تحقيق | 750 شيقلاَ تطرق باب الضمير: الشؤون الإجتماعية مؤسسة تخفي بداخلها مأساة النابلسيين

الإثنين 19 أكتوبر 2015

تحقيق | 750 شيقلاَ تطرق باب الضمير: الشؤون الإجتماعية مؤسسة  تخفي بداخلها مأساة النابلسيين
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد - تحقيق رناد جيطان و نسيم الشخشير: يقولون، البيوت أسرار!، وفي كل بيت دخلناه سرّ يختلف عن غيره بكثير، لكن الشيء الوحيد المشترك بينهم هي الحاجة.

عائلات مهملة، أطفال محتاجين، مسنين مرضى، نساء عاجزات ورجال غدرهم الزمن فأضحوا بلا مصدر دخل يعيلهم هم وزوجاتهم وأولادهم.

خطف وضعهم أنظارنا وجذبنا إليهم، والإهمال الذي يلاقونه من الجمعيات والشؤون الإجتماعية والجهات المعنية بهم، وارتأينا أن نسلط الضوء عليهم مما دفعنا إلى أن نطرق بابهم ليكشفوا لنا عن ستارة من ستائر أسرارهم. وبكل ودّ رحبوا بنا، وبدأت كل عائلة بسرد قصتها علينا والدمع يملأ أعينهم، والحزن يسكن قلوبهم، وأملهم بأن يتحسن وضعهم كالذي يرى سراب في صحراء قاحلة، لكن، آملين من الله أن يبدل حالهم إلى أحسن حال.

 تخللت جولتنا، بالإضافة إلى زيارة عدد من الأسر الفقيرة، أيضاَ زيارة الشؤون الإجتماعية وجمعية المرأة الحديثة في محافظة نابلس.

بدأت مديرة الجمعية السيدة ريما العالول حديثها عن الجمعية وعن المساعدات التي تقوم بتقديمها إلى الأسر المحتاجة وعن مصادر هذه المساعدات التي تتنوع، فمنها ما هو من أهل الخير، ومنها ما هومن أهالي طلبة مدرسة طلائع الأمل الثانوية التابعة للجمعية، إذ تعتمد بشكل أساسي عليهم بجمع التبرعات من مصادر محلية فقط، إذ ليس لها علاقة بالمساعدات الخارجية أو مؤسسات دولية.

ومن هذه المساعدات النقود، إذ تتراوح ما بين 50-250 دينار لكل أسرة، وما يحدد هذا المبلغ هو عدد أفراد الأسرة ووضعها المادي ومصادر دخلها، وباللإضافة إلى النقود، فإنها تقوم بتقديم المؤن والملابس وغيرها من الحاجيات والمستلزمات.

وفيما يتعلق بالشؤون الإجتماعية، قامت نائبة المديرة السيدة تحرير شاهين باستقبالنا عوضاَ عن المديرة، وطلبت منّا كتاب رسمي مفصل يوضّح حاجتنا بالتفصيل، وذلك من أجل أن تسمح لنا وزارة الشؤون الإجتماعية بتزويدنا ببعض المعلومات حول المساعدات التي تقدّم إلى المحتاحين، لكن في الحقيقة لم تكن استجابة الوزارة لمطلبنا سريعة مما أدى إلى تأخير مهمتنا حوالي أسبوعين.

وحين تم الموافقة، تمّ تحويلنا إلى قسم الفقر وقامت مديرة القسم السيدة حنان عداربة بتوضيح دور الوزارة.

إذ تقوم باستهداف الأسر تحت خط الفقر أو الناس الذين لا يملكون مصدر دخل، ويعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات، وتشمل أيضاَ الأرامل والمطلقات، والحالات الطارئة مثل ترميم المنازل، والعلاج وغيرها الكثير من الخدمات التي نسمع عنها..

وتمنح الوزارة تأمين صحي للعائلات المحتاجة بشرط أن يكون هناك تأمين صحي موثق من مستشفى حكومي يوضّح الحالة.

