منظومة الردع الإسرائيلية.. بين النجاح والاخفاق

تلفزيون الفجر الجديد – تُستخدم استراتيجية الردع من أجل منع الخصم أو العدو من القيام بعمل عدائي عبر الإشارة له بأن الرد سيكون قويًّا وسيتسبب له بضرر فادح. ويقوم الردع على الوسائل التي يمتلكها الطرف الذي ينفّذ التهديد ومدى استعداده للقيام باستخدامها والقدرة على جعل التهديد يُؤخذ على محمل الجد من قبل الطرف المُهدَد، فالردع يُستخدم للتأثير على قرارات الطرف الخاضع للتهديد ومصالحه الاستراتيجية. وهو ما تحاول “إسرائيل” القيام به منذ نشأتها.

وقد نمت استراتيجية الردع مع بداية الحرب الباردة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والصراع على مناطق النفوذ والمصالح بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، حيث اعتمد الطرفان على استخدام استراتيجية الردع من أجل عدم الوصول إلى حرب شاملة قد تودي إلى دمار كلتا الدولتين. من هنا ظهر سباق تسلح فعال وتطوير للوسائل القتالية، وامتلاك السلاح النووي والسيطرة على المزيد من مناطق النفوذ ونشر السلاح فيها.

وينقسم الردع إلى أربعة أنواع أساسية، أولاً: الردع الشامل، والذي يمتنع من خلاله الخصم عن القيام بهجوم شامل على الطرف الرادع. ثانيًا: الردع الانتقائي، إذ يمكن التعاطي مع نكث محدود للوضع العسكري القائم لا يصل لمستوى حرب شاملة. ثالثًا: الردع المباشر، ويعني منع الخصم من المساس بالطرف الرادع، أو منع تغيير الوضع القائم بين الرادع والمردوع. رابعًا: الردع غير المباشر، ويعني منع الخصم من المساس بحليف الطرف الرادع.

واعتمدت “إسرائيل” منذ تأسيسها على العديد من الاستراتيجيات الأمنية، تركَّزت غالبًا، وفي ظل غياب تسوية للصراع العربي الإسرائيلي، على أساسين، هما: استراتيجية الردع، وهي تفعيل قوة محدودة لبلوغ هدوء لأطول فترة ممكنة، واستراتيجية الحسم، إذ تكون نتائجها طويلة الأمد ولكن ثمنها باهظ جدًّا.

وقد شهدت “إسرائيل” نقاشًا موسعًا في العقد الأخير حول نجاعة إستراتيجياتها الأمنية، وبالتحديد قضية الردع. ووصل النقاش إلى ادعاء العديد من المحللين والسياسيين أن قوة الردع الإسرائيلية انسحقت قبيل الحرب الأخيرة على لبنان عام 2006، إلا أن إسرائيل استطاعت ترميمها أثناء الحرب بفضل قدرات سلاح الجو الإسرائيلي.

وعاد النقاش من جديد حول قوة الردع الإسرائيلية وبالتحديد بعد حروب غزة الثلاث، في ظل اتهامات داخلية بأن استراتيجية الردع الإسرائيلية تحتاج إلى تغيير جوهري حتى تكون فاعلة ومؤثرة وخاصة مع التنظيمات. فهل تراجعت –فعلاً- قوة الردع الإسرائيلية؟

أنواع الردع الإسرائيلي

تعددت أساليب الردع الإسرائيلي ووسائله، فقد كان الردع العسكري جزءًا أساسيًّا من الرؤية الأمنية كما وضع أساساتها ديفيد بن غوريون، أول رئيس للحكومة ووزير للدفاع، وارتأت “إسرائيل” بفعل طبيعة الظروف الأمنية المحيطة بها، أن تمتلك أكبر قوة ممكنة من أجل ردع خصومها، ومنعهم من مهاجمتها أو من تغيير الوضع القائم.

