Site icon تلفزيون الفجر

ضباط في جيش الاحتلال يشككون: لا حسم وشيكا في غزة .. والقتال قد يستمر لسنوات

تُظهر شهادات ميدانية ومعطيات داخلية من جيش الاحتلال تناقضًا صارخًا بين التصريحات السياسية التي تروّج لـ”السيطرة” و”الإنجازات”، وبين الواقع العملياتي في قطاع غزة، في إطار حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على القطاع منذ السابع تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وتشير تقديرات عسكرية إلى أن القتال مرشّح للاستمرار لسنوات، وأن حركة حماس لا تزال تحتفظ بقدراتها الأساسية ولم تُهزم بعد وأن الحسم ليس وشيكا، بحسب ما أوردت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عبر موقعها الإلكتروني (واينت)، اليوم الجمعة.

وأظهرت معطيات وزارة الحرب الإسرائيلية أن عملية “مركبات جدعون”، التي تم تسويقها كمرحلة حاسمة من الحرب، لم تكن مدرجة في ميزانية عام 2025، بل وُصفت بأنها “تمديد مصطنع” للحرب التي كان من المفترض أن تُستكمل عبر صفقة أسرى نهاية 2024.

وبحسب مصادر في وزارة المالية، لم يكن في الحسابات الأصلية أي تمويل لمعارك إضافية في غزة أو لإمكانية نشوب مواجهة مع إيران، وتم تقدير كلفة كل من السيناريوهين بنحو 30 مليار شيكل إضافية للميزانية، وفقا لتقرير الصحيفة.

وأقر مسؤولون في شعبة القوى البشرية بالجيش بأن عملية “مركبات جدعون” لم تكن ضمن خطط العام، حيث وُعد جنود الاحتياط بعدم استدعائهم لجولات جديدة بعد خدمة متواصلة استمرت أكثر من عام منذ 7 أكتوبر، لكن تم استدعاؤهم مجددًا خلافًا للخطط.

وتقرر في قيادة الجيش أن تكون سنة 2025 سنة “استقرار” تُستغل للتعافي من الحرب الطويلة، لكن الضغوط السياسية دفعت المؤسسة العسكرية إلى كسر هذه الخطة، وإعادة آلاف جنود الاحتياط إلى غزة، في ظل مشاركة أكثر من 100 ألف منهم في الخدمة حاليًا.

وفي خطابه الأول عند توليه منصبه بداية آذار/ مارس الماضي، أقر رئيس الأركان، إيال زامير، بأن الجيش فشل في تحقيق أحد هدفي الحرب الرئيسيين، وهو “حسم حركة حماس”، رغم أن التصريحات السياسية لا تزال تُقدّم الحرب على أنها في طريقها إلى الانتصار.

واستأنف جيش الاحتلال في 18 آذار/ مارس الحرب على قطاع غزة عندما قررت القيادة السياسية انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، في عملية عسكرية جديدة تحت اسم “القوة والسيف”، وتلقى الجيش توجيهًا سياسيًا واضحًا: تقليل عدد القتلى في صفوفه “لو استغرق التقدّم شهورًا”.

ورغم الحديث عن خمس فرق عسكرية تعمل في غزة، تشير المعطيات الميدانية إلى أن الجيش فعليًا دفع بعدد محدود من فرق القتال، وأن ما جرى لا يشبه إطلاقًا التوغّل الواسع الذي نُفّذ بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 ومنتصف العام 2024.

والقرار بالاعتماد على الجنود النظاميين بدلًا من جنود الاحتياط، لم يكن فقط لتخفيف الضغط عن المدنيين، بل أيضًا لأن “سقوط جندي في العشرين من عمره يُعدّ أقل تكلفة من مقتل جندي احتياط متزوج وأب لأسرة”، بحسب ما ورد في التقرير.

كما يُعتبر الجنود النظاميون أكثر انضباطًا وأقل اعتراضًا على الأوامر، ما يجعلهم أنسب لتنفيذ مهام القتال البطيئة والمركزة. لذلك، حُصرت العمليات في مناطق قريبة من الحدود مثل رفح، جباليا، حي الزيتون، وشرق خانيونس.

ورغم الهجمات المتكررة، لم تصل القوات إلى المعاقل الأساسية لحماس، مثل الشجاعية والرمال والشاطئ وسط مدينة غزة، ولا إلى النصيرات ودير البلح وسط القطاع، حيث يُعتقد أن بعض الأسرى الإسرائيليين لا يزالون محتجزين.

