
سبع مقترحات عاجلة لحماية المصانع الفلسطينية من اعتداءات المستوطنين
بعد أن دمر الاحتلال 90% من القطاع الصناعي في قطاع غزة، تتعرض الصناعة الفلسطينية في الضفة الغربية اليوم لموجة من الهمجية والتخريب على أيدي جماعات المستوطنين
هذه الممارسات العدوانية ليست أحداثاً عشوائية، بل جزء من سياسة كولونيالية ممنهجة تستهدف شريان الحياة الفلسطينية. فنحن في مرمى كراهية مسكونة بالخوف من إرادة فلسطينية تُنتج وتبني رغم كل الحواجز. إذ يُنظر الى المنتج الوطني كتهديد بنيويّ لمنظومة الهيمنة، فيما يُشكّل في المقابل مصدراً للأمل والقدرة على الصمود والابتكار.
كيف نحصن منشآتنا الصناعية من عدوان المستوطنين؟
سؤال يلامس جوهر التحدي الصناعي الفلسطيني في ظل منظومة استعمارية عنصرية تسعى إلى خنق أي إنتاج وطني. ورغم مركزية هذا التحدي وخطورته، فإنه ليس التحدي الوحيد، بل يأتي ضمن منظومة أوسع من القيود الاقتصادية والسياسية. إن التعامل مع هذا الواقع لا يقتصر على إدخال تغييرات في البنى التحتية لتحصين المنشآت، أو ترسيخ نهج المقاطعة الواعية، أو تضمينه في الخطاب السياسي الرسمي فحسب، بل يتطلب خطة مركّبة، إدارية وقانونية وإعلامية، تشكل أساسًا لتحرّك منظَّم. وفيما يلي مقترح أولي:
إرساء منظومة سلامة داخل المصنع من خلال إعداد خطط طوارئ متكاملة، تشمل تعليمات يومية لضمان الالتزام، وإرشادات واضحة للتصرف في حالات الخطر، إلى جانب تدريب العاملين على سرعة التحرك والتواصل الداخلي في حال وقوع أي اعتداء. ويشمل ذلك تحصين المنشأة فيزيائيًا، وتفعيل الحراسة، وتركيب كاميرات ذكية وأنظمة إنذار مبكر، ومراجعة فعالية أنظمة مكافحة الحرائق، وضمان وجود قناة اتصال مباشرة وسريعة مع الدفاع المدني، بما يحقق سرعة الاستجابة ويحدّ من حجم الأضرار.
بناء قاعدة بيانات وطنية للتوثيق الجنائي، تتولى من خلالها وزارة الصناعة، بالتنسيق مع الجهات ذات الاختصاص، توثيق جميع الاعتداءات التي تتعرض لها المواقع الصناعية بالصوت والصورة، وتقدير حجم الخسائر، وتوثيق شهادات المعتدى عليهم وفق معايير الأدلة الجنائية المعتمدة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء منصة رقمية متخصصة تُعنى بجمع هذه البيانات وأرشفتها، تمهيدًا لنشرها وتوظيفها في التقارير الحقوقية، واستخدامها كأدلة موثقة أمام المحاكم الدولية والهيئات الأممية ذات الصلة.
تطوير أدوات تأمين خاصة بالصناعة الفلسطينية ضد أضرار الحروب واعتداءات المستوطنين، وهو تحدٍّ يتطلّب حلولًا عملية قابلة للتنفيذ، قد تشمل إدماج التأمين ضمن برامج الدعم الدولي، أو إنشاء صندوق تعويض طارئ بتمويل دولي، أو التشبيك مع الصناديق العربية والإسلامية المتخصصة. ويتطلّب هذا التوجّه فتح مسارٍ عاجلٍ للحوار بين هيئة سوق رأس المال ووزارة الصناعة.
تحويل الأعمال التخريبية إلى رواية إعلامية فلسطينية عالمية، من خلال قيام وزارة الصناعة والاتحادات الصناعية بالتواصل مع الجامعات، لتحويل الاعتداءات إلى قصة تُروى باعتبارها انتهاكًا لحق الفلسطيني في الحياة. ويمكن تشجيع طلاب الإعلام والفنون على إنتاج محتوى بصري قصير ومؤثر، بعدة لغات، يُظهر حجم الأضرار الواقعة على الأصول الصناعية، ويُحمِّل المستوطنين، إلى جانب الدعم الرسمي الإسرائيلي، المسؤولية القانونية والأخلاقية عن هذه الاعتداءات، وذلك ضمن إطار مشاريع أكاديمية أو مسابقات وطنية تحفّز الإبداع في نقل الرواية الفلسطينية. وتتولى وزارة الخارجية والسفارات الفلسطينية، بالتنسيق مع وزارة الصناعة، نشر هذه المواد على مواقعها الإلكترونية ومنصاتها الرقمية، بما يعزّز حضور الرواية الفلسطينية في الفضاء الإعلامي الدولي.