وقد كان الحسم العسكري جزءًا أساسيًّا من السياسة الأمنية الإسرائيلية، فلم توفر “إسرائيل” جهدًا في حسمها أيًّا من المعارك التي خاضتها. واعتمد الردع الإسرائيلي على مكونين أساسيين، هما: القدرة العسكرية للجيش الإسرائيلي وإعداده بشكل جيد، والجاهزية الإسرائيلية لتفعيلها وردع الخصوم. من جهة أخرى، يمكن تقسيم أنواع الردع الإسرائيلي إلى أربعة على النحو الآتي:

أولاً: الردع الجارف، وهو التهديد باستخدام قوة جارفة لمنع العدو من اتخاذ أي خطوات من شأنها تغيير الوضع القائم، أو القيام بأي ردٍّ من قبل الدول العربية على الأعمال التي تقوم بها إسرائيل، كالتسلل إلى “إسرائيل”، والقيام بعمليات .

ثانيًا: الردع المحدَّد، وهو يهدف إلى منع الخصم من التخطيط لإجراءات بهدف تغيير الوضع القائم. والردع المحدَّد لا يشمل الخروج إلى حرب، وإنما يُنفَّذ عن طريق وضع خطوط حمراء، يكلِّف المساس بها ثمنًا باهظًا كردٍّ عسكري.

ثالثًا: الردع الاستراتيجي، وهو يعني منع الخصم من القيام بأي عمل يمثّل تهديدًا وجوديًّا على “إسرائيل”، مثل الحرب الشاملة، وذلك من خلال إقناعه أن نتائج الحرب وثمنها سيكون قاسيًا. ووظيفة الردع هنا منع المهاجم من تحقيق أهدافه من خلال تفعيل القوة التقليدية. والجدير بالذكر هنا أن “إسرائيل” تحافظ على سياسة الغموض النووي، كجزء من الردع الشامل.

رابعاً: الردع المتراكم، هي سياسة طويلة الأمد، وهي معدة لإقناع الطرف العربي أن إنهاء الصراع عن طريق القضاء على دولة إسرائيل هو أمر غير ممكن.

قوة الردع الإسرائيلية حتى نهاية ستينيات القرن الماضي

شهدت دولة “إسرائيل” ومنذ تأسيسها قدرة على الانتصار في الحروب وبأقل جهد ممكن، فقد استطاعت أن تطبق عمليًّا غالبية نظرياتها الردعية، والتي حققت نجاحًا إلى حد كبير. إلا أن سياسة الردع الإسرائيلية لم تجلب هدوء تامًّا للحدود الإسرائيلية، ورغم أن أي دولة عربية محيطة، لم تقم بمهاجمة إسرائيل أو حتى التفكير الجدي بمهاجمتها، إلا أنها واجهت إشكالية أمنية لم تكن سهلة، تمثّلت في محاولة العديد من اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ومصر التسلل لـ”إسرائيل” لتنفيذ عمليات فدائية.

اعتمدت “إسرائيل” خلال سنوات الخمسينيات سياسة الردِّ الجارف من أجل القضاء على الأعمال الهجومية ضدها، والتي تمثّلت في كثرة المتسللين، وتسببت بمقتل الكثير من الإسرائيليين، فقد قُتل 99 إسرائيليًّا خلال السنوات الثلاث الأولى. الأمر الذي دفع إسرائيل للقيام بالعديد من عمليات الردِّ “الجارف” بهدف القضاء على عمليات التسلل. إلا أن سياسة الردِّ الجارف لم تحقق النجاح المرجو منها.

وبعد أحداث مجزرة قبيا عام 1953 (“شوشانا” كما تسميها إسرائيل)، وجدت إسرائيل نفسها تواجه عمليات عسكرية، مما دفعها إلى تشكيل وحدة خاصة سُمّيت بالوحدة 101، من أجل مواجهة الأعمال ضدها بدلاً من الوحدات النظامية. إضافة إلى ذلك، نفَّذت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية العديد من عمليات الاغتيال كجزء من سياسة الردع الإسرائيلية.

