حوش أبو الرب في طولكرم ... حكايا مخبأة دثرها صخب المدينة

الإثنين 21 مارس 2016

حوش أبو الرب في طولكرم ... حكايا مخبأة دثرها صخب المدينة
التفاصيل بالاسفل

تلفزيون الفجر الجديد- تقرير: لما أبو زينة-وأنت تجول بين زحام سوق مدينة طولكرم تحديدا منطقة سوق الذهب ستجذبك ثمار الفاكهة المصففة بكل أنواعها وإن أشحت بنظرك قليلا ليمينك لن يبرح الجمال مكانه في ألوان الملابس المرتبة على جانب الطريق, كلها صور أخفت في ثناياها حكايات لم تتعد بابا أحاط بيوت ساكني ذلك الحوش الذي يسمى ب " حوش أبو الرب".

يعتبر حوش "أبو الرب" أو " الدعبول" نسبة إلى أحد ساكنيه والذي يقع في مدينة طولكرم  بالقرب من منطقة سوق الذهب من أقدم المناطق في المدينة حيث يعود بناؤه للفترة العثمانية أي أن عمره قد يزيد عن ال 100عام وذلك بحسب مديرية الأثار والسياحة في طولكرم وعلى الرغم من أن الحوش يحتوي على 9 منازل على هيئة قباب تسكنها عائلات من المدينة إلا أنه يعتبر من المعالم المطموسة والمهمشة والتي لا يعلم بوجودها إلا قلة من سكان المدينة, و تعاني العائلات التي تسكنه الأمريين بسبب تأكل منازلهم التي تهدد حياتهم نتيجة سقوطها على رؤوس ساكنيها في أي لحظة.

هنا أم علي -٧٥ عاما-  والتي تمثل نموذجا لسكان حوش أبو الرب " الدعبول"  خط الكِبر في ملامحها رحلة العمر فكان لبيتها الحالي النصيب الأكبر من معاناتها التي بدأت بوفاة زوجها ليتركها في سن ال21 تعيل خمسة أطفال لم يتعد أكبرهم ال10 أعوام.

تقول أم علي " سكنت وزوجي هذا البيت عام 1968 بعد أن جئنا من سوريا حيث كان زوجي يعمل هناك خياطاً, وبعد وفاة زوجي بقيت أنا وأبنائي هنا وها أنا أسكن وحدي الان بعد ان تزوج أبنائي الخمسة".

وتضيف أم علي " كان البيت في ذلك الوقت جميل جدا أحببته لأنه يشبه البيوت السورية كما اعتدتها هناك لكنه الان لا يصلح للعيش فبعد أن قمنا بوضع ألواح الزينكو لسقف المنزل اهترأت جدرانه وملأته الرطوبة ولم يعد ذلك البيت الذي يمكن للانسان أن يسكنه لكن ليس باليد حيلة فليس باستطاعتنا ترميم البيت أو حتى الانتقال لبيت أخر فكل ذلك يحتاج إلى الكثير من المال الذي ليس متوفرا".

 تتعكز طرف الحائط لتتنقل من غرفة لأخرى بعد أن تآكل مفصل قدمها اليسرى فأفقدها قدرتها على المشي لتحدثنا وهي تشير إلى الشقوق الموجودة في جدارن غرفتها عما تعانيه, فتلك الشقوق التي تملئ جدران المنزل لم تكن موجودة بشكل كبير لكن أعمال البناء التي يقوم بها أصحاب المحال التجارية التي يفصلها عن بيت أم علي جدار غرفتها فقط دون أن يكترثوا لأثر ذلك على بيتها على الرغم من توجه ابنتها لهم وإخبارهم بأثر تلك الصيانة على بيت والدتها.

في مطبخ لم يتعد المتر الواحد أعدت لنا ابنتها أم العبد الشاي، لتحكي لنا قصة خوفها اليومي على أمها وتقول "  أفكر بأمي دائماً وأخشى ان يحدث لها شيء خاصة أن سقف غرفتها معرض للانهيار بأي وقت عدا عن حالتها الصحية السيئة بسبب تاكل مفصل قدمها اليسرى وعدم قدرتنا على اجراء العملية الجراحية المقررة لها لتكلفتها العالية".

أمطار الشتاء غزيرة والأيادي ممتدة لله بالمزيد لينعم المحبين بانهمار قطرات الماء على شبابيك بيوتهم لكن الحال هنا مختلف فسقف بيت أم علي المكون من ألواح الزينكو المهترئ وجدران منزلها المتآكلة لن تمنحها من دفء الشتاء ما يجب حتى تتعجل الدعاء بانقضائه بسرعة.

"هاي حالتي بالشتا"  تقول أم علي وهي تصور لنا هيئة أوعية الماء التي تأخذ من فراشها جانبا لتتلقى قطرات الماء المتسربة من سقف الغرفة على سريرها قطرة قطرة, وتضيف " أخشى فصل الشتاء جدا حتى أني صرت أكرهه فما أن يأتي الشتاء حتى تبدأ معاناتي مع الماء المتسرب من جدران المنزل الذي يملأ الأرض فأقضي الليل كله وأنا أفرغ الأوعية التي أضعها على سريري كلما امتلأت بالماء وأضعها مجددا وهكذا حتى ينتهى المطر ذلك اليوم".

وعن محاولاتهم في اللجوء إلى أي من الجهات التي من الممكن أن تساعدهم في ترميم المنزل لعدم قدرتهم القيام به لتكلفته العالية, تقول أم العبد" لقد توجهنا للعديد من الجهات لكي تساعدنا في ترميم المنزل أو على الأقل غرفة واحدة فيه لكن لم يكن هناك أي استجابة, كما أننا طلبنا من صاحب البيت أن يساعدنا في ترميمه لكنه رفض وطلب منا إخلاءه في حال قمنا بتكرار الطلب".

 وتضيف أم العبد "الأمر الذي صدمت به أن لا أحد يعلم بوجود حوش أبو الرُّب على الرغم من أنه من أقدم المناطق في مدينة طولكرم وربما قد يكون هذا السبب في غياب الاهتمام بهذا المكان وساكنيه ".

فيما يعلل الأستاذ مفيد صلاح مدير السياحة والآثار في مدينة طولكرم وقلقيلية السبب وراء عدم الاستجابة إلى ترميم المنازل الموجودة في حوش أبو الرب إلى التكلفة العالية التي يحتاجها مثل هذا المشروع مشيرا إلى إمكانية القيام بهذه الخطوة في حال بادر أصحاب المنازل بدفع شيء من التكلفة ليتم ترميم منازلهم.

وبيد أن بيتها  تهالك على نفسه وأرداه القدم لكنه لم يخل من محطات الجمال التي لم تكف الحاجة ام علي عن التغزل بها وعلى الرغم من أن أبناءها دائما ما يحاولون إقناعها بأن تسكن عند أحدهم إلا أنها تأبى التخلي عن جذعها الأول كما وصفته، فذلك الراديو القديم الذي يتوارى في ركن الغرفة الضيق يختزل سنوات عاشتها أم علي وزوجها عندما كان يعمل خياطا في سوريا وتلك الغرف الثلاث التي ربت فيها أبناءها الخمسة وذاك المطبخ الصغير شاهد على ما ذكريات عاشتها أم علي طيلة ما يقارب الخمسون عاما في ذات المنزل.