خبايا وجرائم.. العطور في غزة تجارة بالسرطان ولا رقابة

الأربعاء 02 مارس 2016

خبايا وجرائم.. العطور في غزة تجارة بالسرطان ولا رقابة
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد - تفاجأت إحدى السيدات في قطاع غزة من ظهور أعراضٍ مرضيةٍ تنفسيةٍ وجلديةٍ لم تكن تعاني منها من قبل بعد استخدامها عطور مركبة محلياً، فتوجهت تلك السيدة لصاحب المحل الذي اشترت منه العبوة للسؤال عن التركيبة الدقيقة للعطر، والذي كان بدوره يُحضرُ زجاجةً أخرى في غرفةٍ صغيرةٍ مغلقة بعيداً عن أعين المشترين.

صاحب المحل رفض بشدة إخبار تلك السيدة عن التركيبة الخاصة بالعطور التي يحضرها، متحججاً بأنها "سر المهنة يا حجة"، ثم ذهب ينفث ما تبقى من رذاذ العطر في حقنة التركيب (20 ملم) غير مبالي بسؤال السيدة.

من تلك الحادثة كانت نقطة البداية لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" للتحقق من تركيبات وجودة العطور وكشف ألاعيب "أصحاب الكار".

ودخلت تجارة وتعبئة وتركيب العطور إلى الأسواق في قطاع غزة منذ سنوات عدة، واستطاعت أن تحتل مكانة مهمة في الحياة الاقتصادية الغزية وتحولت إلى تجارة كبيرة لها "حيتانها" في السوق، فالمحلات التي تقوم بتعبئة وتركيب العطور تنتشر في الأسواق الشعبية خاصة في مدينة غزة.

ويدفع الوضع الاقتصادي المتردي في قطاع غزة المواطنين للجوء إلى العطور المقلدة والمركبة محلياً، إذ أنها بنظر من يشتريها، أرخص ثمناً من العطور الأصلية، وتحقّق النتيجة نفسها، من دون أن يعلم مدى تأثيراتها على صحته وما جودة تركيباتها.

ويشتكي عدد كبير من مشتري العطور في قطاع غزة من حساسية جلدية مفرطة على الرغم من أن أجسامهم لا تتحسس من العطور، الأمر الذي يضع علمات استفهام كبيرة على المواد الأساسية المستخدمة في تركيب العطور.

تقنيه تركيب العطور الأصلية تتكون من ثلاثة مواد أساسية: الزيت العطري نباتياً كان أم اصطناعياً، والكحول الإيثيلي، ومثبت لرائحة العطر، لكن ما يحدث في كواليس التركيب في قطاع غزة مختلف تماماً حيث يطال الغش جميع مراحل وعناصر التركيب بنسبة قد تصل 90%.

غش المادة الخام

العطر الخام "الأسانس" والذي يستورد من جهاتٍ عدة في عبوات وزنها (1 كيلو جرام) تقريباً خاصة المصري المستورد في علبٍ بلاستيكية يكون مضروب بـ"زيت الخس"، بعد ذلك يتناوله "حيتان الصنعة" في قطاع غزة، ويتم خلطها مرة ثانية بزيت الخس، وبعدها تصل إلى تاجر أصغر آخر والذي يضيف زيت الخس، وعند وصولها لبائع التجزئة تُضربُ مرة جديدة بزيت الخس، بمعنى أن عبوة عطر خام «الأسانس» زنتها 1 كيلو قد تضرب بـ 3 كيلوات بزيت الخس.

ضرب العطر الخام بـ"زيت الخس" بأضعاف مضاعفة

صاحب أحد محال العطور في مدينة غزة -رفض الكشف عن اسمه- كشف أن غالبية محال العطور في غزة تغش العطر الخام "الأسانس" عبر إضافة أضعاف مضاعفة من زيت الخس إليه، الأمر الذي يؤثر سلباً على قوة وجودة تأثير العطر، مشيراً إلى أن المحلات تستخدم الزيت لرخص ثمنه الذي يصل 50 شيكل للكيلو الواحد، ولمطابقته لخامة ولزوجة العطر الخام الذي يصعب كشفه، علاوة على أن زيت الخس يتميز بعدم وجود رائحة أو لون يدل على حالة الغش.