كما أن العمليات الإسرائيلية في سيناء المصرية والتي قُتل خلالها 2000 جندي مصري وأُسِر قرابة 5000 لم تحقق الأهداف المرجوّة ولاسيما إسقاط نظام جمال عبد الناصر وخلق نظام شرق أوسط جديد، إلا أنها ساهمت في تقوية الردع الإسرائيلي، فقد منعت العرب من الخروج في حرب ضد “إسرائيل”، إضافة إلى قيام عبد الناصر بتحذير العرب من خوض حرب ضد “إسرائيل” لأن الهزيمة ستكون حليفهم (شلوم، 2011).

كذلك ساهمت سياسة “إسرائيل” ومشاركتها في الحرب ضد مصر عام 1956 بتقوية علاقتها مع فرنسا، ممّا ساهم في إدخال عامل جديد زاد من قوة ردعها، فقد أقامت بمساعدة فرنسا مشروعها النووي.

وشهدت “إسرائيل” حتى عام 1967 هدوء نسبيًّا، وهي تدَّعي أن عمليات الردع التي قامت بها ساهمت بتقليل أعداد المتسللين بشكل كبير وملفت للنظر.

ورغم أن “إسرائيل” لم تكن تمتلك تكنولوجيا متطورة للرقابة، ولم يكن لديها انتشار كبير للقوات، إلا أن الضغط الذي قام به الرئيس المصري جمال عبد الناصر على غزة، خوفًا من الرد الإسرائيلي، ساهم في تقليل أعداد المتسللين. وقد ظهرت قوة الردع الإسرائيلية بشكل جلي خلال حرب حزيران عام 1967، إذ استطاعت أن تحقق انتصارًا كبيرًا على دول عربية وازنة، منها مصر أكبر دولة عربية، التي اكتسب نظامها هالة كبيرةً وشعبيةً واسعةً من خلال عدائه العلني لـ”إسرائيل” وإعلانه الاستعداد لقتالها، ممّا أثبت أن نظريات الردع الإسرائيلي الهادفة إلى منع العرب من البدء بأي حرب وتهديد كيان إسرائيل واستمراريتها قد لاقت نجاحًا واضحًا.

يُضاف إلى ذلك قدرة “إسرائيل” على حسم الحرب بآلية ربما لم تكن تتوقعها “إسرائيل” نفسها، مما جعل “أهرون لبرن” يعتبر أن حرب حزيران 1967 كانت آخر انتصارات “إسرائيل” الواضحة.

أرادت “إسرائيل” بعدها أن تؤكد قدرتها على حسم المعارك وتأكيد تفوق قوتها على الردع، وذلك حين أقدمت في الحادي والعشرين من آذار 1968 على اقتحام قرية الكرامة الواقعة على الحدود الأردنية الفلسطينية، لكنها واجهت مقاومة باسلة من المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني، وتركت خلفها، ولأول مرة في تاريخ الصراع، خسائر وقتلى في أرض المعركة. الأمر الذي أثبت فشل نظريات الردع الإسرائيلية، سواء الردع الجارف أو المحدد، ولكن بقيت “إسرائيل” تحتفظ بتفوق ردعيٍّ استراتيجي ومتراكم، فلم تواجه أعمالاً تهدد كيانها الوجودي. ودخلت إسرائيل بعدها في حرب استنزاف أثبتت أنها لم تعد تمتلك قوة ردع تمنع خصومها من المبادرة بأعمال عدائية ضدها، والسعي نحو تغيير الوضع القائم، الأمر الذي جعل “أهرون لبرن” -أيضًا- يعتبر أن تلك المرحلة مثّلت بداية غروب نجم قوة الردع والحسم الإسرائيلي.

