والتزييف.

تتابع جيطان "من الممكن أن تجد آسكيّاً كلامه درر لكن واقعيّاً غير ذلك تماماً، إجمالاً هناك عيّنات تعشق إظهار فلسفتها أمام النّاس، وهناك أيضاً شخصيات آسكية تماماً واقعية هم من ستعود الفائدة القيّمة عليك إن تابعتهم".

أصناف عدّة دخلت هذا الموقع، منها من أحسنت استخدامه ومنها من أساءت فبدّلته بأسئلة له معنى قيمة لها سواء إلحاق الضرر النفسيّ بالمرسل إليها، أو التفريغ النفسي عن المرسل.

تصف ريناد جيطان مدى استفادتها من هذا الموقع قائلة "تعلّمت منه الكثير، وفتح أمامي المجال لأرى مدى تفكير الآخرين، سطحي أم واقعي أم تافه أم لاستعراض صور على الملأ، أو عبارة عن كلام لا يقدّم ولا يؤخر، هناك صفحات عابثة وفي المقابل هناك المفيدة جداً".

من خلال حسابها الآسكي استنتجت جيطان وجود المحبّين والكارهين، من يتمنّى الخير، والمنافقين من تتلّبس الأقنعة تجاعيد وجوههم لينطقوا بالخفاء كلّ قبيح، نوعية الأسئلة الموجودة هي التي تظهر مدى تفكير النّاس وخاصّة الجبناء الذين لا يستطيعون مواجهتك واقعيّاً.

وتصف جيطان الموقع أيضاً وكأنه "ورطة"، فالمستخدم يبقى منتظراً لقدوم السؤال ممّا سبّب له الإدمان الآسكيّ، من الممكن أن تجد متابعين يجدوا في إجابتك المضمون الجيّد، وهناك عدد ليس بالقليل يقوم باستغلال هذا الموقع ليشهر نفسه، ويصبح معروفاً، وله متابعين كثر، وهمّهم الوحيد جمع "اللايكات"، ليصبح عدد اللايكات مقياساً لشهرتهم.

يُذكر أن موقع الآسك يرسل تلقائياً أسئلة لكل مستخدم، هذا ما طالبت به جيطان من نوعيّة، فالأسئلة الخاصّة والشخصية لا فائدة منها، وما علاقة الآخرين بخصوصيّاتنا؟، وما سبب كل هذا الفضول؟.

"نصيحتي اتركوا موقع الآسك، لأنّك إجمالاً لن تجد منه غير ألم الرأس، والمشاكل، فمستخدمي الآسك هم من شوّهوا مبدأ ونظام وغاية هذا الموقع".هذا ما اختتمت به الشابّة، والطالبة من كلية الإعلام ريناد جيطان حديثها.

مواقف عدّة تكرّر وجودها ضمن العالم الآسكيّ، فحادثة أخرى قام بافتعالها بعضٌ ممّن تجسدت أربطة عقولهم، لا تستغرب إن وجدت حساباً آسكيّاً باسمك قام بإرسال أسئلة وإظهار اسمك لزميل/ة لك لافتعال المشاكل فيما بينكما، وردّد الحادثة بحساب آخر يحمل اسم الطرف المقابل وإرسال الأسئلة ذاتها، لكن هذا ليس بالدنيء جداً، فما تبقّى مصيبة أخرى.

تعدّدت الظواهر الأسكية، والمخجل جداً شخص قام بإرسال شتيمة أو كلمات تحمل بين خباياها الذمّ والقدح، لتجيب أنت عنها، ويرسل لك باسمه سؤالاً ينتقد من قام بإرسالها، ويحك يا أنت !..ماذا تسميّ هذا؟.

أمّا الموقف الذكيّ في هذا فاترك من يرسل لك هكذا أسئلة، وخصّص حسابك لئلا تجعل من يحمل (المجهول) يرسل لك، لا تنصدم إن كانت هذه الأسئلة من أقرب كائن كان لك، ولا تستغرب إن كان رفيقك الذي يشاركك لحظة لحظة، لا تستبعد أن تكون ضمن عالم محيط بالسيء قبل الجيد، ولا تنسى أن تأخذ الحيطة والحذر على محمل الجدّ.

