دموع القهر أكثر ملوحة من سواها..!! الحسناء الكرمية: لا تعرف المستحيل وتؤمن بأن لا حياة مع اليأس

الخميس 12 نوفمبر 2015

دموع القهر أكثر ملوحة من سواها..!! الحسناء الكرمية: لا تعرف المستحيل وتؤمن بأن لا حياة مع اليأس
التفاصيل بالاسفل

السكون هو آخر فصول الألم، لكن الهدوء بات موتاً بطيئاً أشد ألماً، في وجهها سحرٌ على رقةٍ، وقلبها يرق له قلب الصخر، صوتها شجن ناعس،وفي عيناها ألف حكاية ورواية، كلها نسجت من ماء الألم، حتى البريق اللامع الذي كان يشع من  تلك العينين الساحرتين أنطفأ، فلم يعد لسحر عينيها جمالاً سوى الحزن الممزوج بالغصة والوجع، لكنها تحدت الألم والمعاناة لتجسد منه طيفاً يرشدها للنجاح والحب، تاركةً ورائها نظرات دنيئة من مجتمع معاق معيق، فالإعاقة العقلية أشد ألماً ووطأة من غيرها.

حسناء كرمية ذات جذور شوكية، تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً، طالبة بالصف العاشر تدرس في مدرسة القبس للإعاقة البصرية في مدينة رام الله، المدرسة التي تقدم العديد من المناهج الدراسية بلغة بريل، حيث تملك حسناء عمر البعض من مقتنيات الكفيف من آلة بريل ومصحف لتلاوة القرءان الكريم،وأيضاً جهاز الحاسوب الذي حصلت عليه بتبرع من سيادة الرئيس محمود عباس.

لأن طموحها فاق الحدود،فلم تكتفي بحلم واحد بل تغلغلت بدوامة الأحلام، من حلم الترجمة للإنجليزية إلى حنجرة ذهبية  تذهل من يسمعها، فالكردية والإنجليزية واليونانية إلى جانب العربية تتقن حسناء، على الرغم من صغر سنها وحالتها الصحية، متجاوزةٍ كل العقبات لتصنع من المستحيل ذاك الشيء الممكن، فمن العجز صنعت الإرادة والعزيمة لأنها تأبى أن تمد يديها كما هو متعارف عليه بثقافتنا للكفيف.

بأناملها المصنوعة من ذهب، تكتب وتقرأ وتسمع، حيث تملك ملف كردي يختزل بصفحاته محادثات باللغتين الكردية والعربية وخلسة من الأغاني الكردية، تلك المعشوقة الكردية التي تدرك لثقافة شعب يبعدها أميال ألا أن حبها وشغفها جعلها تعرف العديد من الشخصيات الكردية بعد ولوجها بعالم الفيس بوك، إضافةً لقيامها بحفظ أجزاء من القرءان الكريم، وتلاوته بصوت أشبه بالأعجاز،من راحة لسماع صوتها إلى رغبة في مواصلة تلاوتها التي تتكلل بالروحانية.
 
كما تضيف، تتمنى أن يكون هناك مدرسة خاصة للمكفوفين في مدينة طولكرم، فهذه السنة الأخيرة لها قبل دمجها في صفوف المدارس الحكومية في ضاحية شويكة، الأمر الذي يشكل خوفاً بالنسبة لحسناء التي تتخوف من مسألة انزعاج الطالبات من ترانيم آلة بريل الخاصة بها، وبصوت يكاد يدرك أن لا أحد يسمعه، تناشد كافة المؤسسات والجهات المعنية للنظر في حاجتها التي تعتبر حق طبيعي كباقي الطلاب الآخرين.