قوة الردع الإسرائيلية ما بين 1973 حتى 2006

مثّلت حرب حزيران عام 1967 بروز نجم القوة الإسرائيلية وقدرتها الفائقة ليس على الردع فحسب، بل وأيضًا على حسم المعارك لصالحها. تجلّى ذلك بوضوح تام من خلال سعي “إسرائيل” لكبح جماح أي عمل عسكري ضدها، واعتقادها بأن قوة الردع التي باتت تمتلكها ستجعل من خصومها غير مؤهلين أو حتى مستعدين لخوض حرب ضدها. صحيحٌ أن تلك الدول لم يصل بها الأمر إلى التفكير بالقضاء التام على دولة “إسرائيل”، إلا أنها فوجئت بقيام الدول العربية بقيادة مصر، بالبدء بحرب ضد “إسرائيل” عام 1973 تهدف إلى تغيير الوضع القائم، الأمر الذي جعل “بار يوسف” يعتبر أن تلك الحرب مثّلت “الفشل الأكبر للردع الإسرائيلي”.

وإذا كانت “إسرائيل” قد أسست إستراتيجيتها للردع على منع الدول العربية من بدء هجوم عسكري عليها، فإن حرب 1973 التي بادرت بها مصر وسوريا أوضحت أن أسس استراتيجية الردع الإسرائيلية بدأت بالتآكل.

ومن الملفت للنظر أيضًا أنه وقبل حرب 1973 بثلاثة شهور رجّح وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشيه ديان أن ما حققه الردع الإسرائيلي يشير إلى عدم وجود حروب في العقد القادم، ولذا فإن مبادرة مصر وسوريا بالحرب تشير إلى أن تقديرات “إسرائيل” نابعة من الإفراط الزائد في الثقة بقوّتها على الردع.

علاوة على ذلك، سجّلت تلك الحرب فشلاً آخر في نظرية الردع الإسرائيلية، فقد توقعت “إسرائيل” أنه لا يمكن لأي عمل عسكري أن يُسهم في تغيير الوضع القائم، وكان أملها وفق الدكتور “دوف تمري” “أن تبقى في سيناء للأبد”. إلا أن ما تبع الحرب من تنازلات وانسحابات إسرائيلية، نقض نظريات الردع الإسرائيلية.

ومع استمرار أعمال المقاومة الفلسطينية انطلاقًا من العديد من الدول العربية، سعت “إسرائيل” إلى أن تعيد لنفسها هيبة الردع المتراجعة، فقامت بشن حرب على لبنان عام 1982، بهدف القضاء على المقاومة الفلسطينية. عمليًّا استطاعت “إسرائيل”، وباستخدام آلة عسكرية كبيرة جدًّا، أن تحقق هدفها بإبعاد المقاومة الفلسطينية من لبنان، وأن ترمم جزءًا كبيرًا من قوة الردع، ووفق “يوسي فيلد” قائد المنطقة الشمالية”، فقد أظهرت “إسرائيل” قوة جوية وبرية واستخبارية ساهمت في تحقيق النصر”.

ولكن مع ذلك، لم تتحقق الأماني الإسرائيلية بجلب هدوء تام، فما هي إلا سنوات قليلة واندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي أكدت بشكل واضح أن الردع الإسرائيلي بات مسألة تحتاج إلى نقاش، فالدولة التي استطاعت مع بداية تأسيسها ردع خصومها وحسم المعارك ضدهم، لم تعد بذات الفعالية، فقد أشار “لبرن” إلى أن “إسرائيل اقتنعت أنه لم يعد بالإمكان الانتصار عسكريًّا، وأنه لا بد من الحل السياسي”.

وهكذا، وبالعودة إلى نظريات الردع الإسرائيلية، يتبين أن تغيرًا هامًّا قد حدث، فتغيير الوضع القائم بات من الممكن أن يأتي خلافًا لما تطمح له إسرائيل، وقد أثبت انسحاب “إسرائيل” من جنوب لبنان عام 2000 وفق “أهرون لبرن” “مدى التعب الإسرائيلي من الانتصار”.

