"نقص قسط جامعيّ" يُعرّض طالبة صُحفية لاستهزاء زميلاتها

الجمعة 08 يناير 2016

"نقص قسط جامعيّ" يُعرّض طالبة صُحفية لاستهزاء زميلاتها
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد - قصة صحفية: ايمان فقها: خمسٌ وأربعون دقيقة وثوانٍ عدّة هي مدّة المكوث في محاضرة اللغة العبريّة، وجه أستاذها البشوش وشعره ذاك الشائب وضحكته التي لم تفارقنا لحظة واحدة كانت كفيلة بألا نشعر بهذا الوقت كلّه لكن فكرة الرجوع مرة أخرى إلى الحرم الجديد في جامعة النجاح الوطنية هي بذاتها مهلكة.

وقفت أنتظر التاكسي الذي سيقلّنا، إنّه موعد فراغ الجامعة، الازدحام غير عاديّ، وصوت "هفففت" من السائق ودخانه الذي يعوم في المركبة، وتلك الأغاني التي لا معنى لها إلا ارتكاب حماقات السير ترفع من مكنون الاكتئاب لدينا.

وصلت الحرم الجديد وتذكرت أنّ هناك موعد لمقابلة مع محاضر في كلية الهندسة، خمسٌ وعشرون دقيقة وانتهت، خرجت من كلية الهندسة مروراً بذاك النفق الذي يصلني بالمعهد الكوري وكلية الفنون الجميلة والقانون.  

في ركن بعيد عن أوجه المارّة يا له من مشهد جميل، بعض من قطع الجبن والبندورة والخبز، واثنان لهما من الشبه الكثير يبدو أنهما شقيقان، توقفت لحظة وحادثت ذاتي "ماذا لو كان لديّ أخ أو أخت هنا في الجامعة؟، يا لشعور الغبطة".

وبين هذا المشهد وذاك الأخ الذي يعدّ لشقيقته "سندويشة" تسدّ رمق جوعها، ثلاث فتيات تشتمّ رائحة عطرهنّ من مسافة بعيدة جداً، وجوههن صارخة بذاك الطلاء، اقتربن لحظة لحظة فوقع بصر عين إحداهما على هذين الشقيقين.

استهزاء ودمعة عين
"عزا، اطلعي ولك على هدول المتخلفين جايبين جبنة وبندورة، ههههههه"، أخرجت هذه الكلمات من فاهها، وأطلقت ضحكة سخيفة، وتابعت سيرها، لتلمع عين الفتاة حزناً، ألماً، أو أنّه قهر، جمعت ما تبقى من ذاك الفطور، التفتت لي بضحكة خفيفة، وغادرت برفقة أخيها.

أمّا أنا فتابعت مسيري لأن دقات محاضرة الساعة الواحدة بدأت تنبض وكان يجول بخاطري أسئلة عدة "ماذا لو مررن دون استهزاء أو مسخرة لهذين الاخوين؟ ماذا لو رسمن الضحكة على وجهيهما دون هذا التصرف؟، وما الفائدة من وراء ذلك كله؟".

وهنا بين زوايا مدينة نابلس طالبة الإعلام سارة تحاول سدّ جزء من القسط الجامعيّ لها بعد حادث السير الذي أقعد والدها، وفتح باب الفقر على مصراعيه عليهما، أنهت امتحاناتها الأخيرة، واستعدّت للعمل في محل ملابس قد وعدها صاحبه أن يدفع لها القسط الجامعي لقاء العمل مدّة أربعة شهور.

إنها الثامنة صباحاً، جهزت سارة نفسها وبدأت بترتيب الملابس، "يا لجمال تلك القطعة وذاك الفستان المخمليّ"، "إنها زبونة، سأقنعها بشراء هذه القطعة، صحيح لقد تعلمت فنون الاقناع  بمساق فن التفاوض والإقناع".

ردّ وانتقام
وبدأت رحلة سارة يومياً حتى السادسة مساء، هي فرحة جداً على حدّ وصفها، وبدأت بإنشاء سلسلة علاقات طويلة، "ما أحلاه عليك، بجنن، مبروك، يلا يا عروس لفي نشوف الفستان عليك، قمر أنت، الله يحميك"، حتى جاء يومٌ لا زالت سارة تستذكر أقل تفصيل موجود به.

"كنت جالسة أعيد ترتيب ما تمّ قياسه من الزبائن حتى دخلن عليّ زميلات من تخصصي، أتعلمين تلك النظرة التي تشعرك بأنك تقترفين أمراً لا ذنب لك به سوى أنك فقيرة وتريدين أن تكملي مشوارك الجامعي، نعم أنا الآن أشعر به"، تقول سارة.

تركت قطرات الدمع تباغت جبينها وتكمل "لم تتبقَ قطعة إلا وارتدينها، وهمست لي واحدة بأذني تقول (بتتذكري لما ما رضيتي تغششيني وحملت المادة ، هاي رديتلك إياها)، حاولت التماسك بشدّة وانهارت بكاء.

تواصل سارة "خَرجن بضحكة تتلألأ من فمهنّ، لم يبتعن شيئاً، هي زيارة مقصودة لإلقاء بعض من الكلمات الفارغات، لكنّني فرحة جداً بعملي، شعورك وأنت تدفع قسطك الجامعي بيديك جميل جداً".

"اكتبي عني، بدي أستنى منك مادة صحفية، واحكيلهم أنه سارة قوية كتير"، ها أنت يا سارة مجسدّة بقصة صحفية، ستكونين صحفية ذات شأن كبير، فالظروف القاهرة تصنع منا أناساً آخرين، وشخصيات تواجه واقعها بضحكتها الجميلة.

وتركتها تباشرعملها مع فتاة أخرى، وعدت لتذكر أوّل محاضرة كانت لي بكلية الإعلام، نعم إن الإعلام رسالة أخلاقية ومهنية، إحساس قبل الكتابة، وشعور بالمسؤولية اتجاه غيرنا، وحبّ خير لبعضنا، فمن منّا لم ولن يستطع حمل هذا كله فالتخصصات كثر.