من عنبتا إلى نابلس..وحكاية أمّ مكلومة !

الجمعة 23 أكتوبر 2015

من عنبتا إلى نابلس..وحكاية أمّ مكلومة !
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد - إيمان فقها: هي دقّات لساعةٍ تقارب الثامنة والنصف، ومشوار الوصول من عنبتا إلى نابلس هو ذاته، ف يا لحظك السيء إن التقيت بشخص ثرثار يكوي طريقك بحديث فارغ، ويا ويلتك إن كان الجو حارّ والسائق امتنع عن إدارة المكيّف.

أمّا إن كنت تحمل بيدك ورقة "مئة شيكل، مئتين"، فلن تستمع إلا لتوبيخات صباحية طول الطريق (من وين بدي أجبلك فراطة، من الصبح وأنا مضيع الشواكل عليكم).

ولا تبتئس إن شاهدت أحدهم يشعل (سيجارته) لتفوح رائحة كريهة تدوي الجوّ مرارة، "أيا هذا، ألا يكفينا جلّ الروائح الكريهة التي تمرّ بنا، كفاك"، وعن حاجز "عناب" فستدعو ألًا يكون مغلقاً، وتتأخر كثيراً عن محاضرة التاسعة صباحاً.

وإن التقيت بعجوز ف يا لأحاديثها المعبّقة بكل جميل، إنّه بداية ليوم يشعّ فرحاً، ستدلي من خبرتها عليك الكثير، وتروي من شهد كلامها ما يقطر قلبك سعادة، وبهجة.

لكن كلّها لا تركن جانب أمّ استيقظت صباحاً وعينيها تقطر دمعاً راويةً حكايتها لبرنامج إذاعي صدحت رنّته طيلة الطريق، هو ابن تعثّر قلبه كسكيّن شمطاء، فرفع يده ملّوحاً على وجنتيها بالضرب، وأدلى لسانه بكلماتٍ لا تحمل سوى فقد لإحساسٍ ميت، وضمير معدوم يأبى الاستيقاظ، أو ينتظر صحوة معبّقة بشعور لحظيّ لفقدانها دائماً.

هي لم تنتظر منك يوماً أن تتغنّى بها في الواحد العشرين من شهر آذار، ولا أن تقول لها "ست الحبايب يا حبيبة"، أو أن تغلّف هديّة لتتذكرك بها، أو تقبّل يديها صباحاً، وتوّدعها مساء لترنو إلى نوم جديد.

هي تقلّب نومها ليلاً مرّات عديدة لتتفقد نومك، هي تستيقظ صباحاً لتدعو قائلة "حبايبي يا أمّي، الله يوفقكم، ويرضى عليكم، ويرزقكم الخير، الله يسهلكم أموركم"، هي لم تغفل عنك عقب كل صلاة، هي لم تغلق هاتفها لحظة كي تطمئن عليك وأنت بعيد.

هي تعيد تفكيرها ساعات وساعات كي ترضي الجميع بطعام يستهوي أفواههم، هي لا تنسَ أن تغسل ثيابك التي لوّحت بيدك ملقياً إياها تحت سرير غفوت عليه، هي إن عدت إلى المنزل ستجد مكتبتك التي ارتطمت بها الكتب ناحية وركناً بترتيبها الجديد.

وبعد هذا كلّه لا تجد منك إلّا كلمات مشبعةٍ ب (أفّ)، وقد تصل إلى تدمير كلّ ما كان أمامك إن وجدت شيئاً ما كان ناقصاً، فأين بتفكيرك يا هذا؟، وأين نسيت أو تناسيت عقلك بعد هذه الكلمات البذيئة؟.

وصلت الجامعة، وعلى كتفي حملٌ ثقيل، ها هي ساحة الشطرنج في كلية القانون تعجّ بالطلاب، تفقدت هاتفي المحمول، محاولة إرسال رسالة تحمل "أحبك يا أمّي"، ولكن كان الرصيد عقبة لإيصالها، تأملت ذاتي وقلت "كيف لي أن أحيا بعيدة عنك يا والدتي؟، وكيف للكون أن يكون له طعم وأنت غير موجودة؟".

حافظ على نعمة وجود أمّك يوميّاً، وتذكر بؤس من فقدوا أمهاتهم، وتمنّوا دقيقة لعودتها، وقل لها صباحاً "أنت الحياة، وأنت سرّ السعادة"، قبّلها وأشعرها بالحبّ، ولا تنسَ شعور لذّة فنجان القهوة وأنت محاط بأروع إنسانة ستمرّ بها وأنت على قيد هذه الحياة.