من هذه النقطة بدأت، لا زلت أذكر أدقّ تفاصيلها، كان يوماً بائساً، فالامتحانات النهائية قد اقتربت، والحالة النفسيّة آنذاك على (كفّ عفريت)، توّجهت للجامعة كي أنهيّ تسليم آخر امتحان عمليّ، فدقّ هاتفي بـأسئلة عدّة، استقبلتها على محمل عدم وجودها أساساً.

كلّ حادثة تمرّ بي أستعين بنصائح أستاذ جامعيّ لي، قمت بالتقاط صورةٍ لتلك الأسئلة، وتوجهّت له، لقد كان محنيّ الرأس، ويدقّ برأسه أزرار (الكيبورد)، منشغلاً كعادته، لكن لم يمعنه ذلك من الاستماع لي مجدّداً.

"أريد أ أريك شيئاً"، "حسناً"، تنهدّ كثيراً بالآاااه، لم يستغرب من هول تلك (القذارة البشريّة)، أعاد الهاتف، وضحك قائلاً "وكأنّك لم ترِ شيئاً على الإطلاق، هيّا عودي واذكري أن هكذا تصرفات حليفٌ للتميّز، ابقي كما عهدتك".

لكن استفزّني الفضول فأردت معرفة السائل، فتوجهت للمختصيّن بموضوع الجرائم الإلكترونية، لأحصل بعد يومين على هويّة المرسل لها، حسناً لا بأس، معرفة العدوّ أفضل من الجلوس كغبيّ يتضاحك هنيهة وهنيهة، والتعامل بمبدأ (التغابي) أيضاً جميل.

تذكر الشابّة المقدسيّة، ابنة كلية الإعلام ميّادة عليّان "الآسك أداة يمكن الاستفادة منها أو إلحاق الأذى من خلالها، جميل أن نتابع الأصدقاء وغيرهم، وبالتالي نستفيد من المعلومات التي ينشرونها سواء أكانت ثقافية، أم أدبية، أم صحية، ودينية أو على نطاق الصور، وغير ذلك".

تضيف عليّان "هناك آسكيّون توجد لهم أهداف غير شريفة يستقصدون الآخرين، ليبدأوا بإرسال أسئلة وعبارات غير لائقة، وهذا لا يدل إلا على جهل الشخص نفسه، وتفاهته على عكس ما يظن أنّه انتصر".

تختتم عليّان "إن لم يخف الإنسان من رقابة الله فلا داعي أن يخاف من الناس ورقابتهم، وأقول لكل شخص (ضع مخافة الله بين عينيك) ".

يتحدّث المتخصص في علم الفقه والتشريع الشيخ عمّار منّاع "موقع الآسك هو سلاح ذو حدين، يمكن استخدامه في أمور نافعة وبإيجابية كما يمكن استخدامه بشكل سيء وبسلبية، وللأسف الشديد أن كثيرا من الشباب يستخدمونه سلباً ويستغلونه لإقامة العلاقات مع الجنس الآخر أو لمضايقة الناس بحيث يستغلون السؤال كمجهول".

يضيف منّاع " لكنني لمست فيه الجانب الإيجابي، وهو بكونه يتيح السؤال كمجهول، ممّا فتح المجال لكثير من الشباب الذي يملك أسئلة يخجل من طرحها مباشرة أو لا جد من يسأله، وهنا كان الكم الهائل من الأسئلة التي ترد، والتي زادتني إصراراً على العطاء، واستخدام هذا الموقع".

وعن طبيعة الأسئلة التي تصل لفضيلة الشيخ من خلال حسابه الآسكيّ فهي متعددة، وتحمل مواضيع مختلفة وفي عدة جوانب، الفكر والعقيدة، فقه العبادات وفقه المعاملات وأسئلة متعلقة في الأسرة والأحوال الشخصية، لكن أغلب الأسئلة شبابية في الجانب النفسي أو الاجتماعي أو الحياتي والتعامل مع الواقع، وتحتل الحياة العاطفية والجنس والعلاقات بين الجنسين جانبا كبيرة ومساحة واسعة من الأسئلة.
 