تآكل قوة الردع الإسرائيلية بعد عام 2006

شنت “إسرائيل” منذ عام 2006 أربع حروب ضد فصائل المقاومة، الأولى كانت عام 2006 ضد حزب الله اللبناني، والثانية والثالثة والرابعة كانت ضد فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في أعوام 2008، 2012، 2014 على التوالي. مثلت تلك الحروب اختبارًا جديدًا لـ”إسرائيل” التي اعتادت على مواجهة تنظيمات، وليس جيوشًا منظمة كما كان الحال في حروبها الثلاث الأولى مع الدول العربية. ورغم أن تلك التنظيمات ترفع شعار القضاء على “إسرائيل”، إلا أنها عمليًّا لا تمتلك القوة التي تمكّنها من ذلك.

ولكن في الوقت نفسه، لم تستطع “إسرائيل” حسم أي من المعارك مع تلك التنظيمات، سواء حزب الله في الجنوب اللبناني، أو التنظيمات الفلسطينية في قطاع غزة، وبالتحديد حركة حماس. كان الاعتقاد الإسرائيلي السائد أن سيطرة حماس على قطاع غزة، سيدفعها إلى عدم الانجرار لمعارك ضد “إسرائيل”، وأن الحركة ستفضّل ضبط النفس. إلا أن الأمنيات، أو على الأقل التوقعات الإسرائيلية، باءت بالفشل، باعتبار أن حركة حماس في غزة لم تقف مكتوفة الأيدي، ولم تفضّل ضبط النفس اللامحدود في مواجهة “إسرائيل”.

استراتيجيات الردع الإسرائيلي

وانطلاقًا من عدم قدرة “إسرائيل” على حسم المعارك مقابل تنظيمات المقاومة، وفشل استراتيجيات الردع الجارف والردع المحدَّد والردع الإستراتيجي، فقد انتهجت “إسرائيل” العديد من إستراتيجيات الردع كما يلي:

أولاً: استراتيجية عدم الخضوع، وتتمثل في عدم خضوع “إسرائيل” لتنظيمات المقاومة، وتقوم على تخفيف حدّة المواجهة وخلق قوة ردع، والامتناع عن حسم المعارك التي سيكون ثمنها باهظًا جدًّا. والهدف منها تقصير عمر المواجهة، وتدفيع الخصم ثمنًا قاسيًا كوسيلة لمنعه من افتعال مواجهة مع “إسرائيل” في المستقبل.

ثانيًا: استراتيجية تقنيب العشب، وتتمثل في قيام “إسرائيل” بضبط النفس إلى حد كبير مقابل تنظيمات المقاومة الفلسطينية، إذ لا تقوم “إسرائيل” بالردّ على أي عمل هجومي، على أن تقوم في كل فترة بردّ قاسٍ وقوي، تضْمَن من خلاله ردع الخصم بشكل فعال وتقنيب قوته إلى حد كبير، مع إرسال العديد من الرسائل التي أبرزها أن القضاء على “إسرائيل” أمر غير ممكن.

ثالثًا: استراتيجية عقيدة الضاحية، وتتمثل في تفعيل إسرائيل أكبر قوة عسكرية ممكنة، خاصة القصف الجوي، وذلك للمساس بالمناطق الحيوية لتنظيمات المقاومة، كما فعلت إسرائيل في مواجهة حزب الله عام 2006. ويعتقد الجيش الإسرائيلي أن المواجهات القادمة يجب أن تشمل قصفًا مكثفًا لأي منطقة تنطلق منها الصواريخ باتجاه إسرائيل، والهدف منها إنهاء الحرب بشكل سريع، وردع الخصم من افتعال أي حرب قريبة في المستقبل.

رابعًا: استراتيجية منع استعادة القوة، وتهدف إلى منع تنظيمات المقاومة، وبالتحديد حركة حماس، من استعادة قوتها الهجومية، وإبقاء وضعها الاقتصادي والسياسي ضعيفًا.

