معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: لا مفر من خوض معركة فاصلة في جنين



يرى باحثان بارزان في معهد دراسات الأمن القومي التابع لـ جامعة تل أبيب أنه لا مفر من خوض معركة فاصلة من أجل تفكيك “حاضنة الإرهاب” في مدينة جنين شمال الضفة الغربية. ويقول الباحثان كوبي ميخائيل، وأوري فارتان في معهد دراسات الأمن القومي إن إسرائيل تعيش معركة منذ أواخر آذار/ مارس، قُتل خلالها 19 مواطناً إسرائيلياً.

ويقولان أيضا في مقال مشترك إن الرد الإسرائيلي يتوزع على كافة مناطق الضفة الغربية، لكن الجهد الأساسي يتركز في منطقة جنين، التي خرج منها منفّذو ثلاث عمليات قُتل فيها 11 إسرائيلياً. ويعتقدان أن هذا النشاط في جنين رفع منسوب التوتر والاحتكاك والجرأة الفلسطينية، وأدى إلى إطلاق نار كثيف، قُتل خلاله جندي في وحدة اليمام الخاصة وأصيب عشرات المواطنين والجنود.

ويتابعان”إلى جانب نجاح بعض العمليات القاتلة، كان هناك الكثير من عمليات الطعن والدهس التي فشلت، أو أحبطتها قوات الأمن، جزء منها كان قاتلاً، ومن شأنه رفع عدد القتلى الإسرائيليين. لذلك، من المهم تحليل الفترة الحالية، ليس فقط من خلال التطرق إلى الهجمات التي انتهت بعمليات قتل، بل أيضاً التطرق إلى العمليات الفاشلة”.

ويعتبران أن خطورة المنظومة التي تتعامل معها إسرائيل، تعكس حجم التهديد المتراكم للعمليات، وكذلك ترجمة هذه العمليات إلى الوعي بالمقاومة العنيفة، التي تتم تغذيتها بفعالية عالية، من خلال جهود “حماس” عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كذلك برأيهما فإنه في الوقت عينه، تعكس هذه المعركة نجاح “حماس” وجهات أُخرى (الحركة الإسلامية بجناحها الشمالي المحظور وحزب التحرير، والسلطة الفلسطينية) في تحويل المسجد الأقصى إلى عامل يربط التيارات المختلفة في المجتمع الفلسطيني بأجزاء من المجتمع العربي في إسرائيل.

الجهاد الإسلامي

ويقولان إنه خلال هذه الفترة، تبين أن منطقة جنين باتت “حاضنة للإرهاب”، ومكاناً مريحاً، وفيه حيّز حرية نسبية للجهاد الإسلامي، الفصيل الأنشط في هذه المنطقة. ويضيفان “تراكمت في المنطقة عمليات التنسيق ما بين الجهاد وتنظيمات أُخرى، مع التشديد على “حماس” والجبهة الشعبية، وحتى كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة “فتح”. وخلال الأعوام الماضية، تمأسست فكرة المقاومة في جنين، ليس على صعيد محلي فقط، وتحولت إلى رمز للمقاومة العنيفة.

تاريخياً، تُعتبر منطقة جنين منطقة مهمشة جغرافياً، وسياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وسيطرة السلطة الفلسطينية المركزية فيها ضعيفة. وينبهان إلى أن هذا ما حدث منذ الثلاثينيات، خلال فترة الانتداب، حينها، قُتل عز الدين القسّام في تشرين الثاني/ نوفمبر 1935 في منطقة يعبد، والذي تحول، بمرور الوقت، إلى رمز للمقاومة الوطنية. وبذلك يشير الباحثان الإسرائيليان لدور منطقة المثلث الكبير في قيادة الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 لكنهما يتوقفان عند الماضي القريب أيضا بالقول إنه خلال الانتفاضة الثانية، كانت جنين ملجأً للمقاومة الفلسطينية، سقط فيها الكثير من القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي، وهو ما يحدث خلال حكم السلطة الفلسطينية، وبصورة خاصة في الأعوام الأخيرة.