وقال ضابطان من المستويات الميدانية والقيادية إن الجيش “يتقدّم ببطء وبشكل مكشوف ومعقّد”، مشيرَين إلى أن حماس عادت للتمركز في مناطق انسحب منها الجيش مؤخرًا، مثل العطاطرة شمال غزة قرب “زيكيم”، بعد تحويل القوات إلى جبهات أخرى.

وفي معظم مناطق العمليات، يواصل الجيش ، وفقا للتقرير، العمل وفق نمط تكرّر طوال عام ونصف: “بدلًا من فرض حصار فعلي، نعلن للعدو أننا قادمون كي يُخلي السكان، وبهذا نمنحه فرصة للانسحاب”، على حد تعبير أحد الضباط.

وبحسب شهادات ميدانية، تتركز المهام القتالية بشكل متزايد في مرافقة وحدات الهندسة لتدمير المباني، أكثر من مواجهة مباشرة مع مقاتلي المقاومة الفلسطينية، الذين يعتمدون على كمائن صغيرة وعمليات قنص وكمائن متحركة.

قال قائد سرية في إحدى الفرق القتالية: “نادرًا ما نرى مقاتلي حماس بالعين المجردة، حتى في المعلومات الاستخبارية، ونقضي معظم الوقت في تسوية أحياء بأكملها بالأرض، كما جرى في رفح، وإذا اكتُشف وجود مقاومين، فنعتمد على سلاح الجو لاستهدافهم”.

بالتوازي، شهدت هذه المرحلة من الحرب تقليصًا غير مسبوق في تغطية الصحافيين من داخل القطاع، بناءً على توجيهات من المستوى السياسي، بهدف تسويق العملية الحالية بطريقة أكثر سيطرة وتحكمًا، بحسب التقرير.

وعبّر ضباط ميدانيون في الجيش عن استيائهم من هذا التقييد، مشددين على أن تغييب أصوات الجنود والضباط عن الجمهور “يضر بشرعية العملية”، مشيرين إلى أن الرأي العام “يثق أكثر بشهادة الضابط من الميدان لا ببيانات سياسية جاهزة”.

وشهدت لغة الخطاب تغيّرًا واضحًا، فبعد أن كان الهدف المعلن للعملية هو “حسم حماس”، بات يُقدَّم اليوم كوسيلة لـ”الضغط من أجل صفقة تبادل أسرى”، بينما يتحدث قادة كبار في الجيش عن ضرورة المضي قدمًا في القتال.

ويشير بعض قادة الفرق إلى أن الضغوط العسكرية، رغم محدوديتها، أفضت إلى اغتيال قادة ميدانيين في حماس، واستعادة جثامين بعض الجنود، ما يُستخدم كتبرير للاستمرار في المعركة رغم التغيّر في الرسائل السياسية.

ومن مظاهر التناقض، تصدر بيانات متكررة عن الجيش بشأن “السيطرة على 60% أو 75% من قطاع غزة”، دون توضيح عملي لمعنى هذه السيطرة، ما يعيد إلى الأذهان تصريحات مشابهة في جولات سابقة عن استهداف “عشرات مواقع الإرهاب”.

ورغم تلك الإعلانات، يشير التقرير إلى أنه لا وجود فعلي لمعظم قوات الجيش في أغلب مناطق القطاع، وأن حماس ما زالت تسيطر جزئيًا على الأرض وتقدم خدمات مدنية، “ما يعني أن إسرائيل لا تُعد قانونيًا قوة احتلال كاملة في غزة”.

مع ذلك، يواصل مسؤولون سياسيون الترويج لعبارات مثل “الجيش الإسرائيلي يحتل”، رغم ابتعاد هذه الادعاءات عن الواقع العملياتي، الأمر الذي اعتبره التقرير “مخاطبة لآذان اليمين”، أكثر مما هو توصيف دقيق للوضع.

وبحسب العديد من القادة العسكريين، فإن أسلوب “إشعار مسبق” للسكان قبل الهجوم، أدى إلى فرار مقاتلي حماس مع المدنيين، ما أبقى قلة فقط داخل الأحياء لمواجهات محدودة، بينما حافظت الحركة على الجزء الأكبر من بنيتها القتالية.

وقال أحد قادة الألوية: “في الأشهر الأولى، طُلب منا تفكيك 60–70% من قدرات كل كتيبة لحماس في الأحياء، لكن مع إبلاغ السكان المسبق، فرّ المئات من المقاتلين قبل وصولنا، ولم نواجه إلا القليل منهم داخل المناطق”.