أما بالنسبة للمساعدات المالية فتتراوح ما بين 750-1800 شيكل كل 3 أشهر، وذلك يعتمد على المستوى المعيشي للعائلة وعدد افرادها والأفراد العاملين فيها. كما يتم اعطاء كل عائلة كرت مؤن يطلق عليه اسم "كرت صحتين" والذي يتم عن طريق البرنامج الغذائي  العالمي. وأيضاَ يتم توفير فرص تعليم مهن للمحتاجين لمن هم ما دون سن ال18.

وتضيف المديرة أنه يوجد نظام شركات حماية يساعدهم بالوصول إلى الأسر الفقيرة جداَ، مع العلم بأنه يوجد أسر لا تعرف شيء عن الشؤون الإجتماعية وعن المهام الموكلة إليها والمساعدات التي تقدمها للناس أمثالهم.

ومن الجدير بالذكر أن الشؤون الإجتماعية لم تتعاون معنا بالشكل المناسب، مما اضطرنا  إلى اللجوء لجمعية المرأة الحديثة وجهات أخرى مثل الدكتور محمد دويكات، والدكتور علاء مقبول الذي لم يتعاون معنا أيضاَ، وذلك من أجل الإستفسار عن هذه الحالات.

إلا أنه في اليوم الأخير لنا، حصلنا على موافقة إجراء مقابلات مع مديرة قسم الفقر وعائلة واحدة فقيرة فقط، واشترطوا علينا أن نذهب بصحبة مرشدة اجتماعية تابعة للوزارة من أجل زيارة العائلة، بحيث برروا ذلك بقولهم انها توصيات من الوزارة!

بدأ مشوارنا مع العائلات الفقيرة مع عائلة بسيطة حياؤها وعزة نفسها لم تسمح لها بالكشف عن أسمائهم ، واكتفوا بالحديث عن وضعهم دون ذكر اسمهم الصريح.

هي عائلة مكونة من 5 أفراد، حدثنا الزوج والدموع تملأ عيناه عن حالته، وقال أنه يعاني من شلل بقدمه ويده مما جعله أسيراَ للكرسي المتحرك، ليكمل ما تبقى من عمره بين عجلتين ومقعد اسفنجي غير مريح، إذ تعرض منذ خمس سنوات إلى حادث أودى به لهذا الوضع السيء الذي منعه من الحركة والعمل لإعالة أسرته.

 أما الزوجة فلا تعمل، وأحد أطفال العائلة يعاني من خلع ولادة في يده اليسرى وهو بحاجة لعملية لكنهم لا يملكون المال لإجرائها، وتحدثت الزوجة عن المعونات التي تصلهم وهي عبارة عن شيك بقيمة 750 شيقل تأخذه من الشؤون الاجتماعية كل 4 أشهر، كما أنها تحصل أحياناَ على اللحوم من لجنة الزكاة في المناسبات فقط، ويعتبر هذا هو مصدر الدخل الوحيد للعائلة. وتضيف أيضا أن الشؤون الإجتماعية غير متعاونة معهم بما يكفي، كما طالبوا بكرسي متحرك جديد للزوج منذ فترة إلا أنهم لم يستجيبوا إلى طلبهم حتى الآن.

ثم بألم فاجع فوجئنا بأسرة أخرى مكونة من 7 أفراد، 4 فتيات وولد والزوجة حامل، إحدى تلك الفتيات ذات ال5 سنوات تعاني من السرطان في الدم، والذي زاد من الألم أن الزوج قد حاول الإنتحار من الطابق الرابع منذ حوالي 5 أشهر بطولكرم، وذلك بسبب يأسه وعدم قدرته على مجاراة الحياة، مما أدى إلى حدوث 4 كسور برأسه وبمناطق أخرى بجسده.