إدراج هذه الانتهاكات ضمن أجندة النمو الأخضر والصناعة الخضراء في فلسطين، وربطها بالمنظومة البيئية الدولية، عبر إبراز كيف يشكّل الاستيطان وأعمال التخريب التي يرتكبها المستوطنون عائقاً مباشراً أمام النمو الأخضر والعدالة البيئية. ويمكن للجهات المختصة، كوزارة الصناعة ووزارة الاقتصاد الوطني وسلطة جودة البيئة واتحاد الصناعات، إلى جانب المؤسسات الحقوقية، إعداد ملفات قانونية وبيئية تتيح استثمار المواقف الدولية الرافضة للاستيطان، لفتح مسارات قانونية وأخلاقية تُسهم في تدويل هذه الجرائم وكشف آثارها المدمّرة على التنمية.
دراسة جدوى إنشاء “خلية أزمة” تُعنى بملف هجمات المستوطنين على الكيانات الصناعية، تنبثق عن الاتحاد العام للصناعات، وقد تضم ممثلين عن وزارة الصناعة، ووزارة الاقتصاد الوطني، ووزارة الخارجية، وسلطة جودة البيئة، والاتحادات العمالية، والمؤسسات الحقوقية. وتعمل هذه الخلية على توحيد الجهود الوطنية في فضح الممارسات العدوانية، ووضع آليات مشتركة للتوثيق، وتبادل البيانات والمعلومات، وتنسيق المواقف القانونية والإعلامية، إضافة إلى متابعة الإجراءات المطلوبة مع الجهات المحلية والدولية ذات الصلة.
تكثيف دور الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين من خلال الاستمرار في إطلاق حملات دولية تُبرز معاناة العاملين الفلسطينيين في المواقع الصناعية، وتسليط الضوء على المخاطر التي يتعرضون لها أثناء أداء عملهم بفعل اعتداءات المستوطنين وممارسات الاحتلال. ويمكن الاستفادة من الشراكات مع اتحادات عمالية دولية، مثل اتحادات أوروبا والاتحاد الدولي لنقابات العمال، لتوفير دعم نقابي وإعلامي وقانوني، يشمل إصدار بيانات مشتركة، والضغط على الحكومات والشركات لتحمّل مسؤولياتها الأخلاقية تجاه حماية عمالنا بوصفهم جزءًا من منظومة الإنتاج المدني المحميّة بموجب القانون الدولي.
إن حماية المنشآت الصناعية في فلسطين ليست مطلبًا اقتصاديًا فحسب، بل هي مطلب سيادي يرتبط بحماية الوجود الفلسطيني ذاته. فالمنتج الوطني فعلُ بقاءٍ ومقاومةٍ مدنية، يكتب الرواية الفلسطينية بالفعل، في مواجهة منتجات إسرائيل والمستوطنات التي تُوظَّف كأدواتٍ لإعادة إنتاج الغياب الفلسطيني في المجالين الاقتصادي والرمزي. وفي هذا السياق، نوجّه تحية فخر وتقدير إلى جميع العمال والمنتجين الفلسطينيين الذين يواجهون الظلم بالإصرار، والخراب بالأمل.
1بيانات وزارة الصناعة الفلسطينية.
2 وفقا لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في الأراضي الفلسطينية المحتلة، شملت الأعمال العدوانية التي نفذها المستوطنين ضد منشآت صناعية خلال العامين الأخيرين مايلي: حرق مصنع باطون قرب ترمسعيا، وتخريب ورش حدادة وميكانيك في حوارة، وإحراق مخازن ومعدات صناعية في عين سامية، والاعتداء على مطاحن أعلاف في طوباس، وإحراق مشاغل نجارة في الخليل، وإعطاب منشآت صناعية في بيتونيا، وحرق محازن الجنيدي الزراعية، حرق سيارات النقل لمخازن الجنيدي للألبان بدير شرف.
(سنكون يوما ما نريد …لا الرحلة ابتدأت…. ولا الدرب انتهى… “محمود درويش”)
أحمد العربي