وللتأكد من المعلومة قام معد التحقيق بجولة على محال العطور الجملة والتجزئة، والذي أثبت أن غالبية محال العطور تستخدم زيت الخس في تركيب العطور لرخص ثمنه، علاوةً على أن بعض محال الجملة في المدينة تبيع زيت الخس بالحملة لزبائنها من محال التجزئة.

 كيميائي: ينتج مواد خطيرة ومسرطنة جراء خلط بعض المركبات دون دراسة أو علم

وفي حديث لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" أوضح المتخصص في علم الكيمياء أ.جابر حجاج أنه قد ينتج مواد خطيرة ومسرطنة جراء خلط بعض المركبات دون دراسة أو علم كخلط زيت الخس، بالكحول، بالصبغات والزيت العطري الخام «الأسانس».

كحول غير نقية

أما بالنسبة للعنصر الثاني الذي يدخل في تركيب العطور، فتستخدم محال العطور أردأ أنواع الكحول وهي الأمريكية رخيصة الثمن، والتي قد تحوي شوائب سامة وغير منقية بالدقة المطلوبة، ونادراً ما يستخدمون -الباعة- الكحول الألمانية والإسرائيلية النقية.

وقد رصد معد التحقيق بيع بعض محال الجملة لجالونات الإيثانول ethanol دون وجود علامات تجارية توضح تركيبتها ودرجة نقائه.

محال العطور تستخدم أردأ أنواع الكحول وهي الأمريكية رخيصة الثمن وتباع الجالونات 20 لتر دون علامات تجارية توضح تركيبتها ودرجة نقائه

والإيثانول مركب كيميائي عضوي ينتمي إلى فصيلة الكحوليات له الصيغة الكيميائية: C2H5OH وصيغته الجزئية C2H6O ويسمى الكحول تعميماً، وهو مادة قابلة للاشتعال عديمة اللون تتكون من تخمر السكر، ويستعمل في المشروبات الكحولية وفي صناعة العطور ويستعمل كوقود في المحركات الميكانيكية المجهزة للإيثانول.

يقول "محمد.ح" صاحب محل عطور -تحفظ على ذكر اسمه-: نشتري جالونات الكحول دون معرفة تركيبتها ودون معرفة الطريقة العلمية الصحيحة لاستخدام نسبتها، ولا نعرف مدى نقاء المادة المستخدمة، وغالباً ما نستخدم الكحول الأمريكية لرخص ثمنها.

ويضيف: في إحدى المرات حضر شخص متخصص –جهة غير حكومية- وفحص عن طريق جهاز خاص نسبة نقاء الكحول المستخدمة في تركيب العطور فوجد بعض المحال التجارية وهي معدودة على الأيدي نسبة النقاء لديها في الكحول تصل 90% وأخرى متدنية للغاية وصلت لغاية 60% فقط.

وفي أحيانٍ أخرى، تضيف بعض محال العطور الماء المقطر الذي يستجلبونه بطرقٍ عدة من أقسام غسيل الكلى في الدوائر الصحية الحكومية.

ويوضح الكيمائي حجاج إلى أن بعض الكحول التي قد توجد فيها درجات من السمية قد تؤذي الإنسان، وتصيبه بأمراض عدة، خاصة عندما تكون نسبة الكحول عالية وغير نقية بنسبة 100%، وفي بعض الأحيان قد تؤدي لحروقٍ جلدية.

مثبتات كيميائية

أما بالنسبة للعنصر الثالث، وهو مثبت العطر Sticky perfume، حيث نادراً ما يستخدم أصحاب المحال العطرية التجارية المواد الطبيعية كالصندل والمسلك الأبيض المتسلق، ويلجئون إلى مواد أخرى كالجلسرين، ومواد كيميائية أخرى رفضوا الإفصاح عنها.

