كيف يوظف الاحتلال اعلامه لشن الحرب النفسية على الفلسطينيين ؟

ريم خليلية – تلفزيون الفجر

يعالج هذا التقرير واقع الإعلام الإسرائيلي، وما طرأ عليه من تحولات بسبب النفوذ السياسي المتعاظم لصناع القرار في تل أبيب، والتطور التكنولوجي العالمي المتمثل في ثورة الاتصالات، وظهور الإعلام الرقمي، ووسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت إعلاماً ثنائي الاتجاه. وأثر هذا التحول في أداء الإعلام الإسرائيلي، إلى درجة بدا فيها، وفي كثير من الأحيان، متجنداً وليس مجنداً فحسب، وذلك على الرغم من نفوذه وأثره الواسعين.

تعتبر الحرب النفسية التي تشنها وسائل الإعلام الصهيونية نوعًا من الهجوم العدائي المبرمج، الذي يستهدف التأثير على عقول الأفراد ونفسياتهم ومعتقداتهم، عبر إثارة الإشاعات الكاذبة والفتن، وذلك بهدف غرس الخوف وتمزيق المجتمعات، وزعزعة ثقة الشعوب بجيوشها والتشكيك بقدراتها، ولا تتوقف الدعاية الإسرائيلية عند هذا الحد، فهى تتسم بالدهاء الأسود، إذ تستخدم إسلوب التكرار وتشويه الحقائق من أجل إبراز مفاهيم معينة وتصديرها إلى العالم، فقديمًا كان التركيز على كذبة سخيفة بأن “فلسطين هى موطن اليهود”، ثم انتقلوا للحديث عن أن الكيان الصهيوني الاستعماري هى “دولة مسالمة”، وهكذا يتم تغيير كل الحقائق إلى أكاذيب مغلوطة يتم إقناع العالم بها، فجيش الاحتلال الإسرائيلي يصبح “جيش الدفاع الإسرائيلي”، والقدس تتحول إلى عاصمة أبدية للدولة الإسرائيلية، وفي الإطار يتم الترويج لمسميات المدن والمناطق الفلسطينية بأسماءها الإسرائيلية الجديدة، فمثلًا يصبح حائط البراق هو حائط المبكى، وجبل بيت المقدس هو جبل الهيكل.. وهكذا، ويعدّ التضليل الإعلامي من أعتى أدوات الكيان الصهيوني، حيث يتم بصيغ متباينة وبقوالب مختلفة، فقد دأبت وسائل الإعلام الصهيونية على ترسيخ وصف الشخصية الإسرائيلية بأنها “ذكية، فعالة، منتجة”، وفي المقابل تقوم بتصدير صورة مغلوطة للشخصية العربية بأنها “كسولة، متخلفة، عدوانية.

وتتلخص أهداف وسائل إعلام الكيان الصهيوني في تثبيت أقدام اليهود وترويع وتخويف العرب عامةً، والفلسطينيين خاصةً، وكذلك الدعاية من أجل الترويج للفكرة الصهيونية وقوة الكيان الإسرائيلي، ولعل هذا ما يتضمنه البند الثالث من قانون الإذاعة والتلفزيون الإسرائيلي بوضوح، والذي ورد فيه أن “الهدف من الإعلام الإسرائيلي في كافة المجالات، هو إظهار الطابع الصهيوني لإسرائيل وكفاح اليهود وإبداعاتهم وأهم انجازاتهم على كافة المستويات، مع تعميق الإنتماء اليهودي والصهيوني معا، والتعبير والدعاية للحياة الثقافية اليهودية في العالم أجمع، وبث برامج بالعربية لترويض الجمهور العربي في أراضي عام 1948، وترويج دعاية للفلسطينيين والعرب عمومًا وفق أهداف السياسة الصهيونية، إضافة إلى بث برامج خارج حدود إسرائيل لتحقيق أهداف الصهيونية، والدفاع عن السياسة الإسرائيلية، وخاصة العدوانية والمتعلقة بالاستيطان والتهويد وأعمال العنف الحربية التي تشنها إسرائيل.

صعّدت إسرائيل في الأيام الفائتة، وما زالت، حربها الشاملة على جميع الفلسطينيين الذين يعيشون تحت نير نظام الفصل العنصري والفوقية العرقية اليهودية، رداً على هبة الشعب الفلسطيني على امتداد فلسطين التاريخية المستعمرة. فبعد 140 عاماً على وصول المستعمرين اليهود الأوروبيين إلى شواطئ فلسطين بهدف تجريد الفلسطينيين الأصليين من أراضيهم وسبل عيشهم، وبعد 73 عاماً على إنشاء المستعمرة الاستيطانية اليهودية الأوروبية التي قامت على سرقة وطن الفلسطينيين وطرد غالبية أبنائه، لم تتوقف المقاومة الفلسطينية لهذا المشروع الاستيطاني ابدا.

في سبيل الدفاع عن النظام الصهيوني في حربه الاستعمارية المستمرة على الشعب الفلسطيني، تم على مدى عقود استحداث معجم كامل من المفردات الأيديولوجية الليبرالية البيضاء، حيث يصر المدافعون عن إسرائيل من الليبراليين البيض (والمحافظين) على أن ما هو قائم في فلسطين ليس غزواً استعمارياً ونضال تحرر وطني مناهض للاستعمار، بل هو “نزاع”، والأخير مصطلح صهيوني يقدَّم على أنه وصف محايد. وتعرّف المصطلحات الليبرالية “المحايدة” الأخرى هذه الحرب الاستعمارية والمقاومة المناوئة لها على أنها “اشتباكات” و”دائرة عنف”. فنادراً ما يتم تعريف الفلسطينيين في المعجم الغربي الليبرالي الأبيض على أنهم السكان الأصليون لفلسطين الذين خضعوا ويخضعون للتطهير العرقي، كما لا يتم الكشف عن أن اليهود الإسرائيليين هم مستعمرون ومستوطنون يرتكبون التطهير العرقي. أما أعمال المقاومة الفلسطينية فتوصف بشكل “محايد” على أنها “عنف”، والأهم من ذلك على أنها “إرهاب”، بينما يُشار إلى القصف الاستعماري الإسرائيلي على أنه “ردّ” يبرره “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. ومصطلح “ردّ” الأيديولوجي الليبرالي هو مصطلح رئيس آخر يُطرح في سياق “الحياد”، فيما يُطرح الفلسطينيون دوماً على أنهم البادئون بـ”العنف”. ويهدف هذا إلى محو تاريخ وحاضر الحرب الاستعمارية الصهيونية على الفلسطينيين منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، بوصفها السبب الأول والمؤسس لكارثتهم ونكبتهم.

وعلى المنوال نفسه، تتم إعادة صياغة التطهير العرقي للفلسطينيين في المعجم الليبرالي على أنها “إخلاء” للفلسطينيين من منازلهم، مما يضفي الشرعية على تصوير جاريد كوشنر والنظام الإسرائيلي للسيطرة اليهودية الاستعمارية الاستيطانية في البلاد على أنها ليست أكثر من “نزاع على الممتلكات.

مقالات ذات صلة