يتابع منّاع " إجابتي لهذه الأسئلة تختلف بحسب السؤال وصياغته، وأحاول أن أصل إلى ما يرمي إليه السائل، وأحاول الموازنة بين الجانب الشرعي والجانب النفسي ومعطيات الواقع، وخطاب الشباب بلغة محببة قريبة من نفوسهم، بشرط أن لا يؤثر ذلك على المواربة في الإجابة".
أمّا عن المعايير التي يستخدمها فضيلة الشيخ عمّار مناف فتتلخص أولاً في الجانب الشرعي، ثم الواقع وطبيعة السائل، ومستوى الالتزام عنده، كل ذلك يقوم بصياغته بلغة قريبة من الشخص وبتجديد الخطاب الشرعي وإعادة فهم الإسلام بعيداً عن الموروثات الخاطئة.
 
وعن مدى الاستفادة من هذا الموقع فيذكر الشيخ عمّار منّاع أن موقع الآسك أضاف له كثيراً، وتشكلت صورة أكثر وضوحاً عن الشباب واهتماماتهم وقضاياهم وما يحتاجون إليه، وجعل تعامله أكثر واقعية، وأصبح أكثر تفهماً لاحتياجاتهم، وازداد يقيناً أن الشباب طاقة كبيرة مغيبة وليس هناك من يرعاهم ولا من يأخذ بيدهم ويرشدهم، وأنهم في الحقيقة ليسوا مجرمين بل هم ضحية واقع.

كما يوجّه منّاع رسالة إلى شباب المجتمع، فهم عماد التغيير وأمل الأمة، عليهم أن يقودوا المرحلة ويكونوا عند مسؤولياتهم، وينظروا لأنفسهم على أنهم محور المجتمع والفاعلين الحقيقيين فيه، ويدعو قطاعات المجتمع المختلفة ومؤسساته المتنوعة أن تأخذ دورها في استيعاب هؤلاء الشباب والاهتمام بهم وبقضاياهم.
 
من الجدير بذكره أنّ للشيخ عمّار منّاع برنامج يختص بموقع الآسك إف إم قام
بعرض فكرته على تلفزيون وإذاعة الفجر الجديد، بعد أن وجد كمّ الأسئلة الهائل الذي يرده على حسابه الآسكيّ.

حيث قاموا بالترحيب بالفكرة وشجعوها وتبنّوها، ليكون أول برنامج اجتماعي يهتم بقضايا الأسر والشباب ويعالجها بصراحة وشفافية ويقتحم بعض المسائل التي كان الكثير يتردد في طرحها.

يتناول الشيخ عمّار منّاع في بداية كل حلقة موضوعاً هاماً للحديث عنه لمدة ربع ساعة تقريباً، ويكون موضوعاً مهماً من خلال حادثة أو موقف أو اقتراح أحد المشاهدين.

ثم يبدأ بتناول الأسئلة، وهي على قسمين: الأول أسئلة ترد من خلال الاتصال الهاتفي على أرقام البرنامج، والثاني أسئلة يختارها من بين الأسئلة التي ترده على موقع الآسك، ويحرص على اختيار الأسئلة الاجتماعية الأسرية والشبابية غالباً.

إن كان يجول ببالك سؤال، فلا تتردّد بسؤال فضيلته، وإن كنت ناجحاً لا تنزعج إن تمّ التهجم عليك، فنحن في مجتمع يأبى أن يشجع الطموح، ويحرص على تثبيطه، لا تشعر بالهزيمة، وتنحّى بعيداً عن اليأس فأنت محاط بذاتك، قم للعليا، وازرع الخير، وباقات الحبّ، والتفاؤل.

 انزع بذور الحقد، وهلمّ هيّا بنا، اغسل يديك برائحة من شجيرات العنبر وزهر الأقحوان، لا تدع يا زميلي ، وأخي، وابن وطني من يغوص بك إلى العمق، فأنت وجميعنا نستحق الجلوس في الأعالي.

و إن اجتاح عالمك السيء اذكر أنّ الكثير يحبّك، سيدّعون أنّ أسلوبك مخطئ، دعك منهم، والتفت فوقاً، للرقيّ، فأنت نفسك، كن لها جميلاً لتقطف لك أزهاراً وورود.

وعدتُ أدراجي مرّة أخرى لريّ حوض الورود، سينبت ويزهر كل الجمال لو عبّئ بحوضٍ لأشواك، وسنكون يوماً ما.. ما نريد لأنّنا نريد، بالإصرار والعزيمة، ولا تنسَ "إن مرّ يوم ولم تتلقى المشاكل فأنت في الاتجاه المخطئ، حسناً يا أستاذي لقد علقتها قرطاً في أذني".