شبحٌ يراود مخالفي الاحتلال ليلاً: أم فلسطينية تنتظر بشغف الأفراج عن فلذة كبدها

الأربعاء 30 ديسمبر 2015

شبحٌ يراود مخالفي الاحتلال ليلاً: أم فلسطينية تنتظر بشغف الأفراج عن فلذة كبدها
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد - نداء فقها: متلهفة هي لمحاكاة ما يعتصرها من وجع ،تلك المصنوعة من فولاذ والمحتضنة لنون النسوة ، بكلمات تحمل في طياتها نبرة حزينة تروي منى رشيد فرسخ (49)عاماً،ما حدث ليلة السابعة عشر من شهر يناير لعام 2015.

شيء ما يحوم حول أم قسام ،يحوم في عينيها،في كلامها وحتى انفاسها ، ذلك الشيء  الذي كان يحوم هو طيف ابنها،لتعود إلى الوراء مقتبسة صوراً من ليلة الحادثة، كانت الأصوات حولهم يعمها الهدوء،لم يلاحظوا وجود أصوات غريبة ،وفجأة تبدل السكون لبلبلة جنونية ،كانت قد بدأت مع خروج الزوج ساحة المنزل،فما لبث أن رفع رأسه حتى أرتطم بفوهة البندقية التي كان يصوبها نحوه أحد الجنود.

لتتضح الملامح رويدا،قوة من الجيش اعتلت السطوح وتفرغت في كافة الجهات، لم يسمحوا لهم بالحركة، حيث بقوا منتصبين مصدومين من هول الموقف، لتتريث خلسة وتذكر،لم يتبادر على أذهاننا أن يكون وراء صخب الصوت قوات الاحتلال، فقد ظنوا  للوهلة الأولى أنهم أشخاص يريدون سرقة غرض ما وذلك في حدود الثانية والنصف ليلاً، تلك الساعة التي شهدت معركة همجية.

وتكمل،لم يكن في جعبة الاحتلال أي سياسات قمعية ،فقد ابتعدوا عن التخريب والهدم والتفتيش، واكتفوا بمحاصرة الطابق العلوي من المنزل،فالهدف سهل المنال لهم،يدركون جيداً ما يريدون وكيف يحصلون عليه وفي أي وقت،كما تسلق الجنود علو السطح ثم عملوا على قطع الأسلاك الممدودة ومنها شبكة الانترنت،فالمعرفة المسبقة بالمكان الذي ينام به ابنهم شكل حالة من التساؤل والدهشة! ليشط خيالهم إلى الوجود المسبق لأحد الجواسيس في المكان،دون التنبؤ بذلك.

فبعد ترجل القوات إلى غرفة نجلهم الكبير لم يتطرقوا إلى سياسة الخلع التي ينتهجها الاحتلال في محاولاته الأعتقالية ،طالبين منه أن يسلم نفسه بكل هدوء، فبعد مرور ساعة على احتجازه ، وبعد منع والده من التواجد في غرفة التحقيق، سمح له بالدخول بعد طلب لأستدعائه من قبل ضابط الفرقة العسكرية ،للأجابة عن بعض الاسئلة.

"حجة أرجعي، احنا جينا بهدوء مش زي السلطة بنأذيكم"مجمل الكلمات التي رنت في مسامع والدة المعتقل التي كانت في طريقها لمنع الاحتلال من اعتقاله، لكن تلك الكلمات المؤلمة جعلتها تسترجع شريط من شرائط ماضيها الأليم، الذي كان قد صاحب اعتقال زوجها على أيدي السلطة وما رافق التنفيذ حينها من عمليات وتخريب وتفتيش لممتلكات المنزل.

قسام حاتم فقها ابن التسعة عشَرعاما  ،طالب جامعي انضم مؤخراً إلى صفوف جامعة فلسطين التقنية في مدينة طولكرم،هو واحد من بين الآلاف الأسرى القابعين خلف القضبان ،فقد كان نموذج الطالب النشيط الذي يشارك في المسيرات والأنشطة والفعاليات التي تنضم من جانب الكتلة الإسلامية، فعلى غرار ما حدث مؤخرا من انتهاكات بحق جامعته ولهفته في تحرير الوطن، تم أدراجه في قائمة المطلوبين حتى اعتقل.

ويسرد والد قسام حاتم حافظ فقها والذي يعمل في تجارة النايلون والبلاستيك في محافظة طولكرم،أن الاحتلال قد استدعاه بعد ساعة من احتجاز ابنه في بؤرة المنزل،حيث تعرض خلالها لأسئلة عن الأمراض التي يعانيها نجله متمثلةً بإمراض التنفس،و سؤالاً أبله وذات حنكة، حول  علاقته بالسلطة وهل يحدث عمليات لإطلاق النار بينه وبينهم ،كما يجري في مدينة جنين؟ على حد قول ضابط الاحتلال.