أكرم محمد (30 عاماً) اسم مستعار لصاحب محل عطور ممن تركوا المهنة أكد أن العديد من المحال تستخدم مواد كيميائية لا يعرف مصدرها أو مسماها العلمي، كما أن بعض المحال تبيع الكحول مضاف عليها مادة مثبتة دون إخبار البائع بالمادة الموجودة الأمر الذي يضع علامات استفهام كبيرة.

نادراً ما يستخدم أصحاب المحال العطرية التجارية المواد الطبيعية كالصندل والمسلك الأبيض المتسلق في تثبيت العطور ويستخدمون مواد كيميائية مجهولة

وحاول معد التحقيق التوصل لمعرفة اسم بعض المواد الكيميائية لمثبتات العطور غير أنهوحاول مُعد التحقيق معرفة اسم بعض المواد الكيميائية لمثبتات العطور إلا أن مراوغة حيتان سوق العطور المركبة حال دون ذلك.

وحذر الكيمائي حجاج من بعض المواد الكيمائية مجهولة الاسم والمصدر والتركيب ، مشيراً إلى أنه من الضروري تكثيف عمليات الرقابة والعمل على معرفة تفاصيل المركبات، والعمل على إبراز التركيبة بتفاصيلها على العبوات.

وبالإضافة إلى حالات الغش في كامل عناصر تركيب العطور، تستخدم المحال صبغات لصبغ العطور في محاولةٍ منهم لإغراء الزبون بجودة العطر، حيث يتفنن البائع بإقناع المشتري بان اللون الداكن للعطر دليل حجم وقوة التركيز.

استخدام الاصباغ لإغراء الزبون بجودة العطر

وأكد الكيمائي حجاج أن الأصباغ بشتى أنواعها تسبب أمراضاً سرطانيةً عدة، والتي من بينها المستخدمة في العطور تسبب سرطان الجلد، خاصة أن من يستخدمها ويعُدها ليس لهم أية خلفيات علمية، الأمر الذي يشكل ظاهرة خطيرة تستدعي من الجهات المسئولة التحرك ومتابعتها من جميع النواحي.

ودعا حجاج إلى ضرورة تشديد الرقابة على جميع الصبغات في السوق الغزية لخطورتها على جسم الإنسان، وضرورة استخدامها وفقاً للمقاييس العالمية الدقيقة.

استغفال المشتري وتقليد العالمي

ويقول أحد الباعة: بالإضافة إلى أنواع الغش المذكورة والموثقة، هناك حالات استغفال للمشتري من ناحية حجم وسعة العبوة، حيث كشف أن أحد التجار أوصى شركات صينية بصناعة زجاجات عطر من نوع (عروسة) كبيرة الهيكل على حساب السعة؛ لتحقيق مرابح كبيرة.

رصد: مكابس لتزييف العطور العالمية

كما ورصد معد التحقيق أن بعض المحال التجارية تعمل على تعبئة وتغليف العطور العالمية على أساس أنها أصلية كتعبئة عبوات 212 العالمية عن طريق جهاز يدوي (مكبس) في عبواتها الأصلية، الأمر الذي يستدعي ضرورة ضبط السوق والقبض على التجار الذي يستغفلون ويستغلون المشتري في غزة.

وإلى جانب ذلك فهناك محال عطور تستغل الأسماء العالمية لترويج بضاعتها، وإقناع المشتري بالعطر، وتباع بأسعار باهظة، كما تغري المشترين بالعروض والتخفيضات كشراء زجاجتين والحصول على واحدة مجاناً حيث يتلاعب التجار والمحال في نسبة تركيب العطر وتوزيعه على العبوات الثلاثة، بالإضافة إلى تخفيض 70% على العطور العالمية فمثلاً زجاجة عطر تباع بـ 200 شيكل فبإمكانك تحصل عليها بـ 60 شيكل.

لا رقابة حكومية

غش وخداع ومراوغة تتخطى العفوية وقلة الدراية وضعف التخصص إلى الغش الممنهج القائم على خداع العامة للوصول إلى جني مرابح كبيرة، وللأسف رصد معد التحقيق أن إحدى دوافع الغش لدى محال العطور في غزة هو انعدام الرقابة الحكومية وعدم امتلاكهم أية شهادات مزاولة مهنة على الرغم أنه في بعض البلدان العربية يشرف على تركيب العطور كيميائيون مختصون؛ وذلك لخطورة عملية التحضير وانعكاساتها في حال وجود أقل الأخطاء.