ذاكرة الوجع
تغض ذاكرة أم حسناء للوراء لتقتبس صوراً من الألم والمعاناة التي تعرضت لها منذ 15سنة إلى يومنا هذا وتتابع في الآونة الأخيرة: ولدت حسناء في مطلع انتفاضة الأقصى عام 2000م، في الشهر السادس من أشهر الحمل عن طريق الزراعة، كان وزنها 700غرام إلى جانب أخويها الذي لم يحالفهم الحظ للخروج للحياة، نظراً لذلك لم يتم أعطاء حسناء العلاج المناسب لفقدها للأكسجين الذي كان السبب الرئيسي وراء تدهور حالتها الصحية وعدم وضع لاصقات حول عيناها لصد الأشعة فوق البنفسجية، لأن الأطباء قد تعاملوا معها على أنها ستكون وفية جديدة من وفيات العائلة.

وتضيف أم حسناء،اللوم يقع على الأطباء في ذلك الوقت،فانتفاضة الأقصى كانت عاملاً ثانوياً لحالة طفلتها،فلم يستطيعوا الذهاب إلى القدس للعلاج بسبب الأوضاع الصعبة التي كانت في تلك الفترة، وبعد هدوء الأحداث ذهبوا إلى القدس أملاً في البحث عن بصيص أمل يعيد الروح إلى حياة طفلة لم تبلغ السنة،لكن جميع المحاولات الإنقاذية كانت قد استنفذت لسوء الحظ.

الجهات الغافلة
بالعودة إلى سراديب اليأس والمعاناة التي مرت به العائلة،والد حسناء عمر الشرف: كل إنسان معرض لفترة ضيق لكن الضيق عند الله فرج، لقوله تعالى"إن مع العسر يسراً"، انطلاقاً من هذه الآية الكريمة فقد نالت هذه العائلة الكثير من الصعوبات الجمة التي بدأت مع بدء انخراط حسناء في مدرسة القبس، لتزامن اصطحابها للمدرسة مع عمل والداها، الأمر الذي شكل ازعاج لبعض العاملين بسبب غياباته المتكررة حتى طرد من العمل وأصبح يناكف الحياة.

ويتابع حديثه مسلطاً الضوء على المسؤوليات المهمشة التي تنم عن المؤسسات والجهات المعنية التي تكتفي بالشهرة دون أي جهود ملموسة على أرض الواقع،مستدلاً في نظرته تلك على محاولاته المتكررة لضم طفلته لخانة المكفوفين، في جمعية المكفوفين في طولكرم، ونتيجة لغياب الردود المنتظرة، لم يكن أمامه ألا أن يقوم بسحب عضوية مكفوفته بعد شهر واحد ،متابعاً حديثه عن المبالغ التي قام بأنفاقها لجلب ما تحتاجه ابنته من أجهزة وكتب وأدوات مخصصة للمكفوفين.

ويضيف الشرف، بعض العائلات التي يكون لديها طفل كفيف لا تستطيع توفير احتياجاته،فمن المعروف أن ترك الكفيف بدون أجهزة مساعدة يعتبر أمراً صعباً،فابنته يتوفر لها بعض المعدات التي لا تتوفر عند العائلات الفقيرة التي بالكاد تسد رمقها.

في الختام ينوه والد حسناء، بضرورة الاهتمام بالمكفوفين بشكل عام، والتعامل معهم على أنهم أشخاص حقيقيين بعيداً عن نظرات المجتمع المغلفة بأوشحة من الشفقة والعجز، ويتابع: حتى لو لم تقف الجهات المعنية إلى جانبهم علينا أن نكون جميعاً جسداً حامياً لهم،يدفعهم للنجاح والتفوق بعيداً عن إبقائهم خلف الستار.
 
أنها حكاية مختلفة، حكاية الحياة بعد الموت، وحكاية طفلة مبدعة مجتهدة حافظة للقرءان الكريم ومتقنة للكردية إلى جانب اللغات، فاليأس جرعته وصنعت منه صفائح من الأمل والحب والنجاح لترسم من مشوار حياتها مثالاً يحتذى به، فكيف لطفلة في الخامسة عشر أن تجتهد وتتعلم اللغات وتغوص في عالم التكنولوجيا وتكون ضريرة، وكيف لضريرة أن تجعل من حياتها أسطورة تسجل في قائمة المعجزين!