وبالعودة إلى استراتيجية “إسرائيل” التي تهدف بالمجمل إلى منع تنظيمات المقاومة من العودة إلى المواجهة، حتى وإن قامت إسرائيل بانتهاكات معيّنة، فقد استخدمت “إسرائيل” استراتيجية الضاحية، من خلال القصف المكثف للمناطق السكنية، بهدف ردع حزب الله، وإيصاله إلى الاقتناع بأن الحرب مع “إسرائيل” ستكون تكلفتها باهظة جدًّا.

وعمليًّا ساهمت النظرية بجلب الهدوء إلى حد كبير في شمال إسرائيل، فقد اعتبرها إيهود أولمرت رئيس الحكومة السابق أنها أنجح حروب إسرائيل (هنكين، 2013). إلا أن ذلك لا يعني أن “إسرائيل” بالفعل استطاعت أن تردع حزب الله، الذي يواجه حاليًّا العديد من التحديات، على رأسها مشاركته في الحرب السورية، لذلك فإن من يضمن حدود “إسرائيل” في الشمال ليس قوة الجيش الإسرائيلي فحسب، بل أيضًا ما يعاني منه حزب الله من مشاكل داخلية، ووفق “هينكين” فإن ذلك لا يعني أن حزب الله تقبل حقيقة وجود إسرائيل واستمرارية قيامها.

“إسرائيل” ردعت الدول ولم تردع التنظيمات

لم تستطع “إسرائيل” منع المواجهة مع تنظيمات المقاومة في غزة، فقد اعتقدت أن تحمّل حماس المسؤولية عن السكان في غزة سيمنعها من الدخول في أي مواجهة مع “إسرائيل”، وذلك انطلاقًا من حالة الضعف التي تواجهها الحركة، والوضع الاقتصادي الصعب في غزة، وكذلك القطيعة السياسية من الدولة الأكبر على حدودها: مصر.

لقد أثبتت حرب عام 2014 أن التنظيم بات أكثر قوة من الماضي، وبالتالي استطاع أن يكسر النظرية الإسرائيلية الهادفة إلى منعه من استعادة تسلحه. علاوة على ذلك، استخدمت إسرائيل استراتيجية الضاحية خلال الحرب الأخيرة على غزة، ولم يظهر على تلك التنظيمات أنها ارتدعت، إذ إن رفض المبادرة المصرية كما يشير “جولوف”، هو بحد ذاته دليل على ضعف الردع الإسرائيلي.

ولذلك، بات الاعتقاد في إسرائيل أن ردع الحركة في غزة ينبغي أن يكون من خلال تقديم العديد من التسهيلات، حيث سيصبح للحركة ما تخشى عليه. وهنا يظهر إقرار إسرائيلي ضمني مفاده أن توالي الحروب على غزة، يؤكد أن الردع الإسرائيلي غير ذي صلة.

وبالتالي تجد “إسرائيل” نفسها بين مأزقين، فهي من ناحية ستظهر بأنها خضعت لتنظيمات المقاومة إذا قدّمت بعض التسهيلات، لكنها من ناحية أخرى ستضطر إلى مواجهة جديدة إذا استمرت الأوضاع على حالها، مما يعني ثبوت فشل نظرية الردع، ومن الممكن أن تكون الحرب أشد من سابقاتها في ظل الحديث عن تطوير المقاومة لوسائلها، من خلال حفرها للأنفاق وتطوير قوتها الصاروخية.

ويلخص “عاموس يدلين”، رئيس معهد الأبحاث القومي، فشل نظرية الردع الإسرائيلي، فيرى أن الحروب الثلاث الأخيرة على قطاع غزة، لم تُثنِ خصوم “إسرائيل” عن مواجهتها والاستعداد لمواجهات قادمة، رغم الأفضلية التسليحية، والدعم الأمريكي الواضح لـ”إسرائيل”، والحصار المفروض على غزة، وأن الحرب الأخيرة عام 2014 تميزت بتعادل استراتيجي بين الطرفين.