يقول أحد الباعة: عملت في هذه المهنة لمدة 4 سنوات لم يدخل محلي يوماً من الأيام أي جسم رقابي حكومي سواء من وزارة الصحة أو وزارة الاقتصاد، مضيفاً أن الأجهزة الرقابية لا تعرف شيئاً عن تركيباتنا للعطور ولا تجبرنا على وضع ملصق توضيحي على العبوة، ولا تلزمنا بضرورة أن يكون صاحب المحل مزاول للمهنة.

محال عطور: لم يزرنا أية أجهزة رقابية ولا يعرفون تركيبات عطورنا

وفي الإطار يقول حجاج: قلة الخبرة والعلم والدراية لأصحاب العطور موضوع خطير للغاية؛ حيث من الممكن أن تنتج من وراء جهلهم وعفويتهم مواد مسرطنة خطيرة تضر الإنسان وتعمل على نشر الأمراض.

ودعا الأجهزة الرقابية الحكومية في ظل تزايد حالات السرطان في قطاع غزة إلى ضرورة العمل على ضبط سوق العطور، وتشديد المراقبة المخبرية عليهم، للتوصل لمعرفة المواد التي يستخدمونها والطريقة التي يعدون فيها العطور مع التأكيد على ضرورة إبراز المحتويات على العبوة.

بدوره، أقر مهندس التكنولوجيا الكيمائية ورئيس قسم خدمات الجمهور المكلف في دائرة حماية المستهلك نافذ الكحلوت أن محال تركيب العطور في قطاع غزة "غير مرخصة"، وأن أصحابها غير مختصين في تركيب العطور والصناعات الكيميائية ولا يحملون مؤهلات علمية.

 الاقتصاد تقر: محلات العطور غير مرخصة ولا رقابة عليها وتركيزات العطور في غزة غير آمنة

وكشف أن "الأسانسات" العطرية بطبيعتها تعتبر من المواد المهيجة للجلد ( البشرة )، وأن التراكيز التي يستخدمها مركبي العطور في غزة غير آمنة على البشرة (عالية نسبياً)، وقد تؤدي إلى تهيج الجلد، مشيراً إلى أنه عادة ما يشعر المستخدم لهذه العطور ببعض الحرقان.

وأكد الكحلوت لمراسلنا أن الأصل هو إغلاق محال العطور التي لا يتواجد فيها مختصون بتركيب العطور "كان من الأفضل أن لا تفتح من الأساس، إلا بعد أخذ التراخيص من وزارة الصحة ووزارة الاقتصاد؛ الأمر الذي سيضمن سلامة المستخدم لهذه العطور".

وأوضح أن حجم العمل الذي تقوم به الإدارة العامة لحماية المستهلك بما فيها المكاتب الفرعية في محافظات قطاع غزة كبير للغاية، وأن الرقابة على محلات العطور بحاجة إلى كادر فني مختص، وأن توظف الوزارة أناس مختصين في مجال الصناعات الكيميائية، أسوة بالمنتجات الغذائية، مشيراً إلى أن غالبية مفتشي حماية المستهلك  خريجين صناعات غذائية من كلية الزراعة، موضحاً أنه من الصعب الرقابة على محال العطور بوجود ذلك الكادر.

وقال: على المواطن الفلسطيني في قطاع غزة أن يغير من ثقافته تجاه بعض العادات السلبية في الشراء كالسعي وراء تركيز العطر وعدم معرفة مصادرها وطريقة تركيبها دون معرفة مدى أمنها على البشر.

كما ولاحظ معد التحقيق أن بعض محال العطور المختصة بالتركيب تراعي الشروط والمعايير العالمية والصحية عند صناعتها للعطور، كما أن بعض هذه الأماكن تبيع العطور الأصلية بنسخٍ عالمية وليست مقلدة.