أصدرت محكمة الصلح التابعة للاحتلال في مدينة القدس المحتلة قراراً يقضي بتمديد اعتقال الصحفية الفلسطينية المستقلة شيرين العبيد لمدة ثلاثة أيام إضافية. وجاء هذا القرار بعد أن وجهت شرطة الاحتلال للصحفية تهمة تقديم خدمات لمنظمة توصف بأنها ‘إرهابية’ وفق التصنيفات الإسرائيلية، وذلك على خلفية نشاطها المهني في توثيق الأحداث الميدانية.
وتعود تفاصيل القضية إلى يوم الأحد الماضي، عندما أقدمت قوات الاحتلال على توقيف العبيد أثناء سيرها في أحد شوارع القدس الشرقية. وزعمت مصادر عبرية أن الصحفية كانت ترسل مقاطع فيديو إخبارية لشبكة ‘القسطل’ الإعلامية، وهي المنصة التي وضعها وزير أمن الاحتلال السابق يوآف غالانت على قوائم الحظر في أواخر عام 2023.
وأفادت تقارير صحفية بأن المواد المصورة التي استندت إليها لائحة الاتهام لا تتضمن أي محتوى تحريضي أو دعوات للعنف، بل هي مجرد توثيق لأحداث عامة. ومع ذلك، تصر سلطات الاحتلال على ملاحقة الصحفيين المقدسيين الذين يزودون المنصات المحلية بالمحتوى الإخباري، في محاولة للتضييق على الرواية الفلسطينية في المدينة المقدسة.
وخلال جلسة المحكمة، طالبت شرطة الاحتلال بتمديد توقيف العبيد لمدة سبعة أيام لاستكمال التحقيقات، مدعية وجود خطورة أمنية في نشاطها. إلا أن القاضي ‘غد أرنبرغ’ قرر الاكتفاء بثلاثة أيام فقط، مشيراً إلى أن الرواية التي قدمتها الصحفية تحتاج إلى فحص وتدقيق قانوني قبل اتخاذ إجراءات أطول أمداً.
من جانبه، انتقد المحامي محمد محمود، الموكل بالدفاع عن العبيد، سلوك النيابة والشرطة، مؤكداً أن ممثل الادعاء حاول تضليل المحكمة عبر الإيحاء بأن المواد المنشورة حديثة جداً. وأوضح محمود أن المقاطع موضوع التحقيق تعود إلى نهاية العام الماضي وبداية شهر يناير، مما ينفي صفة الاستعجال أو الخطورة المزعومة.
وتساءل الدفاع عن سبب لجوء الاحتلال إلى الاعتقال الميداني المباشر بدلاً من الاستدعاء الرسمي للتحقيق، خاصة وأن هناك أمر اعتقال غيابي صدر بحقها منذ شهر كامل دون تنفيذه. واعتبر المحامي أن هذا التراخي في التنفيذ يثبت أن الأجهزة الأمنية لم تكن ترى في الصحفية أي تهديد حقيقي طوال الأسابيع الماضية.
وأشار المحامي محمود إلى أنه كان من الأجدى إبلاغ الصحفية رسمياً بحظر التعامل مع تلك الشبكة الإعلامية إذا كان الهدف هو تطبيق القانون، وليس مباغتتها بالاعتقال. وشدد على أن موكلته تعمل بشكل مستقل ولم تكن بالضرورة على دراية كاملة بالتصنيفات القانونية المعقدة التي يفرضها الاحتلال على المؤسسات الإعلامية.
وفي سياق متصل، ذكرت مصادر مطلعة أن شبكة ‘القسطل’ المستهدفة تواصل عملها الصحفي بالاعتماد على مواد مفتوحة المصدر وتقارير ميدانية من القدس والضفة الغربية. ويأتي استهداف المتعاونين معها في إطار حملة أوسع تشنها سلطات الاحتلال ضد المؤسسات الإعلامية التي تنقل انتهاكات المستوطنين واقتحامات المسجد الأقصى.
وعلى الرغم من تقديم طعن ضد قرار التمديد، إلا أن المحكمة المركزية في القدس رفضت الاستئناف المقدم من هيئة الدفاع، وأيدت قرار محكمة الصلح. ويعني هذا القرار بقاء الصحفية العبيد في مراكز التوقيف تحت وطأة التحقيق المستمر، مما يثير مخاوف حقوقية بشأن ظروف احتجازها وحرمانها من ممارسة عملها.
وتشير المعطيات إلى أن الاحتلال بات يستخدم تهمة ‘تقديم خدمات لمنظمات إرهابية’ كذريعة قانونية لملاحقة كل من يساهم في نقل الخبر من داخل القدس. وتستهدف هذه السياسة بشكل مباشر الصحفيين المستقلين الذين لا يتمتعون بحماية مؤسساتية كبرى، مما يجعلهم عرضة للاعتقال والتنكيل المستمر.
وتؤكد مراكز حقوقية أن ملاحقة شيرين العبيد تندرج ضمن سياسة ‘تكميم الأفواه’ الممنهجة في المدينة المقدسة، حيث يتم تجريم العمل الصحفي المهني. وتعتبر هذه المراكز أن تصنيف المؤسسات الإعلامية كمنظمات إرهابية هو أداة سياسية تهدف إلى عزل القدس عن محيطها العربي والدولي إعلامياً.
يُذكر أن الصحفية العبيد كانت قد وثقت خلال الأشهر الماضية سلسلة من الأحداث الهامة في القدس، بما في ذلك التضييقات على المصلين وهدم المنازل. ويبدو أن هذا النشاط الميداني المكثف هو السبب الحقيقي وراء ملاحقتها، بعيداً عن التبريرات الأمنية التي تسوقها أجهزة المخابرات في قاعات المحاكم.
وفي ختام الجلسة، أكد القاضي أن الصحفية لم تنكر إرسال المقاطع المصورة، لكنه أقر بأن هذا الاعتراف لا يكفي وحده لإثبات القصد الجنائي المرتبط بدعم الإرهاب. ومع ذلك، أبقى على قرار التوقيف بدعوى ‘الاشتباه المعقول’، وهو مصطلح قانوني فضفاض يستخدمه الاحتلال لتبرير الاعتقالات الإدارية والمؤقتة.
وتنتظر الأوساط الصحفية في القدس ما ستسفر عنه الأيام القادمة، وسط دعوات لتوفير حماية دولية للصحفيين الفلسطينيين الذين يواجهون خطر الاعتقال اليومي. وتبقى قضية العبيد نموذجاً صارخاً للتحديات التي يواجهها الإعلاميون في ظل قوانين الطوارئ والتصنيفات الأمنية الجائرة التي يفرضها الاحتلال.