كان الزوج يعمل على بسطة متواضعة، وعندما صدر قرار البلدية بإزالة البسطات، كان بمثابة نقطة النهاية بالنسبة له، مما دفعه إلى محاولة الإنتحار، وتقول الزوجة " ما إلنا غير الله ، اليوم إلي بدخل علينا أكل مناكل، وإذا ما دخل ما مناكل " أما بالنسبة للمعونات التي تصلهم فهي قائمة على شيك بمقدار 750 شيكل كل 4 أشهر و30 دينار من الزكاة في رمضان فقط بالإضافة إلى لحوم، وتضيف بأن هذا المبلغ غير كافي بتاتا لإعالة عائلة مكونة من سبعة أفراد والثامن على الطريق، واثنان منهم حالات خاصة.

إذ يتم صرف مبالغ كبيرة على ابنتها التي تعاني من سرطان الدم والتي تتلقى العلاج في مستشفى النجاح في نابلس، وأيضا على أدويتها التي لا تحصل عليهم بشكل كامل من الصحة، وأحيانا هم لا يملكون حتى المال الكافي الذي يسمح لهم بالوصول إلى المستشفى، كما انهم يعانون من انقطاع مستمر في الكهرباء بسبب عدم قدرتهم على تسديد الفواتير.

ثم استوقفتنا حالة جديدة مخبأة بين أزقة نابلس العتيقة، عائلة صغيرة متواضعة مألفة من 4 أفراد، الزوج فيها لا يعمل إذ يعاني من مرض نفسي يعالج على اثره في قسم العلاج النفسي في الصحة منذ 5 سنوات، كما أنه يعاني من السمنة الزائدة مما يعيق حركته بشكل كبير، أما الزوجة فهي لا تعمل، والأطفال لا زالوا في المدارس.

وصفت الزوجة تعامل الشؤون الإجتماعية بقولها " بتعاملوا معنا من فوق مناخيرهم وما بتعاونوا معنا بالمرة "إذ يتقاضوا فقط 750 شيكل كل 4 أشهر والقليل من اللحوم من الزكاة في المناسبات، ومبلغ 50 دينار في رمضان وذلك مرة واحدة فقط حيث قام الدكتورعلاء مقبول بإعطاء الزوج إياهم.

وحين أكملنا طريقنا برفقة المرشدة الإجتماعية، طرقنا باباَ حديديَ يكاد الصدأ يخفي معالمه، وأثناء طرقنا له، وإذ بشاب بسيط تخفي سمنته صغر سنه، رحبّ بنا وأدخلنا للقاء والده الذي بدأ يصف لنا حاله، فوالده رجل معاق يعاني من شلل الأطفال منذ عام 1964، ولقد أجري له 42 عملية حتى الآن، 10 منها في القدم اليسرى، وتحتوي قدمه أيضاَ على البلاتين.

 وفي عام 1983 تعرض لانفجار قنبلة بجانب قدميه مما جعل حالته أكثر سوءاَ، والسلطة الفلسطينية لم تعوضه إلا بتأمين صحي له وزوجته فقط، ويأخذ عدد من الأدوية، منها أدوية الأعصاب، كما أنه منذ 20 سنة وهو يعاني من أمراض نفسية.

يعمل الزوج في كراج سيارات 3 ساعات في اليوم حتى يتعب ويقوم بتسجيل اللوحات ويؤجر على عمله من 5-20 شيكل يوميا إن وجد حيث يكافأ على عمله ب150 دينار شهريا.

 ويبلغ عدد أفراد العائلة 5، الزوجة لا تعمل والابن الكبير (علي) يعاني من سمنة زائدة ويحتاج لعملية ربط معدة وهو أيضاَ مصاب بقدمه اليسرى منذ الصغر بسبب وقوعه عليها، وبسبب سمنته الزائدة هو يحتاج لعملية بلاتين كل سنة.

 وابنته سندس البالغة من العمر 18 تدرس في مركز الشؤون قسم الكمبيوتر، وتحصيلها العلمي سيء بسبب البطء في التعلم لديها، وهي تعاني أيضاَ من سمنة زائدة وتحتاج لعملية ربط معدة.