ويتابع القائد ذاته: “ربما كان هذا الأسلوب مفيدًا في المرحلة الأولى من المناورة العسكرية لتفكيك القدرات القيادية، لكنه لم يعد فعالًا الآن، فحماس احتفظت بمعظم عناصرها، وانتقلت معهم من حي إلى آخر”.

في المقابل، حاول الجيش تطبيق نموذج مختلف في رفح، عبر فرض حصار شبه كامل على المدينة وتدميرها التام، من خلال إغلاق جميع محاورها، بما فيها الطريق المعروف بـ”محور موراغ” الذي يمتد من “كيسوفيم” شرقا حتى شاطئ البحر غربا.

وعمد جيش الاحتلال على تدمير معظم أبنية المدينة وتحويلها إلى أنقاض، بعد تهجير ما تبقى من سكانها، لتصبح رفح عمليًا المدينة الوحيدة في غزة التي خضعت لحصار فعلي ومُحكم ودمار كامل، وفق ما ورد في الشهادات العسكرية.

ويحذّر التقرير من أن انسحاب الجيش من “محور موراغ”، كما يتم تداوله في إطار مفاوضات تبادل الأسرى مع حماس، سيُعيد الحركة ومئات الآلاف من النازحين إلى رفح، وسيمسّ بالخطة التي وضعتها الحكومة لإقامة “مدينة إنسانية” تُدار تحت إشراف دولي.

وأقرّ أحد القادة العسكريين بأن التراجع عن السيطرة على محور “موراغ”، “سيقوّض كل ما تحقق”، وأنه في حال العودة، “سيتوجب علينا القتال مجددًا في الأحياء نفسها، ما يُفرغ المكاسب من معناها ويجعل أي إنجاز مؤقتًا وهشًّا”.

ويُجمع القادة الميدانيون على أن انتهاء الحرب خلال الأشهر المقبلة، إن حصل، لن يعني انهيار حماس، التي لا تزال تحتفظ بأكثر من 10 آلاف عنصر على أقل تقدير، وتستفيد من الثغرات في الانتشار الإسرائيلي على الأرض.

وتشير شهادة قائد كتيبة 52، من لواء 401، إلى أن الجيش لا يزال يعمل على كشف شبكة أنفاق كبيرة في منطقة جباليا، موضحًا أن “بعض هذه الأنفاق أعقد وأطول من شبكة المترو في تل أبيب”، وأن قادة ميدانيين في حماس لا يزالون طلقاء.

وأشار أحد قادة النخبة في سلاح المشاة إلى أن الواقع في قطاع غزة لا يختلف كثيرًا عمّا كان قبل أشهر، مشددا على أن “القضاء على حماس يتطلب سنوات، وما يُقال عن حسم وشيك أو نصر قريب ليس سوى أوهام تُباع للجمهور”.

وأضاف “نتحدث هنا عن مشروع طويل الأمد، قد يمتد لعقد كامل، فحماس بنت بُناها التحتية العسكرية على مدار سنوات، في جميع مناطق القطاع، وتفكيكها يتطلب وقتًا وموارد ضخمة، ووجودًا مستمرًا”.

في الوقت نفسه، لا تُعنى كل القوات المنتشرة في غزة بمواجهة مباشرة مع مقاتلي حماس. بعض الوحدات، مثل تلك التابعة للفرقة 36، تنفّذ مهام تتعلق بتأمين محاور الوصول إلى مراكز توزيع “المساعدات” التي تقدم عبر الآلية الإسرائيلية الأميركية، فضلًا عن “حراسة المواقع الخلفية”.

وتُظهر شهادات ميدانية أن الجنود “أُجبروا” على إطلاق النار في محيط مراكز التوزيع التي أنشأتها إسرائيل لـ”مؤسسة غزة الإنسانية”، في استهداف للمدنيين الجوعى، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا من المدنيين، في مشاهد وثّقها العالم خلال الأسابيع الأخيرة.

في أحد الحوادث، جرى استخدام قذائف مدفعية لإبعاد المدنيين عن شاحنة مساعدات، ما أدى إلى مقتل عشرات الفلسطينيين، قبل أن يُمنع لاحقًا استخدام هذا السلاح “لأغراض تفريق”، بعد ما وُصف بأنه “خطأ عملياتي خطير”.

وبحسب مصدر أمني رفيع، باتت مهمة “توزيع الطعام على الفلسطينيين” تستهلك مئات الجنود يوميًا، رغم أنها ليست من صلب مهام الجيش، بل تسندها فعليًا جهات أميركية وفلسطينية (في إشارة إلى ميليشيات محلية تتعاون مع الاحتلال) في الميدان، لكن حماية الممرات ومحيطها تبقى مسؤولية الجيش.

Exit mobile version