الانتعاش الاقتصادي لا يضرب فكرة المقاومة

ويشير الباحثان الإسرائيليان الى أن منطقة جنين وبصورة خاصة المدينة ذاتها تعيش في الأعوام الأخيرة حالة من الانتعاش الاقتصادي ويستند هذا الاقتصاد، أساساً، إلى القدرة الشرائية للعرب من إسرائيل، الذين يزورون المدينة بأعداد هائلة. كما عمل عمال كثيرون من جنين في إسرائيل، وتأسس حاجز الجلمة مع ارتفاع حجم البضائع والبشر الذين يمرون عبره. كذلك أدى افتتاح الجامعة الأمريكية في جنين إلى انتعاش اقتصادي، نظراً إلى أن عدداً كبيراً من طلابها هم من العرب في إسرائيل، فبُنيت حولها مساكن الطلاب، واعتمدت التجارة في الأحياء الجديدة المحيطة بالجامعة على الطلاب الذين انتقلوا إلى السكن هناك. وفي إطار الحديث عن الانتعاش الاقتصادي يقول الباحثان إن المدينة شهدت طفرة في البناء والاقتصاد إلا أن الافتراض السائد الذي يربط ما بين تطوير الواقع اليومي والتشغيلي، والدافع إلى “الإرهاب”، ثبت أنه غير صالح لمنطقة وحالة جنين: رغم الازدهار الاقتصادي، ونسبة التشغيل العالية نسبياً، والعلاقة الوطيدة مع العرب من إسرائيل ومع الاقتصاد الإسرائيلي، فإن جنين بقيت “حاضنة للإرهاب. ويؤكدان أن فكرة المقاومة ما تزال تنبض في المنطقة التي تنجح في تصدير “الإرهاب”  بوتيرة عالية جداً، كما تستطيع أن تكون مصدر إلهام واقتداء لمناطق أُخرى في داخل الضفة الغربية وخارجها، وأيضاً قطاع غزة – بفضل مكانة الجهاد الإسلامي في المنطقة وعلاقته بالجهاد الإسلامي في قطاع غزة.

الانتفاضة الثانية

ويشير الباحثان الإسرائيليان لمرور عقدين على الانتفاضة التي لم يعايشها كثيرون من الجيل الفلسطيني الجديد، الذي يقود في هذه الأيام المعركة من جنين، كما أن آثارها الصعبة على المجتمع الفلسطيني ليست محفورة في الوعي والذاكرة مما يساهم في إقدام الشباب على المقاومة دون تردد.

وينوهان إلى أن هذا بالإضافة إلى أن الإنجاز الذي تبثه الجهاد الإسلامي والفصائل الأُخرى وتعززه “حماس”، والمعركة على الوعي التي تقودها “حماس” و”أجواء التحريض”، والنشاط الذي تقوم به إيران في المنطقة ودعمها المستمر والكبير للجهاد الإسلامي (ومن الممكن إيران ذاتها تشعر بالنصر، في ضوء انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة)، كل ذلك، إلى جانب سياسة إسرائيلية مترددة، احتوائية وحذرة، يرفع من مستوى الدافعية والتصميم لدى الجيل الفلسطيني الشاب على الانضمام إلى المعركة ضد إسرائيل. وضمن مزاعمها ومسعاهما لتفسير حالة النشاط الفلسطيني المقاوم للاحتلال يدعيان أن أحداثا أُخرى تندمج في هذه الصورة الواسعة، كقتل الصحافية شيرين أبو عاقلة خلال اشتباكات بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي، والاعتداء على نعشها الذي تبين أنه بمثابة عملية في الوعي ضد إسرائيل أعادت طرح القضية الفلسطينية على جدول الأعمال العالمي. ويعتبران أن ما يزيد في المعركة على الوعي ويغذيها، فهو الثمن الدموي الذي تكبدته إسرائيل في هذه العمليات، إلى جانب شعور بالانتصار والإنجاز في الساحة الدولية، بالإضافة إلى الافتراض أن إسرائيل تتردد في العودة إلى طريقة العمل التي استخدمتها في الانتفاضة الثانية.

جهود استخباراتية

ورغم الهجمات المتتالية والوحشية للاحتلال التي تشمل إعدامات ميدانية يقولان إن أجهزة الأمن الإسرائيلية عرفت منطقة جنين بأنها المنطقة الأكثر إشكالية، واختارت تركيز جهودها الهجومية فيها لكن هذه الجهود موضعية في جوهرها. ويقولان إن الجهود التي تتركز في عمليات خاصة بهدف اعتقال مطلوبين ومشتبه فيهم هي جهود استخباراتية أساساً، الهدف منها في أغلب الأحيان هو إحباط عمليات آنية ومستقبلية. ويعتبران أن هذا العمل العسكري، من دون نشاط شامل يهدف إلى تجفيف البنى “الإرهابية”، يسمح للفلسطينيين المسلحين في المنطقة بتنظيم أنفسهم بسهولة نسبياً، وتركيز جهودهم وقوة نيرانهم للتصدي لدخول القوات الخاصة الإسرائيلية. ويتابعان”في هذه الظروف، كل عملية خاصة، حتى ولو انتهت بتنفيذ الاعتقال، أو اغتيال المطلوب والمشتبه فيه، تتحول إلى فصل آخر في قصة المقاومة في جنين، ويدعو إلى الفخر، وفي بعض الأحيان، يؤدي إلى إصابات أو قتلى في الجانب الإسرائيلي . ويحذران من التقليل من أهمية عمليات الإحباط الموضعية هذه، لكنها برأيهما ليست كافية لزعزعة بنية “الإرهاب” في جنين. ويريان أن الأخطر هو أن هذه العمليات الخاصة تؤدي إلى رص الصفوف والشعور بالوحدة في أوساط النشطاء الفلسطينيين، كما تؤدي إلى قضم قدرة الردع الإسرائيلية.