ولم تكن قضية الردع الإسرائيلي بعيدة عن النقاش الرسمي، ولم تُخفِ قيادات كثيرة تخوفها حيال تآكل قوة الردع الإسرائيلية. فقد اعتبر “أفيجدور ليبرمان” زعيم حزب “إسرائيل بيتنا”، في خطابه في المعهد القومي للدراسات الأمنية، أن الحرب الأخيرة على غزة عام 2014 ساهمت في سحق قوة الردع الإسرائيلية، وأن ضمان قوة الردع يجب أن يكون من خلال تحقيق حسم عسكري وتحقيق أهداف الحرب التي لم تتحقق.

كذلك تقاطع “يائير لبيد” زعيم حزب “يوجد مستقبل” إلى حد كبير مع ليبرمان، فقد اعتبر أن تزايد قوة التنظيمات المعادية لإسرائيل، وارتفاع منسوب العمليات العدائية ضدها من الضفة المحتلة، وفشلها في التعامل مع الملف النووي، كل ذلك يشير من وجهة نظر لبيد إلى تراجع قوة الردع الإسرائيلية.

علاوة على ذلك لم يُخْفِ بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، أن هدف إسرائيل من الحرب الأخيرة على غزة هو ترميم قوة الردع الإسرائيلية، وهذا بحد ذاته يشير إلى شعور “إسرائيل” بتراجع قوّتها الردعية، فلم تعد تهنأ بفترات طويلة من الهدوء منذ عام 2006.

صحيح أن “إسرائيل” لا زالت تحتفظ بأفضلية معينة في ساحة المواجهة، وذلك بسب امتلاكها قوة تسليحية أفضل، وقوة جوية متميزة، إلا أن كل ذلك لم يسهم في إقناع خصومها برفع الراية والاستسلام لها.

ورغم أن “إسرائيل” منذ نشأتها وحتى نهاية الستينيات من القرن الماضي امتلكت قدرة واضحة على الردع وحسم المعارك، إلا أن تلك القدرات بدأت بعد ذلك بالتراجع تدريجيًّا، لدرجة وجدت إسرائيل نفسها في العقد الأخير، ورغم التفوق الكبير، عاجزة عن تحقيق ردع فعّال، بل تعدى الأمر ذلك لتصبح “إسرائيل” وفق “شاؤول شاي” رادعة ومردوعة.

يعتمد نجاح قوة الردع على الوصول في نهاية المطاف إلى ترتيبات سياسية معينة، تفضي إلى إنهاء النزاع أو الصراع، ودون ذلك فإن قوة الردع الإسرائيلية لن تضمن استمرار الهدوء، فسوء الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة، والحصار السياسي الممارس ضدها، قد تكون شرارة الحرب القادمة، لذلك برزت في الآونة الأخيرة بعض الأصوات التي تطالب بتحسين الأوضاع في غزة، كضمان لاستمرار الهدوء في الجبهة الجنوبية.

ويمكن القول إن “إسرائيل” استطاعت بناء قوة ردع منعت خصومها على مستوى الدول العربية من انتهاج سياسة هجومية ضدها بعد حرب 1973، إلا أنها فشلت في تثبيت فترات طويلة من الهدوء.

وفي نفس الوقت، تقر “إسرائيل” أنه من الصعب ردع خصوم على مستوى تنظيمات كحزب الله وحركة حماس، بسبب العقيدة القتالية التي تؤمن بها تلك التنظيمات.

والأهم من ذلك، فإن العامل الأبرز في ضعف الردع الإسرائيلي هو عدم قدرة “إسرائيل” في العقد الأخير على حسم أي من المعارك لصالحها، إذ إن فقدان الحسم ساهم في فقدان الردع لجزء كبير من قيمته، رغم الأفضلية التي تتحلى بها “إسرائيل” على المستوى العسكري.