بقلم: د. عبدالله كميل
منذ السابع من أكتوبر، دخلت الضفة الغربية مرحلة شديدة الحساسية، اتسمت بتصاعد الاقتحامات، وتشديد القيود على الحركة، وتفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا السياق، تواجه طولكرم واقعًا مركبًا يجمع بين الضغوط الأمنية، وأزمة النزوح من المخيمات، والركود الاقتصادي الناتج عن الحصار المالي ومنع آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل أراضي الـ48.
قد يبدو الحديث عن الاستثمار في مثل هذه الظروف أمرًا مؤجلًا، إلا أن التجربة تثبت أن الاقتصاد المحلي ليس تفصيلًا ثانويًا في أوقات الأزمات، بل عنصر استقرار أساسي. فحين تتعطل دورة الحياة الاقتصادية، تتسع دائرة الهشاشة الاجتماعية، ويتراجع الأمل بالمستقبل.
أولوية الحكم الرشيد
في بيئة تتسم بعدم اليقين، يصبح ترسيخ النظام والقانون ضرورة مضاعفة. وضوح الإجراءات، تسريع المعاملات، ضمان العدالة والمساواة أمام القانون، وتعزيز الشفافية والمساءلة — كلها عناصر تشكل رسالة طمأنة للمستثمر المحلي والخارجي على حد سواء.
الاستثمار لا يبحث فقط عن الفرص، بل عن بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها. ولذلك فإن تعزيز الحوكمة الرشيدة ليس شعارًا إداريًا، بل شرطًا موضوعيًا لبقاء النشاط الاقتصادي واستمراره.
المخيمات والنزوح: البعد الإنساني للتنمية
تعرضت مخيمات طولكرم لاقتحامات وأعمال تجريف أدت إلى نزوح كل ابنائها وتضرر البنية التحتية. إن معالجة هذا الملف لا تقتصر على البعد الإنساني فحسب، بل تمتد إلى البعد التنموي.
فالمجتمع المستقر اجتماعيًا هو الأساس لأي بيئة استثمارية سليمة. إعادة الخدمات، دعم العائلات المتضررة، والعمل على استعادة الاستقرار المجتمعي، تمثل جميعها استثمارًا في رأس المال الاجتماعي، الذي يشكل بدوره حجر الأساس لأي نمو اقتصادي مستدام.
الاقتصاد المحلي بين الانكماش وإعادة الهيكلة
تراجع القدرة الشرائية، وتعطل قطاعات حيوية، وازدياد الضغوط على المنشآت الصغيرة والمتوسطة — كلها مؤشرات على مرحلة انكماش اقتصادي. ومع ذلك، فإن الأزمات قد تفتح المجال لإعادة هيكلة الأولويات الاقتصادية، من خلال:
• دعم الإنتاج المحلي وسلاسل التوريد الداخلية.
• تحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد.
• توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
• تشجيع المبادرات الشبابية والابتكار المحلي.
إن بناء اقتصاد أكثر مرونة هو الهدف الواقعي في هذه المرحلة، وليس مجرد السعي إلى معدلات نمو تقليدية.
بين الاستقرار والتنمية
التنمية الاقتصادية في المناطق المتأثرة بالنزاع ليست ترفًا، بل عنصرًا من عناصر منع الانهيار المجتمعي. وكلما تعززت فرص العمل، وتحسنت الخدمات، وتوطدت الثقة بالمؤسسات، ازدادت قدرة المجتمع على الصمود.
في طولكرم، ورغم القيود والتحديات، ما زلنا نؤمن بأن الاستثمار مسؤولية مشتركة بين المؤسسة الرسمية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، وأن بناء بيئة اقتصادية مستقرة يشكل مساهمة عملية في تعزيز الاستقرار العام.
إن الرهان الحقيقي ليس فقط على تجاوز الأزمة الراهنة، بل على تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء نموذج تنموي أكثر انضباطًا ومرونة، يقوم على الحوكمة الرشيدة، والشراكة، والثقة المتبادلة.
طولكرم تواجه اختبارًا صعبًا، لكنها تمتلك من الإرادة والوعي المجتمعي ما يؤهلها لتجاوز هذه المرحلة — بثبات ومسؤولية.
البعد القانوني الدولي ومسؤولية المجتمع الدولي
إن حماية السكان المدنيين وضمان حقهم في العمل والتنقل والحياة الكريمة ليست مطالب سياسية فحسب، بل حقوق مكفولة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة التي تؤكد ضرورة حماية المدنيين في أوقات النزاع وضمان استمرارية الحياة المدنية والاقتصادية قدر الإمكان. إن تمكين المجتمعات المحلية من الحفاظ على نشاطها الاقتصادي، وإعادة إعمار ما تضرر، وضمان وصول الخدمات الأساسية دون عوائق، يشكل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا على عاتق المجتمع الدولي. فالتنمية في البيئات المتأثرة بالنزاع ليست قضية داخلية فحسب، بل جزء من منظومة استقرار إقليمي ودولي أوسع، يقوم على احترام القانون، وصون الكرامة الإنسانية، وتعزيز فرص العيش الكريم بوصفها ركيزة للاستقرار الدائم.