ويشير الباحثان إلى أن الأصوات التي تنتقد عملية واسعة، تبرر انتقادها بالخطورة الكامنة في الانجرار إلى حرب على عدة جبهات. ويقولان إن تقديرات هذه الأصوات تشير إلى أنه يجب التعامل مع التهديد القادم من جنين موضعياً وفي المقابل يحذران من أن إنجازات أسلوب العمل الإسرائيلي الحالي في منطقة جنين اليوم، من الممكن أن تكبد إسرائيل ثمناً باهظاً جداً في المدى البعيد.

تآكل الردع الإسرائيلي

ويعتقدان أن الخوف من عملية واسعة في جنين، على نمط “السور الواقي”، تجر إليها الضفة الغربية برمتها، ومن الممكن غزة أيضاً وجهات متطرفة وقومية من أوساط العرب في إسرائيل، يفسر كضعف إسرائيلي، ويشجع الجهات “الإرهابية” في جنين، وافتعال اشتباكات، واستعلاء من جانب قيادات “حماس”. وأكثر من ذلك، برأيهما، فإن هذا الخوف ينعكس على الجبهة الإقليمية – حزب الله وإيران – كما يؤدي إلى تآكل الردع الإسرائيلي.

في فصل الاستنتاجات برأي الباحثين الإسرائيليين سيكون من المهم إعادة تقييم السياسة الحالية بكل ما يخص منطقة جنين، فحص القيمة الاستراتيجية المضافة، الكامنة في عملية واسعة أكثر بكثير، يتم خلالها تحويل قوات عسكرية كبيرة جداً، تعمل ضد جبهات كثيرة في المنطقة والقرى المجاورة لجنين. ويقولان إنه في عملية كهذه، سيكون من الصعب على المسلحين الفلسطينيين توجيه النيران المركزة باتجاه قوة الجيش التي ستنشط في أكثر من مكان في الوقت ذاته. ويضيفان في تسويغ فكرتهما الهجومية” صحيح أن الخطر قائم في أن تتوسع المعركة، ولكن على قوات الجيش والأمن الإسرائيلية أن تكون قادرة على الرد السريع والملائم، كي لا تجد ذاتها أسيرة لمعركة الوعي التي تقودها “حماس”، هذا بالإضافة إلى أن معركة واسعة في جنين، من شأنها أن تكون رادعاً مهماً لمعركة أوسع”.

خلاصة

كذلك يعتقد ميخائيل وفارتان أنه يجب أن يكون الهدف الاستراتيجي من عملية واسعة هو تدمير بنية “الإرهاب” في المنطقة، وبث القوة الرادعة له ولغيره، هذا بالإضافة إلى أن هذه المعركة الواسعة في جنين ستخدم المنطق الاستراتيجي حيال قيادة “حماس” في قطاع غزة، ويردعها عن الالتزام بالاستراتيجية التي بدأتها مع عملية “حارس الأسوار”.  ويقولان إن الهدوء النسبي في قطاع غزة مضلّل: منطقة جنين هي جزء لا يتجزأ من التصعيد الذي حدث خلال الفترة الأخيرة في الجبهة الفلسطينية – الإسرائيلية. استراتيجية الفصل التي تبنتها “حماس”، تقوم على إبقاء غزة هادئة وخارج المعركة الفعلية، وفي المقابل، إشعال كافة الجبهات الأُخرى وقيادة جهود مركزة ومنهجية في مجال الوعي، تستند إلى التحريض والتشجيع على المقاومة المسلحة. ويمضي الباحثان في نقدهما للرؤية الإسرائيلية :في مقابل ذلك، قررت حكومة إسرائيل، باسم عقيدة الاحتواء وعدم الرغبة في جر قطاع غزة إلى المعركة الأساسية الدائرة في الضفة، عدم تدفيع قيادة “حماس” في غزة الثمن – وهذه سياسة يراها الفلسطينيون كدليل ضعف، وتشجع جهود “الإرهاب”.

ويخلص باحثا معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي للقول إن معركة واسعة ضد بنى “الإرهاب” في جنين ستحصد أثماناً عالية من نشطاء “الإرهاب”، وتقوم بصوغ قواعد اللعبة في الجبهة الفلسطينية من جديد، معركة تقودها قوة برية واسعة جداً تقوّض صورة التخوف الإسرائيلي من استخدام القوة، وتُظهر قوة ردع إسرائيلية تتخطى المنطقة الفلسطينية أيضاً.

مقالات ذات صلة