 فالانقياد وراء حزب معين ليست جريمة،بل تكمن الجريمة الكبرى عندما يدير كل منهم مملكته الخاصة، وتكون تلك المملكتان لحاكم ظالم يديرها كيف يشاء ويشعل نيراها في أي وقت، ليكمل حديثه، حرية التعبير عن الرأي هي حق لكل فرد في المجتمع، ولكن لهمجية الاحتلال القمعية بحق كسر القلم ومسح الذاكرة الوطنية،كان لها الدور الأكبر في عدم السماح للمواطنين ليصرحوا عن انتماءاتهم الحزبية،فلماذا يتوقف الأمر على أبنه؟ ليسلب من ذاكرته معلومات مفادها أن ابنه قد استدعي من قبل المخابرات الفلسطينية قبل شهر واحد من الاعتقال،كان قد خضع خلالها لجلسات تحقيقيه تقوم على علاقته بالمقاومة وعن رأيه بالأحداث وانتماءه الوطني.

خطوة جديدة
وعن الخطوات الأولى التي قامت بها العائلة حيال اعتقال أبنهم،حيث تروي والدة قسام أنها قامت بالاتصال بأحد المحامين المقربين من العائلة، ليزودها بمعلومات عن المكان الذي اقتادوه إليه،فما لبثت أن عرفت مكانه حتى بدأت مرحلة دخوله رحلة الظلم والمعاناة التي تنقل فيها من مركز تحقيق الجلمة إلى محكمة سالم وبعودة الكرة مرة أخرى،ليستقر رباطه الآن في سجن مجدو،ثم عملت على الذهاب إلى الصليب الأحمر في طولكرم لإبلاغهم بأمر الاعتقال، فغياب الأدوار المنتظرة،جعل العائلة تتلقى اتصالات الصليب الأحمر في حيفا، بعد أن قاموا بزيارته في مركز تحقيق الجلمة والاطمئنان عليه.

 12 يوم كانت مدة الفترة التي قضاها الأسير بمفرده في زنزانة لا تتسع لأثنين، حيث تمكنت والدته من الحديث معه أثناء ذهابها لمحكمة عوفر التي يمنح من خلالها الوالدين بحق الزيارة ،ولكن لشدة لهفتها عليه وشوقها لحديثه ومعرفة ما يحدث وما يريد وكيف يقضي أيامه،جعل مسؤول المحكمة يطردها من المكان،بحجة تجاوزها الحد المسموح ، لينتهي الحال بالعودة مجدداً ولكن هذه المرة بصمت،بعد جهود من المحامي لاسترجاعها.

زوايا اخرى
محمد حاتم وهو الأخ الأصغر والوحيد له،يستذكر اللحظات التي عاشها مع أخيه، حيث سمح له بالزيارة بعد شهرين من الاعتقال، باعتباره من المؤهلين للزيارة لعمره الذي لا يتجاوز الرابعة عشرعاما، وعن حثيثيات اللقاء الذي جمعه بأخيه، يحدثنا عن معالم اللقاء التي مزجت بين ألواح زجاجية بحضرة حراس بكلى الجانبين وبين مكالمة هاتفية لا تتجاوز ال 40 دقيقة،  فأخيه بخير وهو يرقد بين أشخاص طيبون، يدربونه على الحلاقة وبعض الدورات المشابهة،لتروي والدته هنا أن السجن مدرسة حقيقية لمن يستغله ويقوى على مناكفة مصائب الحياة وعقباتها.

كما تذكر أخت الأسير الآء حاتم ، أن أخيها صدر بحقه غرامة مالية تقدر ب2000 شيقل والحبس لمدة عام,ولكن بعد جهود كثيفة من قبل المحامي انخفضت فترة الحكم لتصل ل 8 أشهر وقيمة 4000 شيقل مع وقف التنفيذ 18 شهرا، وما زال التنازل قيد التنفيذ حتى قدوم المحكمة المنتظرة في مطلع الشهر القادم.

وبالنسبة لصديق الأسير المقرب أمير بريمي، لم يعرف أن صديقه قيد الاعتقال إلا بعد يومين،لظروف العمل التي فرضت عليه الابتعاد عن المنزل،مشيداً  بصديقه قسام  الذي يتحلى بالأخلاق الحميدة،والذي يداول على أداء الصلوات في أوقاتها، و تلاوة القرءان الكريم بنية حفظه، كما يأمل أن يجتمع ويقضي معه أيام سعيدة كما في السابق،وعن حقيقة التهمة الموجهة إليه،ينفي محمد عن ارتباط صديقه بأي تهمه تحال إليه ، لاكتفائه بالمشاركة في المسيرات التي تنظمها الكتلة بعيدا عن الأنشطة الأخرى.

فسحة أمل
والآن يستعد قسام بعد أن صدر بحقه الاعتقال الحصول على حكم أطلاق سراحه المقرر بعد 8 شهور من هذا العام في محكمة عوفر، هذه المحكمة الثالثة بعد الثانية قبل الأولى وربما الأخيرة والبداية لحياة حرة،فهو يقبع في أحد سجون الاحتلال التعسفية ،يعاند جنود المحتل ويصبر على أذاه،متلذذاً بتلاوة آيات القرآن،فشهادته في حسن السلوك أصبحت خيط من خيوط حريته المنتظرة.