زغردي يا أمّ الشهيد !

السبت 17 أكتوبر 2015

زغردي يا أمّ الشهيد !
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد - ايمان فقها: إنها العاشرة صباحاً، بدء موعد لمحاضرةٍ كئيبة، لا تحمل بين طيّاتها سوى ألمٍ في الرأس، دقّ الهاتف معلناً وصول رسالة جديدة، حاولت التخفّي كي أرى ما هناك "إنه شهيد..شهيد في فلسطين، ها هي فلسطين تزف شهيداً، لقد رحل..رحل".

هي خمس دقائق أو أقل بقليل، لا بأس، "هيا ارتدي ملابسك يا ابني، أريد أن أراك عريساً قبل زفافك"، فحادثها قائلاً "صبراً يا حبيبتي، غداً لقاؤنا، لا أريد أن أعيد ترتيبها مرة أخرى".

"أرجوك يا ابني، أريد أن أراك الآن"، "حسناً يا والدتي، سأرتديها"، لقد ارتدى قميصه الأبيض، وبنطاله الأسود، ولفّ رأسه بعصبة حمراء، وحمل بين يديه ورقة خضراء، فمزج جسده بألوان فلسطين.

باتت على ملامحها تقاسيم حزن، واستعجلت دقات قلبها بالخفقان أكثر وأكثر، حملت هاتفها، دقّت، ودقّت، ودقّت محاولة الوصول إليه، لكن لم يجب أحدٌ على هذه المكالمة.

"يمّا يا حبيبي، يلا ردّ، يما يا حبيبي، يلا"، آااه يا أم الشهيد لقد فاح دمه عطراُ بين أرجاء فلسطين، روى العزّة، واستنشق منها باقة فخرٍ، انتصر لكرامة عبثت بها وجوه صهاينة جبانة، فهيّا علوّاً بصوتك زغردي، زغردي يا أم الشهيد.

هي الصورة ذاتها، المشهد ذاته، والوجع نفسه، الذي تودّع به كل أمّ مكلومة وجه ابنها، فأنفاسها تتسارع، لتصل للاحتلال الإسرائيلي أنّنا هنا باقون رغماً عنكم، ورغماً عمّن باع فلسطين ليقطن بين سيارات فارهة، وأموال طائلة قد تشبع بطونها الجائعة دوماً.

وفي جنازة كلّ شهيد لا يرمق عينيك سوى نظرات والدته المعبّقة بالقوّة والصبر لترفع، ويصدح صوتها فخراً بشهادة فلذة كبدها، وإن كان وحيداً بعد مشقة لإنجابه.

لم يعد الآن موجوداً، لن تعدّي له بعد اليوم طعاماً، ولن توبخّيه على تأخره في العودة، لقد غاب، غاب للأبد.

وبين أركان كل زاوية فاح مسكاً وعنبر، هي صورته، وتلك حقيبته، وذاك زيّه المدرسيّ، وها هي ورقة خطّ عليها "بحبك يا أمي، بحبك يما، سامحيني".

ها قد لفّ جسده بياضاً، قبّليه، وزفيّه شهيداً، وانتظري يوم القيامة لتعود فرحة لقياكم سويّاً بالجنة، إذن زغردي، فابنك شهيد، أرجوك لا تقطري وجهك بدمعاتٍ، فهو ينتظر يدين ترفع دعواتها للسماء، لله.

وداعاً يا شهداء الكرامة، وداعاً يا أحبابنا، وداعاً يا شقّ الحرية، وداعاً.