طالبة صحفيّة تبحث عمّن يفكّ قيد التحرش

السبت 02 يناير 2016

طالبة صحفيّة تبحث عمّن يفكّ قيد التحرش
التفاصيل بالاسفل

قصة أدبية: ايمان فقها
ملاحظة: ليس من الضرورة أن تعبر عن أحداث واقعية

لم يكن يوماً كغيره، فمغادرة الجامعة حتى السابعة مساءً أمر في حدّة الصعوبة، فأنتِ بصفتك "أنثى" معرّضة لأّية حالة تحرش وبوضح النهار، أنهيت إعداد المقابلات جميعها للبدء في تقرير جديد.

فتحت جهازي المحمول، وتفقدّت المواقع الافتراضية من الفيسبوك والانستجرام والسنابشات، ولمحت عينيّ رسالة موجودة في قائمة "أخرى"، "تبّاً لهؤلاء المتطفلين يبدو أنّنا نكبر عدد أيامٍ فقط، وعقول بعضنا لا زالت تبحث عمّن يعبؤها بنقص موجود لديهم.

تركت هاتفي وتناسيت موضوعهنّ، وجهزت نفسي لأداء صلاة العشاء، وفي داخلي صوت وكأنه يشدّني للرجوع إلى تلك الرسائل، أيكون هذا إلهام؟، أم ماذا؟، ما السر وراء هذا الشعور الغريب؟.

عدت أدراجي لتلك القائمة، رسالة..اثنتين..ثلاثة..أربعة..وحتى 75 رسالة، ولكن ها هنا رسالة مضمونها غريب "بدي أشوفك بالكلية بكرا، إذا انت فاضية بتمنى ما تخيبيني"، "لكنها منذ أسبوعين يا الله كيف لم أنتبه لها؟، أجبتها بالقبول وانتظرت أقل من خمس دقائق وإذ كان هناك رد "آسفة على إزعاجك لكن الموضوع مهم" واتفقنا على اللقيا في يوم غدٍ.

بدأت بالتفكير وشعور داخلي يقول "يا تُرى لما أنا بالذات أرادت الحديث معي؟ وما هذا الموضوع المهم؟، وغصت في نوم عميق لأستيقظ على صوت فيروز، هي الأغنية ذاتها، والذكرى نفسها، والصباح المختلف، "فيروز كيف كنت تستيقظين أتغنّين لنفسك أم ماذا؟".

وصلت الجامعة، ولا زلت أفكر في تلك الرسالة، انتهت المحاضرة الأولى..الثانية..الثالثة..الرابعة، وأخيراً ها هو موعد الفراغ، ودقّ جرس الهاتف فكانت "يافا".

يافا فتاة جميلة، التحقت بإحدى جامعات الضفة الغربية في فلسطين كي تكمل حلمها بأن تكون مذيعة مرموقة ولها اسم، بدأت أولى خطواتها في الخروج للميدان الصحفي لاكتشاف هذا العالم المخزون بخبايا لن تدركها إن لم تكن في المحيط نفسه.

هي في سنتها الأولى، بدأت التدريب بتعلم كتابة الأخبار وتصويرها، حتى امتزجت بهذا الميدان، فصوّرت هذا العالم بالأبعد عمّا يسمّى بالمهنية والمصداقية والحرفية الموجودة في مساق الأخلاقيات الإعلامية، فالتدرب على التقاط "السيلفي" بالدرجة الأولى وثمّ إعداد أكواب من الشاي والقهوة، ولكنّها أكملت حتى جاء ذاك اليوم المرسوم بتقاسيم وجهها، ودموع عينيها لحظة بلحظة.

جميعهم خرج لم يتبقَّ سوى يافا وإحداهم، إنّها الواحدة ظهراً وبضع دقائق، اقترب من جسدها، بدأ بالتحسس فوق كتفها، واقترب ليلامس أكثر، صرخت بملء فيها " ابعد، منشان الله ابعددددددددددد شو بدك مني؟"، لم يستمع لصرخاتها، حاول التقبيل، ولكن استطاعت أن تعضّ على يديه، وركضت هاربة من مجتمع لا زالت تسيطر عليه عقلية الأجداد الماضيين، فأنتِ "أنثى"، وهو "الذكر"، وأنتِ فقط من ستخسرين إن فقدت عذريتك تحت عبارة "المهر غالي مش عارفين نتزوج شو نعمل؟".

تركت حقيبتها، هاتفها، نظاراتها، وأسرعت نحو  الخلاص من ذاك المفترس، ولسان حالها يقول "ماذا لو وعيّتني يا أستاذي قبل أن أشرت عليّ بالتدريب؟، ماذا لو قلت لي أن هناك ذئاب ينادون بعدم التحرش وهم أول من يطبقونه حين وجود الفرصة لهم؟، ماذا لو فقدت عذريتي لأنّك لا تجزم أن مؤسساتنا ومجتمعنا فقط يرون الأنثى جسداً لا فكرة، ماذا لو قلت لك أنّني ناقمة عليك وأتمنى أن يحدث بقريبتك ما حدث معي؟".

استمعتُ إليها بهدوء ولم يسعني إلا أن أشاركها دموعها، احتضنتها وكأنّني أوبخ ذاتي وأتساءل "ماذا لو أخبرتني بذلك؟، والله قد قلت لها أنّ مجتمعنا هكذا"، مسحت دموعها بيديها، وطلبت مني أن أكتب عمّا حدث معها انتقاماً لذلك الذي لا يزال يتوعدّها شراً إن أفصحت عمّا حدث معها.

"أبوي حكالي يافا تدرسيش إعلام بس أنا درست عشان أحكيلهم كيف أخوي الصغير مات عشان إهمالهم، أمي تعبت فيه بس همّي قتلوا بإيديهم، وراح حقه وأنا رحت معه، احكيلهم الإعلام مش هيك، مش هيك"، والتقطت أنفاسها محاولة وصف كمّ الوجع الذي لاحقها ريثما التحقت بهذا التخصص.

يافا الآن قويّة، صلبة حدّ اللاحد، وتنتظر يوماً تعيد لذلك الآنف فيه قيمته بالأداة التي سطرّ بها ألماً لن يُزال من مخيلتها.

تركتها وبدأت بإعداد نص خاصّ بمجلتي الإذاعية التي ينبغي أن أقوم بتسجيلها بعد أيام عدة كمشروع امتحان أخير من مساق التقديم الإذاعي الإخباري والحواريّ وأقول لذاتي "كيف سيقع خبر هذه الحادثة على أذن أستاذي؟".