السجن بقلم صحفي

تلفزيون الفجر الجديد- نجوى عدنان- يتوارى خلف قضبان السجن، يلتقط قلمه ليخط به معاناته، كل الكلمات التي مرت في حياته تلتحم الآن بقوة في ذاكرته كي لا تضيع أو تنسى، فإن فقدت لا يوجد بديل هنا، شدة الحصار فجرت إبداعه الصحفي في مهمة غير اعتيادية لينقل ألم غرف التحقيق عبر حروفه، وتصطف النصوص في كتاب يلخص تجربة الإعلامي أمين أبو وردة.

هجر جده من يافا الجميلة لتحتضنه مدينة نابلس، ومن بين أزقة مخيم بلاطة الضيقة وتحديداً في الخامسة من آيار عام1966 كانت ولادة أمين أبو وردة، ذاك الطفل الذي كبر ونشأ على خيالات من حلم العودة، وفي عام 1984 حصل على شهادة الثانوية العامة الأدبي كخطوة أولى اجتازها في حياته الدراسية، تلاها عدة شهادات جامعية مثل بكالوريوس الخدمة الاجتماعية، ودبلوم مهني في الصحافة المكتوبة، ودبلوم محاسبة، وآخرها ماجستير في التنمية والتخطيط السياسي من كلية الدراسات العليا.

بدأ أمين كلامه قائلاً: "الصحافة لها رونق خاص داخل دولة يقيدها الاحتلال، أن تكون صحفياً هنا هذا يعني أنه عليك إتقان دمج الكلمة بالصورة لتعلي بهما صوت الحرية، ولقد انخرطت في جميع مناح الصحافة، وتنقلت بين عدد من الوسائل الإعلامية، فعملت بداية كمراسلاً للعديد من الإذاعات المحلية، وانتقلت مراسلاً لصحف عربية ودولية من بينها "وكالة أنباء القدس برس العالمية"، ثم مقدماً لبرنامج شؤون الأسرى في إذاعة النجاح، والآن أعمل رئيس تحرير وكالة أصداء المحلية".

عرف المحتل أهمية أمين الفكرية والوظيفية وتأثيره الكبير بإيصال الواقع الفلسطيني المعاش، فلاحقوا حريته وانتزعوها منه ثلاث مرات، كانت أولها في عام 1988 حيث قضى ستة أشهر في السجون الإسرائيلي، والثانية عام 2012 ليبقى عشرة أشهر تحت ذل الحكم الإداري، أما آخرها فكانت في مطلع هذا العام، وخرج منذ أسبوعين من الآن.

سياسة إسرائيلية…

إن اعتقال الصحافيين ظاهرة ليست بالحديثة بل هي سياسية إسرائيلية تسعى لكتم صوت الحق الفلسطيني، وتقييد حرية كل من يحاول تجسيد الواقع بكلمة أو صورة، لقد تصاعدت أعداد الاعتقالات على الصحافيين خلال الأعوام ما بين 2008-2014 بمجموع 127 حالة، حسب ما رصده المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية "مدى".

في ظل التطور الهائل وزيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، نفذت قوات الاحتلال الكثير من عمليات الملاحقة والانتهاكات للصحفيين جراء نشرهم بعض المواد أو الآراء على إحدى هذه المواقع، بحجة أنهم يقومون بعمليات تحريض للرأي العام جراء هذه الكتابات.

لم يتوقف الأمر عند الاعتقال، بل تعداه في الأشهر الأخيرة لمضايقات وانتهاكات بحقهم ووصل بعضها إلى جرائم إعدام أمام  شاشات التلفاز، فترى الجنود على الحواجز يمنعون الصحافيين من تغطية الأحداث، ويتعمدون إيذاءهم بالضرب والغاز ورش الفلفل الحارق بوجوههم، وفي بعض الحالات كانوا يطلقون النار باتجاههم ويسقطوهم شهداء أو جرحى.

كل هذه أدلة قاطعه على وحشية الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفي الفلسطيني ضمن سلسلة من الانتهاكات المستمرة على جميع الأصعدة.

 

 

رغم شدة الحصار والضيق التي تعرض لها أمين داخل السجون إلا أن همة الصحفي فيه أبت أن تفتر، فواصل دربه مستغلاً كل الوقت للقراءة والكتابة والتأليف ليخرج بحصيلة أدبية أثمرت عن كتاب "أثر المواقع الإلكترونية الإخبارية الفلسطينية على التوجه والانتماء السياسي"، "العامل الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي"، "سلسة أولست إنساناً" و"بصمات في الصحافة الاعتقالية".

يحدثني: "في سجني الأخير صرفت جل وقتي لتثقيف الأسرى وإعطائهم دورات في الصحافة والإعلام، كما تبادلنا الخبرات والقصص فيما بيننا لتتأرخ كلها بقلمي فيما بعد".

ويضيف: "كنت قلقاً جداً على أسرتي التي تعاني الفقد والغياب، فقد تكفلت زوجتي بتدبير مصاريف الحياة لها وللأولاد من بعدي، ومما زاد علينا لوعة الفراق حرمانهم من الزيارات التي نادراً ما كانت ترفع".

حقوق مسلوبة…

على مدار أكثر من60 عاماً صدرت قوانين دولية عديدة لحماية الصحفيين وتمكينهم من الدفاع عن حقوقهم في حالات السلم والحرب والنزاعات العسكرية، منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مادة19، والعهد الأممي لحقوق المدنين والسياسيين التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966.

وإعلان اليونسكو حول إسهام الإعلام في دعم السلام العالمي والتفاهم الدولي وتعزيز حقوق الإنسان ومكافحة العنصري والتحريض على الحرب للعام 1978، وإعلان جوهانسبرغ 2002 للأمن القومي وحرية الوصول للمعلومات، والميثاق العربي لحقوق الإنسان 2004، المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان 2010.

أما في زمن الحرب فنص القانون الدولي الإنساني بمادة 79 من البرتوكول الإضافي الملحق باتفاقية جنيف عام 1949،  "على أن الصحفيين المدنيين الذين يؤدون مهماتهم في مناطق النزاعات المسلحة يجب احترامهم ومعاملتهم كمدنيين"،وهو ما ثبت من خلال دراسة الجنة الدولية للصليب الأحمر عن قواعد المراقبة القانون الدولي الإنسان 2005، وقرار 1738 لمجلس الأمن الدولي.

هذه الحياة الصعبة التي تفرض  أبناء على شعبي وهو يرزخ تحت أغلال الاحتلال البغيض، فلا يعرف أحدهم متى تطلع الشمس أو تغيب، ولا يرى أمامه سوى عدوه الذي يمتلك كل الإمكانيات لقتله، وهو مجرد من كل الأسلحة سوى الإيمان بالله والقضية.