 اما عن اجرة البيت فهي حوالي 1000 دينار، ولا تقوم أي جهة بمساعدة العائلة ما عدى الشؤون الاجتماعية تقوم بمساعدتهم ب750 شيكل كل 3 شهور، إلا أنهم يعتبرون هذا المبلغ غير كافي كمصدر دخل لإعالة أسرة محتاجة.

كما أضاف بأن الابن يحتاج لعملية تكلفتها 5000 دينار، وهو يحتاج عكازات حتى يتمكن من المشي بطريقة أسهل، وقد وصف آخر مرة تعامل فيها مع الشؤون بقوله "عاملوني بجلافة وقسوة شديدة وحسسوني بالشحدة ".

وأخيراً وليس آخراً، كان ختام جولتنا القصيرة عائلة كبيرة مكونة من 7 أفراد، الأب وظيفته عامل يعمل حسب توفر العمل من تنظيف أو تبليط وما شابه من المهام، وعمله متقطع وليس دائم. الأم لا تعمل لأنها تعيل 5 أولاد، أكبرهم علي البالغ من العمر 18 سنة، وهو شبه معاق بسبب تعرضه لنقص في الأكسجين لديه، مما أثر على نطقه واستيعابه. وهو في البيت لا يذهب للمدرسة ولا يعمل، وقد حاولت أمه أن تقدمه لمركز الشؤون لتعليمه حرفة معينة فقد رفضوه لأنه ليس سليم 100% وليس معاقا 100% بل هو في المنتصف، وكان علي يتدرب في الهلال الأحمر لكنهم أوقفوه عند بلوغه سن معين، بسبب عمره وأنه قد وصل سن البلوغ.

لدى علي تأمين من اتحاد المعاقين ، تصلهم مساعدات من الزكاة في الأعياد ورمضان والمناسبات فقط، وقد طلبت الأم المساعدة من دكتور علاء مقبول ورفض قائلا "نحن نساعد الايتام فقط "، أما من جهة الشؤون فقد كانت تصلهم مساعدة بقيمة 750 شيكل كل 4-5 شهور وكرت مؤن وقد قطعوا المساعدة بسبب عمل الأم في مدرسة كبديلة لآذنة حامل وفي شهر الولادة، وقد عملت في المدرسة قرابة ال57 يوما فقط، مما أدى إلى انقطاع المساعدة وكرت المؤن عنها وعن عائلتها،  إلا أن العائلة أصبحت تملك فقط تأمين انتفاضة الاقصى الصحي للعاطلين عن العمل، ووصفت الشؤون الإجتماعية "بالمهملين".

كما أنها تناشد المعنيين بمساعدتها بإيحاد جمعية أو مهنة أو عمل مناسب لابنها المعاق، عوضاً عن جلوسه عاجزاً في المنزل.

هكذا، انتهت رحلتنا بكشف الستار عن بعض أسرار هذه العائلات، والتي تعتبر مثال صغير جداً عن بعض العائلات المحتاجة والمستورة داخل أربعة حيطان والتي لا يعلم ما بين ثناياها إلا الله.

وكأن الذي شهدناه من زياراتنا هذه طرق باب ضميرنا وطالبه بالاستيقاظ، بالوقت الذي ننعم فيه نحن مع من نحب ونصرف فيه نقودنا بلا ترشيد، هناك عائلات أخرى تعاني وتبذل الكثير من أجل الحصول على شيقل واحد فقط..

ومن هنا قررنا أن نبدأ بجمع التبرعات التي يمكننا الحصول عليها سواء من الأهل أو الأصدقاء أو الجهات المعنية، وغيرهم الكثيرين، حتى لا نكن عنصر غير فعّال بالمجتمع، بل عنصر له دور ولو بسيط جداَ في مساعدة الغير.

علماً بأن هذه الحالات تكاد لا تذكر بالمقارنة مع غيرها الكثير الذي لازال مخفي عن الأنظار، فغنيّ بخيل أفقر من متسوّل.