"دعاء" يرقد جسدها بين خيالات وبعض من شعوذات مفتعلة

الخميس 24 سبتمبر 2015

"دعاء" يرقد جسدها بين خيالات وبعض من شعوذات مفتعلة
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد - قصة صحفية - إيمان فقها: "وكنت أقلّب بعضاً من الصفحات ريثما تنهي والدتي إعداد الطعام، سرت خطوتين عازمةً وضع حقيبتي حتى شعرت بدوارٍ بسيط، لم يكن لأوّل مرّة ولكن كنت أظنّه من شدة الإرهاق، حتى وجدت نفسي ملقاة بين جدران تلوح منها رائحة الدواء"، هنا بدأت دعاء سرد قصّتها.

كان ضوء الحياة معتماً، لم يكن الجو السائد لولادة دعاء – اسم مستعار- فرحاً، فشهر تشرين الثاني أردى بوالدتها لتشحن طاقتها بكثير من السلبيّات، فقد كانت تعيل فلذات أكبادها بصناعة بعض من سلاسل القش وبيعها أمام عتبات البيت.

ولأنّ بعض القلوب ضيقة الصدور، مليئة بشغف الحياة وترفها، لم يُنظر لعائلة دعاء بشيء، بل ازدادت المشكلات لترغم على ترك صناعة السلال والبدء بمشوار عمل آخر لم تتعرض من خلاله إلا للذلّ والإهانة، كيف لا وهو "العمل داخل المنازل" !.

خمس سنوات وعدّة أشهر انتقلت خلالها والدة دعاء لتعود مساءً ببعض من الخبز والخضار تملأ تلك البطون الفارغة منذ الصباح، لم تمدّ يد واحدة لتسعف رمق الجائعين، ولم تنطق شفة واحدة قائلة "كان الله بعونك"!.

كبرت دعاء، والتحقت بمدرسة شابَ فيها السيء كثيراً، وارتوى ليصدّ من عاث الفقر به منحى ومنحى، لم تأبه بفارغي العقول، فكانت الطالبة المتفوقة، المجتهدة والتي أنهت مرحلة الثانوية العامّة بتقدير "ممتاز".

وببعض من قروض هنا وهناك، التحقت بكلّية لتحصل على المرتبة الأولى بتقدير "امتياز"، ولتزيح عن والدتها بعضاً من دثر الحياة وفقرها.  

التحقت دعاء بمصنع لتغليف الشوكلاتة كي تجلب لنفسها أجرة المواصلات، وتدّخر بعضاً من النقود لوقت الحاجة، حتى بدأت تلك الحادثة التي رمت جسدها منهكاً بين أروقة المستشفى منذ ثلاثة أشهر.

إنّها الخامسة مساء، شعرت دعاء ببعض من الدوار يجتاح رأسها، تمالكت نفسها، ولم تدرك أن ذلك ناجع عن أمر ما، فإرهاق العمل والدوام الطويل قد يكون سبباً في ذلك.

بدأ الأمر يزداد حيناً وحيناً، حتى تثاقلت عليها خطواتها، حيث تذكر "لم يعد باستطاعتي ملامسة ورقة واحدة للدراسة، يداي بدأت تتشنّج، وعيناي احمرّتا، وجسدي أصبح ضعيفاً، وهشاً".

انتقلت دعاء من مستشفى لآخر، وكانت نتيجة التحاليل الطبيّة سليمة للغاية، احتار الأطباء بموضوعها، لكن لم يستطيعوا فعل شيء بتاتاً، فكان المهدئ السبيل للخلاص من وجع رأسها.

وكانت تتكئ على وسادة لفت برائحة دواء مخدر، أدارت رأسها بصعوبة فحدّثتني قائلة "عدت من المنزل، وضعت كتبي، وبدأت بتحضير نفسي لدراسة الامتحان، لففت ظهري فوجدته، كنت أظنه خيالا، ولكن تالله كان كالشبح، لقد قال إنّني جانّ وأريد مساعدتك".

تضيف دعاء "بدأت الصراخ، صرخت كثيراً وكثيراً، لكنّه بدأ يقترب ويقترب، حتى شعرت أنه لاصق جسدي، وتهالكني النوم حتى استيقظت باكراً، فظننته حلماً فقط ".

واستمرّ الخيال يلوح بجانبيّ دعاء حتى قسا الأمر فباتت ضربات قلبها تشتدّ وتشتدّ، حُمِلت دعاء بإسعاف طارئ، وانتقلت للمكوث في العناية المركزّة طويلاً، حتى خرجت قبل أيام عدّة لتكمل مشوارها العلاجيّ.

تعرّفت على دعاء خلال زيارتي لإحدى الصديقات خارج مدينة طولكرم، انتظرت ريثما ينتهي موعد إعطائها الحقنة، تجوّلت بين أروقة المستشفى، فوقع بصري على امرأة تمكث بزاوية وحدها، شعرت أنّ شيئاً ما يخطو بجسدي نحوها، استفزّني الفضول، حتى ذهبت للجلوس جانبها.

تلك التي بانت تجاعيد وجهها وكأنها حفرت من بين شرايين جسمها، بائسة، حزينة، ورأسها يطأطئ في الأسفل، ومن الأسود اكتحل جسدها، حاولت بصعوبة استفزاز الكلام منها، حتى سألتني "من تكونين يا ابنتي؟"، "أنا طالبة صحافة في سنتي الأخيرة، وجئت زيارة لإحدى الصديقات".

شدّت على يدي، أحنت رأسها إلى كتفي، وبدأت البكاء، لقد سردت ما رويته في الأعلى كاملاً، واستطعت الحديث مع دعاء لنصف ساعة فقط.
والد دعاء انفصل عن والدتها، وترك لها عبئاُ ثقيلاً، حاولت طلب المساعدة من أشقاء وشقيقات زوجها لكن هباء.

وعن حالة دعاء تقول والدتها "بعد الانتقال من مستشفى لآخر، لم يكن بأيدينا سوى الاستعانة بشيخ يتلو القرآن عليها، وهذا ما فعلته، لنصدم أنّ أحدهم قد استعان بمشعوذ لتصل إلى ما وصلته الآن".

يُذكر أن أقرباء والد دعاء حسب ما ذكرته والدة دعاء، وبعد اعتراف من أحدهم، قد استعان بمشعوذ ليفتعل سحراً يوصل دعاء لهذه الحالة الصحية.
وتركت والدة دعاء تحتسي ألمها، وحديث لسانها يقول "لما تسكر الباب يا بنتي سكر قصص كتيرة، قصص كتيرة".

دعاء تنتظر الخروج من المستشفى كي تلتحق بالفصل الجامعي الأخير، لم أرها إلا فتاة قويّة، يلمح الذكاء منها قوة رهيبة، فرغم عتمة الليل، ما زال هناك بصيص أمل يشع من بين جنباتها.